ال

الاغتراب: إشكالية علاقة الفرد بالمؤسسات في المجتمع العربي

د. حليم بركات / بيروت 7/ 6/ 2006
الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

هذه لحظة عاطفية جداً، ويسرّني أن أرى هذه الوجوه، وكنت أتمنى لو نلتقي وقتاً أطول ونتحدث عن كل هذا الزمن الذي عبرناه، ولكن في لحظة واحدة عندما رأيت وجوه بعض الأصدقاء بعد كل هذا الزمن الطويل استيقظ كل هذا الماضي في نفسي، في هذا العمر يستيقظ الماضي في النفس.

سأتحدث عن الاغتراب ـ طبعاً ليس الهجرة أقصد الاغتراب، المصطلح الذي يعرف بالإنكليزية واللغات elimination وهذا الموضوع أهتم به منذ الستينيات وقد كتبت عدة أبحاث بشأنه، في العربية والإنكليزية. الاغتراب هنا يعني أن يشعر الإنسان بالغربة في علاقاته بالمؤسسات التي ينتمي إليها، قد يكون ذلك في العائلة، في المؤسسات الدينية، وقد يكون في السياسة، الدولة، الإحساس بالاغتراب عن الدولة وأيضاً مؤسسات العمل التي يعمل فيها الإنسان لزمن طويل، وقد لا يتمكن من تجاوز إحساسه ووعيه بالاغتراب من هذه المؤسسات. الاغتراب هو محاولة لوصف علاقة الفرد أو الجماعة بالمجتمع، بالعائلة، بالدولة، وبالدين وغيره من المؤسسات والعمل.

هناك نظريات ومعانٍ مختلفة للاغتراب وقد كتبت أطروحة الدكتوراه في الاغتراب، وقد انتهيت في الواقع من كتابة الكتاب حول الاغتراب وجلبته معي إلى بيروت لأقدمه إلى دار نشر ليتم نشره، ولذلك لم أشعر بضرورة لأعدّ محاضرة كما أعددتها في المقدمة.

ما معنى الاغتراب، وما هي نظرية الاغتراب؟

أتناول ذلك باختصار قبل أن أتناول الجوانب الأخرى، يعني أريد أن أسأل أولاً:

ما معنى الاغتراب؟

وما النظريات حول الاغتراب؟

ثم ما هي مصادر الإحساس بالاغتراب وعندما يكون الإنسان يعي اغترابه؟

ما هي الحلول التي يمكن أن يلجأ إليها لتجاوز حالة الاغتراب هذه؟

هناك نظريتان أهتم بهما بشكل خاص مع أن هناك عدة نظريات:

أولاً: نظرية هيغل وماركس حول الاغتراب وقد عرّفاه باختصار بأنه الشعور بالعجز في علاقة الفرد بالمؤسسة التي يعمل ضمنها، أو ينتمي إليها. يعني عندما نقول الاغتراب مع المجتمع يعني أنه لا يستطيع أن يقيم علاقة صحية مع المجتمع. المجتمع قد يكون مستبداً ويفرض معتقداته كما غيره من مؤسسات الدولة. الاغتراب السياسي منتشر بشكل واسع جداً في علاقة المواطن بالدولة، هيغل وماركس شددا على علاقات العجز، يعني الإنسان غير قادر أن يؤثر في النظام العام، فهو مهمّش أو مضطَهد أو لا يجد مجالاً للعمل والتأثير في النظام، وقد يكون ذلك كما قلت بالنسبة إلى العائلة خاصة المرأة، والفتاة. وفي المؤسسات الدينية التي تفرض على الإنسان معتقدات قد لا يستطيع أن يتقبلها، وأقول أيضاً كثيراً ما مررنا جميعاً في تجارب في الانتماء إلى الحزب بأن يكون هذا الإحساس وارداً بالنسبة إلى علاقة العضو بالحزب وبإدارة الحزب ورئاسته يعني أنه يشعر أنه عاجز ولا يستطيع أن يؤثر بذلك.

