العدد الثالث عضر - تموز 2006

الأسسُ الفلسفية للفكر النسوي الغربي في ثلاثة عقود

سركيس أبو زيد
الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

الحديث مع الدكتورة خديجة العزيزي فيه متعة الكلام وحضور الأم وتطلعات امرأة نحو حقوق أكثر توسعاً وعدالة، وفيه أيضاً حضور أغلبية النساء وتجاربهن وأحلامهن وهمومهن، في مجتمع عربي لا تزال فيه المرأة تقف عند مفارق العدالة والمساواة.
خديجة العزيزي، شخصية حقيقية جداً، وامرأة تشبه فقط ذاك النوع القليل من المناضلات في حقوق المرأة البعيدات عن الادعاءات الفارغة والتزلّف المجتمعي.
خديجة العزيز ي تشبه شريحةً واسعةً من النساء. تشبه الكثيرات في طموحها العلمي: حصلت على إجازة في الآداب من جامعة دمشق "دراسات فلسفية واجتماعية" وماجستير في الفلسفة حول "فينيمولوجيا الانفعال والتخيّل عند سارتر" في الجامعة الأردنية. وعملت مدرسة تربية وعلم نفس في كلية الأميرة عالية التابعة لجامعة "البلقاء".

وهي أيضاً تشبه الكثيرات في واقعها الاجتماعي من حيث الزواج والإنجاب والتفرغ للأسرة، حتى في مواجهتها للقدر: وفاة الزوج وترمّلها وتحمل مسؤولية العائلة. لكنها بالتأكيد لا تشبه أغلبية النساء في إصرارها على تحقيق سعيها العلمي بعد انقطاع طويل عن الدراسة.

أليست مشكلة النساء في تخليهن أو ابتعادهن عن هويتهن الحقيقية الداخلية في مسيرتهن الحياتية؟

فبعد انقطاع طويل عن عالم الدراسة والكتب وسهر الليالي، أكملت خديجة العزيزي مسيرتها وتابعت تحصيلها العلمي فحازت شهادة الدكتوراه في الفلسفة من الجامعة اللبنانية في بيروت واختارت "الأسس الفلسفية للفكر النسوي الغربي".
أطروحة الدكتوراه جاءت في زمن إشكالية الحوار بين الثقافات المختلفة وفي زمن إعادة صياغة النظم والمفاهيم والقيم وفي زمن الدعوة إلى قبول الآخر والحق في الاختلاف.

وفي وطننا العربي ومجتمعاتنا الضيقة المحكومة بالموروث الثقافي والديني والاجتماعي يصير الخيار الأساسي على المحك متأرجحاً بين قبول الثقافة الغربية وبين التمسك بالهوية.

في هذا الزمن إذاً أطلت خديجة العزيزي في رسالة الدكتوراه على الحركات النسائية الغربية في سعي لتشكيل نقاط التقاء بيننا وبين الثقافة الغربية من الباب النسوي.
وفي الكتاب تمضي الدكتورة العزيزي في دروب الفكر النسائي من زاوية التحليل الفلسفي للتيارات النسوية الغربية، فتنتقد بعض الآراء، خصوصاً تلك المتعارضة مع خصوصيات مجتمعات كثيرة وتلتقي مع تلك القائمة على الحرية والعدالة والمساواة. ويستعرض الكتاب مذاهب أساسية في الخطاب النسوي الغربي، متيحاً فرصة قراءة تاريخ هذه المذاهب وقاعدة بنيانها.

وفي الكتاب تحليل لأعمال فلاسفة الحركة النسوية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. فهو يكشف ثلاث مراحل متتابعة يصعب الفصل بينها. في المرحلة الأولى تمركز حول النقد الراديكالي للفلسفة السياسية الغربية وللنظام البطريركي، وفي المرحلة الثانية تمركز حول توظيف مقولة الجنوسة Gender في فهم طبيعة المرأة والقمع الموجَّه ضدها، وفي الثالثة تمركز حول مقولات فلاسفة ما بعد الحداثة وإمكان توظيفها بطريقة تخدم الفكر النسوي:

 ـ  اهتم الجيل الأول من فلاسفة الحركة النسوية بتحليل أعمال فلاسفة كبار ونقدها واتهموهم بمعاداتهم النساء والتحيز ضدهن. واللافت أن مفكرات وفلاسفة هذا الجيل تأثرن إلى حد كبير بآراء انغلز وماركس، وسعين إلى نقد النظام البطريركي ووصفه بأنه نظام قمع اجتماعي يقوم على أساس النزعة الجنسية.