هناك معنى آخر غير الذي قام به ماركس. طبعاً ماركس ركز على العامل، كيف أن العامل في المجتمع هو عاجز تماماً عن الحصول على حقوقه والتصرف بإنتاجه، يعنى أحياناً الأشياء التي ينتجها الإنسان قد تتحول إلى قوة ضده، يعني أن العامل كلما أنتج استعمل هذا الإنتاج ليس لمصلحته بل لمصلحة الرأسمالي الذي يستفيد منه أكثر من العامل، وكلما ازدادت أهمية إنتاجه استعمل هذا الإنتاج للتقليل من دوره في المجتمع والحفاظ على مخلوقاته مخلوقات الإنسان التي يخلقها من المفترض أنها لا تستمد قوتها من الفرد تصبح قوة ضد الفرد. يمكن أن نفهم الدولة إنسان يفتخر أنه هو صنع الدولة ولكن الدولة تكتسب مع الوقت قوة وجبروتاً تتمكن من استعمالهما ضد المواطن، يفترض أنه هو خلقها وغيرها من المؤسسات. كذلك هناك نظرية أخرى يمكن أن تنطبق الكثير من مضامينها على الوضع في لبنان وأشير بذلك إلى نظرية دوركهايم حول الاغتراب، وهو شدد على ما يسميه فقدان القيم والمعايير وأهميتها في التحكم بسلوك الإنسان، يعنى أن يصبح هناك نوع من الفوضى القيم غير الفاعلة تتغير، القيم التقليدية تتغير، وعندما لا تنشأ قيم جديدة حديثة مكان هذه القيم يكون هناك نوع من الفراغ وعدم وجود تفاهم أو قيم جديدة تضبط سلوك الإنسان في حياته اليومية. كثيراً ما أعتبر أن لبنان في وضعه هو مثال لما ذهب إليه دوركهايم، القيم القديمة غير فاعلة تقليدية ولا تحل محلها قيم جديدة تضبط نوع العلاقة القائمة بين المواطن والدولة. طبعاً هذا باختصار شديد معنى الاغتراب.. البعض في العربية يسمونه الاستيلاب خاصة الماركسيين يستعملون مصطلح الاستيلاب، ولكن أفضّل شخصياً الاغتراب يعني شعور الإنسان بالغربة في علاقته بالمؤسسة أي لا يشعر أنه ينتمي إليها ولا يستطيع وهو عاجز في علاقته بها فلذلك تفرض عليه هذه العلاقة.

كلما بقي في هذه المؤسسة شعر بعجزه بدل أن يشعر أنه يسهم في تغيير المؤسسة نفسها وفي المشاركة في صنع مستقبل جديد.

دوركهايم كتب عن المعايير.. لم تعد تفعل الحياة اليومية بسبب الثورة الصناعية التي تمت في أوروبا. تبدلت العلاقات بين الإنسان والدولة والمجتمع والأحزاب وغيرها. ما هي مصادر هذا الاغتراب ـ هذا الإحساس في العصر الحديث؟ طبعاً أيضاً عندما كنت أنا في الخمسينيات استفدت جداً من الوجودية، تعرضت إلى هذا الموضوع بتفاصيل وهي مصدر من أهم المصادر حول مشاعر الاغتراب في العصر الحديث. أريد أن أذكر بعض مصادر هذا الإحساس في العصر الحديث بالاغتراب من ثم أتساءل ما هي نتائج الاغتراب عندما يكون الاغتراب؟ وما هي الحلول التي قد يلجأ إليها لتجاوز حالة الاغتراب هذه؟

المصادر يمكن أن أصنفها في مصدرين رئيسين تنتج عنهما حالة من الشعور بالعجز:

المصدر الأول: هو العلاقات الاستبدادية السلطوية إن كانت في العائلة أو في المؤسسات الدينية أو في المؤسسات السياسية وهذه متوفرة جداً في المجتمع العربي. سلطوية مستبدة تتحكم بالإنسان وبمصيره ولا يستطيع أن يؤثر فيها أو يغيّر من أشكالها. هذا مصدر من أهم المصادر السلطوية، الاستبداد فرض المعتقدات وغيرها واللجوء إلى العقاب عندما يخرج الإنسان عن هذه المعتقدات السائدة.

ثانياً: هو العكس عندما لا تكون هناك سلطوية تكون هناك فوضى عامة في المجتمع، أيضاً مع أنه يظن الإنسان أنه في حالة الفوضى يستطيع أن يفعل كل ما يريد إلا أنه عندما لا يتمكن من ضبط القيم ولا يستطيع أن يتنبأ بماذا يمكن أن يحدث في أي علاقة قد يقيمها مع الآخرين أو مع المؤسسات في هذه الحالة ليس هناك من قيم، ليس هناك من معايير تضبط العلاقة إذن أيضاً في هذه الحالة الإنسان، مع أنه يظن أنه يملك حرية واسعة ليفعل ما يشاء إلا أنه في الواقع، في هذه الحالة عندما لا تكون هناك قيم ومعايير تضبط السلوك الإنساني يجد الإنسان نفسه عاجزاً أيضاً. في حالة المصدر الأول هو ما نسميه بالإنكليزية over control سلطة تستبد بحياة الإنسان وعلى العكس قد تكون هناك حرية مطلقة إلى درجة الفوضى وفي الحالتين يكون الإنسان عاجزاً وغير قادر. هذا باختصار شديد. طبعاً هناك مصادر أخرى. كيف يتشكل الوعي عند الإنسان؟ أنا أعتقد أن بعض الناس أحياناً يتقبلون حالة العجز، أن يكون عاجزاً يقول ربما هذه لإرادة إلهية وقد يجد في الدين الكثير ما يسوّغ له حالة العجز لمصلحة العائلة أو لمصلحة أية مؤسسات، يعني الإنسان عندما يكون عاجزاً قد يتقبل عجزه ويعايشه وفي هذه الحالة أقول إن هناك force consciousness يعني غياباً للوعي بحقوقه، ودوره، وأهمية دوره في المجتمع. كي لا يكون الإنسان مغترباً على صعيد الوعي.. لابد أن يعي عجزه ويقرر أنه يجب أن يفعل شيئاً لتغيير نوعية هذه العلاقات التي تحيله إلى كائن عاجز في المجتمع. ومعرفة ووعي أسباب الاغتراب هامة جداً، فعندما لا يعي الإنسان عجزه لا يستطيع أن يغير الواقع الذي يحيله إلى كائن عاجز.