في هذه المرحلة انشقت الحركة السحاقية عن الحركة الراديكالية وأكدت أهمية ممارسة السحاق كوسيلة لمقاومة النظام البطريركي. وتشكلت الحركة الاشتراكية النسوية التي دمجت النقد الراديكالي للبطريركية مع النقد الماركسي للرأسمالية.

 ـ  في المرحلة الثانية، لعبت مقولة الجنوسة دوراً مهما في التحليل والنقد النسوي. وكانت عبارة سيمون دو بوفوار "أن الواحدة لا تأتي إلى العالم امرأةً وإنما يشكلها المجتمع امرأةً"، هي النافذة التي أطلت عليها مفكرات هذه المرحلة، فحاولن تصور مجتمع يخلو من التمييز والقمع واتهمن الفلاسفة الذكور بأنهم وظفوا مبدأ العقلانية لإقصاء النساء عن المجالات المعرفية وتعاموا عن رؤية مفكرات مثل ولتسون كرافت وسيمون دو بوفوار.

في هذه المرحلة انتقد فلاسفة الحركات النسوية التشريعات القانونية المجحفة بحق النساء. وقد أدى استخدام مقولة الجنوسة إلى انبثاق نوعين من التنظير: الأول يقول بوجود ماهية ثابتة لكل جنس وبتأثير العوامل البيولوجية على الطبيعة البشرية (ماري دالي ـ سوزان غريفن ـ مارلين فراي...)، والثاني يرفض وجود ماهية ثابتة ويؤكد تأثير العوامل الاجتماعية على الإنسان (جولييت ميتشيل ـ ساندرا بارتكي...) وقد غالى كل اتجاه في تقديره تأثير عامل واحد على سلوك الإنسان. فالاعتقاد بحتمية بيولوجية أدى إلى المغالاة في تعظيم الصفات الأنثوية، في تقدير أهمية جسم المرأة إلى درجة اختزال المرأة في حدود الجسد، اختزال الجسد في حدود بعده الجنسي.
والثاني بالغ في تقدير العامل الاجتماعي وفي تفسير الفروق الطبيعية والنفسية والفيزيولوجية والبيولوجية بين الجنسين بالاختلافات الاجتماعية والسياسية.

 ـ  أما المرحلة الثالثة فقد تميزت بتأثر فلاسفة الحركات النسوية بآراء فلاسفة ما بعد الحداثة أمثال فوكو ودريدا. فقد شكل نقد هؤلاء الفلاسفة لمفهوم العقلانية ولمركزية العقل والتعريف الواحد للحقيقة، حلقة الوصل بين الفكر النسوي وفكر ما بعد الحداثة. وحفزت آراء فوكو المفكرات على تقديم المذهب النسوي على انه علم مواجهة يتحدى الإنسان الذكر كمفهوم جنوسي وكمفهوم عام. ووجدت بعض المفكرات في آراء دريدا التي تحمل فكراً نسوياً وموضوعات تتعلق بالنساء عناصر مناسبة لبناء النظرية النسوية.

عن نقاط الضعف التي عبرت تجربة الفكر النسوي الغربي تقول العزيزي: "إن السير في هذه الدروب لم يكن سهلا بسبب كثرة منعطفات الفكر النسوي الغربي وتعدد اتجاهاته من حيث تعدد الحركات فيه كالليبيرالية والماركسية والراديكالية والاشتراكية والسحاقية وحركات ما بعد الحداثة، إضافة إلى صعوبة تصنيف مفكراته ضمن إطار الحركات وذلك بسبب تراجع بعضهن عن ثوابتهن الفلسفية الأساسية مثل ماري دالي، وتنقّل بعضهن بين حركة وأخرى مثل جولييت ميتشيل، وبسبب وجود مفكرات لا ينتمين إلى أي حركة مثل مارسيل لاكوست وسوزان هيك.