انتقل الآن إلى أنه عندما يتشكل الوعي ويعي الإنسان اغترابه ماذا يمكنه أن يفعل؟

هناك ثلاثة احتمالات مبدئية... قد ينسحب الإنسان، يهرب من هذا الواقع، إن كنت تنتمي إلى حزب تترك الحزب، إن كنت تعمل في مؤسسة العمل تبحث عن مكان آخر للعمل، إن كنت طالباً في الجامعة والجامعة مستبدة أو غير مفيدة تحاول أن تذهب إلى جامعة أخرى، وعلى صعيد المجتمع نعرف في لبنان الهجرة، المواطن يهاجر إلى مجتمعات أخرى، ويحاول أن يقيم علاقات جديدة لحياته. إذاً الاحتمال الأول هو حالة من الانسحاب من هذا الواقع الذي يسبب اغترابه، والانسحاب قد يسميه البعض الهرب.

الحالة الثانية: قد يتوصل إلى نتيجة، أن يكبت كل تحفظاته على هذا الواقع الذي يعيشه ويقول أنا مضطر أن أتعامل مع هذه الأنظمة ومع هذه المؤسسات مهما كانت النتيجة، وفي هذه الحالة يعني أنه يقرر أن يحضّر للمجتمع وينسجم مع هذا الواقع بقدر الإمكان لأنه أحياناً حتى الهرب أو الانسحاب غير ممكن، فالحل الثاني الذي قد يلجأ إليه المغترب إذاً هو الخضوع نهائياً والتخلي عن قيمه وأهمية حقوقه في المجتمع وأن يكون مؤهلاً لأن يلعب دوراً في تغيير الواقع.

الحالة الثالثة: والتي طبعاً أعتبرها أكثر الحلول صحيةًٍ هي التمرد على المؤسسات، وعلى المجتمع، وعلى الدولة والعمل. التمرد قد يكون فردياً وأحياناً قد لا يؤدي إلى نتائج، وأفضل أنواع العمل لتغيير الواقع هو الانضمام إلى حركة اجتماعية أو سياسية، يعمل الفرد من ضمن هذه الحركة لتغيير هذا الواقع، وكي يصبح الإنسان قادراً أن يقيم علاقات صحية مع المجتمع والدولة.

والتمرّد الفردي قد لا يجدي، ولكن هناك الكثيرين منا ممن يتمردون فردياً وقد يكون التمرد أحياناً نوعاً من الانتحارية، ولكن الشيء الذي أعتقد أنه أكثر الحلول الممكنة هو الثورة من ضمن حزب أو حركة اجتماعية أو غيرها التي يعمل من ضمنها ليس بمفرده بل مع الآخرين لتغيير الواقع. ونحن نعرف جميعاً هذا الحضور. إن التغيير لا يتم بجهد فرد أو جماعة بل بحركة سياسية أو اجتماعية لها رأيها الشاملي لتغيير الواقع كي يتجاوز الإنسان العجز الذي يعانيه. هذه هي باختصار مسألة عملية الاغتراب التي أتكلم عنها وربما أريد أن أتوقف هنا للحديث، أنا لم انظر إلى هذا اللقاء على أنه محاضرة بل أنظر إليه على أنه حديث ربما يولد ما قلته حتى الآن نوعاً من التساؤل والتعليق على ما قلته، وقد يكون لديكم أشياء كثيرة لم أفكر بها فأرجو أن يكون ثمة مجال للتساؤل ومحاولة الإجابة إذا تمكنت، ولا أقصد بالضرورة أن يكون سؤالاً ربما هو تعليق وموقف.

وكانت هناك مداخلات من الأستاذ نبيل رحال، ومعالي الوزير السابق عصام نعمان، والنائب الدكتور مروان فارس، والأستاذ جان دايه.