ومن الصعوبات أيضاً، غموض النصوص واحتواؤها على آراء مترددة وحائرة ومربكة (رأي سيمون دو بوفوار في جسد المرأة) وتعدد المفاهيم التي لم تتفق المفكرات على معان محددة لها مثل: الجنوسة Gender، الخنوثة...".

وأضافت: "على الرغم من أن جذور الفكر النسوي المعاصر تمتد إلى فلسفة التنوير، فإنه لا يخفى مدى تأثره بفلاسفة معاصرين، وبخاصة فلاسفة ما بعد الحداثة أمثال دريدا وفوكو. هذا التأثر يعود إلى التحاق النساء المنتميات إلى الحركة النسوية في النصف الثاني من القرن العشرين بالعمل في الأوساط الأكاديمية الفلسفية.


إن تبنّي المفكرات آراءً تتعارض ومبادئ فلسفة التنوير أدى إلى توتر واضح وانقسام بين الحركات النسوية لتعارضه مع المطلب الابستمولوجي للحركات النسوية: التوصل إلى حقائق تثبت زيف الفكر الذكوري.

هذا الانقسام أفرد آراءً متميزةً، إذ أدرك فلاسفة الحركة النسوية أهمية المبادئ المعيارية في تأكيد المساواة والتحرير، وفي نقد الواقع الاجتماعي فتم استخدام الحجج الفلسفية في تسويغ حقوق النساء ضمن إطار أخلاقي عام يتيح للإنسان إدراك مسؤولياته، لا كفرد بل كإنسان اجتماعي".

ما الذي تواجهه الفلسفة النسوية؟

 ـ  أسئلة صعبة. فكثير من الأكاديميين الذكور العاملين في الفلسفة اعتبروا أن الفلسفة النسوية ليست حقيقية، وبعضهم اقترح وضع الفلسفة النسوية في إطار فلسفة الجنس.
هل يمكن للفكر النسوي أن يتزاوج مع الفلسفة، ولماذا؟
 ـ  يعتبر هوسيرل أن الفلسفة وفق صياغتها التقليدية تعزل نفسها عن مشكلات الحياة اليومية، وتبحث عن حقيقة مطلقة وتهتم بأمور عامة تتعلق بالإنسانية ككل. بينما ينتمي الفكر النسوي إلى حركة تاريخية ويهتم بجماعة محدودة من الناس هي جماعة النساء. إذاً هناك تعارض شديد. فالفكر النسوي يقع على ما هو واقعي وعيني وتاريخي وخاص، بينما تقع الفلسفة على طريق ما هو مجرد وأبدي وعام. من هنا يمكن فهم الجفاء التاريخي بين المرأة والفلسفة وسبب استبعاد قضية المرأة منذ نشوء الفلسفة عن الشرائع التي تنظّم الدولة.

لكننا إذا فهمنا الفلسفة وفقاً لتصور عدد كبير من الفلاسفة المعاصرين، على أنها نشاط معياري تحليلي تركيبي يبدأ حين يتخذ الإنسان موقفاً مسؤولاً حيال قضايا العالم، المعرفة، الوجود، السياسة، الأخلاق والعمل، فإننا يمكن أن نستخلص موقفاً فلسفياً للمذهب النسوي. فالقراءة الفلسفية والتاريخية لفلاسفة الحركات النسوية تؤكدان أن الفلسفة ليست مضادةً للفكر النسوي.

 فقد أفرز التنظير النسوي أسئلة فلسفية جديدة حول تعريف الفلسفة لنفسها وحول إعادة قراءة الإنسان ومسؤولياته ومفاهيم الحرية والمساواة والحقوق.

ما هي مكامن الضعف في الفكر النسوي الغربي؟

-  الحقيقة أن النظرية النسوية الفلسفية تحتاج إلى مراجعة افتراضها أن جميع نساء العالم مقموعات ومقهورات، ينبغي أن يوضع موضع تساؤل والتأكد من صحته من طريق التعاون مع متخصصين في المجالات التربوية والنفسية والاقتصادية والسياسية. فالنسوية الغربية تؤكد ضرورة فرض تلك الاقتراحات على دول العالم أجمع وتطالب بتوسيع صلاحيات الأمم المتحدة من أجل تنفيذ هذه المهمة بحجة حماية حقوق الإنسان.

هذه النسوية نشأت في بيئة غربية وانبثقت تصوراتها وحلولها من ثقافة تلك البيئة مع تفسيرها للحرية بمعناها الليبرالي، وهذا يتعارض مع ثقافة الدول العربية.
مع مَنْ تلتقي خديجة العزيزي في هذا الكتاب؟

 ـ  بعيداً عن الدعوة إلى التبعية للفكر النسوي الغربي أو الاندماج مع حركة نسوية معينة، فأنا مقتنعة بأن النظرية النسوية يجب أن تتضمن فكراً معقولاً يخدم كل النساء ويراعي خصوصيات مجتمعات كثيرة. وفيما يتعلق بالآراء عن طبيعة المرأة، أؤيد رؤية الحركة النسوية الاشتراكية لطبيعة المرأة لأنها لم تعتبر المرأة نتاج الجنوسة وحدها ولم تتجاهل تأثير الطبيعة البيولوجية على صفاتها وأوضاعها ومشكلاتها، وأنتقد اعتراض الاشتراكيات على الزواج القائم على أساس التغاير الجنسي وتشجيعهن النساء على السحاق وما يترتب عنه من مشكلات صحية ونفسية واجتماعية وديموغرافية.

وفيما يتعلق بالفكر النسوي السياسي والاجتماعي والأخلاقي، أؤيد وجهة نظر المفكرات الليبراليات، أي مبدأ العقلانية ومبادئ الديموقراطية والدعوة إلى مجتمع تسود فيه الحريات المدنية والفكرية وتحقق فيه ديموقراطية الجدارة. وأعترض على الآراء الداعية إلى تخلي النساء عن وظائفهن الفيزيولوجية بحجة أن الأمومة مرهقة ومعوقة لتطور المرأة، وأؤيد وجهة نظر المفكرات اللواتي يعتبرن التناسل عملاً منتجاً.

وتمشياً مع اقتناعنا بأن الفكر النسوي السياسي ينبغي أن يعمل على ترسيخ مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، أؤيد كل الحركات النسوية التي تدعو إلى مكافحة الموجة ضد المرأة والإنسان، وإلى مقاومة الأنظمة البطريركية والعرقية والامبريالية وكل أشكال الهيمنة السياسية والاقتصادية.

خديجة العزيزي حققت من خلال أطروحتها ما نحتاج إليه في وطننا العربي من اطّلاع على تجارب الفكر الفلسفي النسوي في الغرب في كتاب غني بالمفاهيم والمذاهب التي تلتف حول حقوق النساء. وهي إذ تأخذنا في رحلة في الفكر الغربي النسوي، فإنها تعدنا برحلة قريبة مشابهة في "الأسس الفلسفية للفكر النسوي العربي"، رحلة لن تخلو من التعب:

"لا شك في أن عرضنا للفكر النسوي الغربي يضعنا أمام السؤال عن الخطاب النسوي العربي. هذا يقتضي متابعة الخطاب منذ نشوئه حتى اليوم والتعرف إلى موقعه في الثقافة العربية والإسلامية وصلته بالتيارات الكبرى في الفلسفة الغربية ومعرفة ما تضمنته الأعمال الأدبية من فكر نسوي في ظل القيود التي تفرض على حرية التعبير في العالم العربي".

وفي انتظار "الفكر النسوي العربي" في مجتمع ذكوري فإن أطروحة خديجة العزيزي مخزون واسع وغني للتعرف إلى نشأة الفكر النسوي الغربي وتطوره وللتعلم والاستفادة من التجارب.

ويبقى السؤال: هل سيجد كتاب خديجة العزيزي طريقه إلى عقول الناشطات في حقوق المرأة ووعيهن ويتحول مادةً للنقاش، أم أنه ـ مثل غيره ـ سيغفو في مكتباتهن ليصير تحفةً للتباهي؟

سركيس أبو زيد