العدد الثالث عشر - تموز 2006

الأقباط بين الانتماء التاريخي العريق وسياسات التهجير

حوار: اسماء وهبة
الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

حوار مع ادمون بطرس ممثل الأقباط في اتحاد الرابطات المسيحية اللبنانية

الأقباط في مصر أصل البلد، وفي لبنان 7000 عضو

الأقباط بين الانتماء التاريخي العريق وسياسات التهجير

أسس القديس مرقص كاتب أحد الأناجيل الأربعة المسيحية في مصر بعد مجيئه إلى الإسكندرية عام 48 ميلادية، فتوقف المصريون القدماء أو الأقباط المسيحيون عن تأليه الإمبراطور الروماني، ما جعلهم عرضةً للاضطهاد كأن تقطع أعناقهم أو يلقون إلى الأسود أو يحرقون أحياءً بعد تعرضهم لأقسى أنواع العذاب. ووصل الاضطهاد الديني ذروته أثناء حكم الإمبراطور دقلديانوس الذي مارس القتل الجماعي، فاتخذ الأقباط من يوم إحدى المجازر بدايةً للتقويم القبطي. وحين دخل الإسلام مصر حُرِّرَ المسيحيون من الاضطهاد الروماني، ونتيجة لفصلهم كل ما هو زمني عما هو روحي استطاعوا مشاركة المسلمين في العمل العام، فكانت العلاقة بينهم متينةً حتى وصل الأمر إلى حد القول إن المسيحيين في مصر ليسوا أقليةً، بل هم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني المصري والعربي والإسلامي. لكن الأمور تغيرت منذ عام 1972 حيث بدأت أحداث الفتنة الطائفية من حادثة الخانكة ومروراً بحادثة الزاوية الحمراء 1981 وصولاً إلى حادث الأسكندرية 2006. استحقاقات كبيرة تواجهها الطائفة القبطية تحدث عنها ممثل الأقباط في اتحاد الرابطات المسيحية اللبنانية إدمون بطرس في هذا الحوار:

ـ كيف ترى اليوم وضعَ الأقباط في مصر؟

نحن نريد حل المشكلة التي أساسها سياسي لا اجتماعي، وتتمثل في عدم تكافؤ فرص العمل بين المسلمين والمسيحيين، وبخاصة فيما يتعلق بعدم وصول الأقباط إلى مراكز في الدولة؛ بالإضافة إلى ذلك هناك ذهنية مصرية خصبة في الطبقة الفقيرة غير مؤهلة علمياًً لتقبل الآخر ليكون شريكها في الوطن. من هنا يشعر القبطي بأنه ليس شريكاً فعلياً في مصر بعد تراجعه في عدة أماكن سياسية واجتماعية، وفي الجيش وبعض الوزارات، فلم يعد أمامه سوى الكنيسة. أما كل الأحداث التي تعرض لها المسيحيون منذ عام 1972 حتى 2006 فهو مسلسل مدروس مغطى من السلطة لتهجيرهم من مصر، حيث ضربت المواقع الدينية والكنائس والرهبان والمدارس والطلاب المسيحيين في جامعة الإسكندرية. صحيح أن ذلك المسعى كلل بالفشل لكنه نجح في إحباط الفكر المسيحي! فهل هناك مَنْ يصدق أن كل الذين قاموا بالإعتداءات على الأقباط مختلون عقلياً؟!!

إن النظام المصري يهزأ بالعقل والفكر المسيحي، وفي الوقت ذاته يعطي الضوء الأخضر لكل مًنْ يريد الاعتداء على الأقباط، فإما سيعتبر مختلاً وإما سيبرئه القضاء. ألا تعتبر هذه السياسة تشجيعاً على الإرهاب بعد أن غاب ردع المعتدين! فالدولة إذاً متواطئة مع الإرهابيين، ليس لأنها تنظم إيذاء الأقباط، بل لأنها تتوانى عن تنفيذ العقوبة يحق المجرمين. وأحب أن أتساءل عن استقالة وزير الداخلية المصري بعد الاعتداءات التي طالت الأقباط..أين هي؟ لقد كانت كفيلة بحمل اعتذار النظام المصري إلى الأقباط أولاً والشعب المصري ثانياً.

ـ يتهم البعض الأقباط بعدم امتلاكهم مشروعاً سياسياً يطالب بمواطنتهم المصرية الكاملة، بل أيدوا الدولة طوال ربع قرن مضى.. كيف ترد على ذلك؟

هذه الاتهامات غير صحيحة، لأن أول مَنْ تبنى الفكر التجددي وتحديث المؤسسات هو السيد المسيح عليه السلام، وتبناه من ورائه المسيحيون. فهل هناك من يعرف أن مؤسس حركة كفاية المصرية التي تعارض حكم الرئيس مبارك هو ميشال القبطي المنتمي إلى الكنيسة ،الشيء الذي كان كفيلاً بغضب النظام على الأقباط! هل هناك مَنْ يصدق بأن خمسين في المئة من الأقباط المصريين صوتوا في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة لمصلحة لوائح الأخوان المسلمين، بالرغم من تمني قداسة البابا شنودة بأن يصوّتوا للوائح الحزب الوطني الحاكم!

وأنا لا أنكر أن الأقباط طوال ثلاثين عاماً خلت دعموا الحزب الوطني الحاكم، لكنه بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة أشعرهم بالإحباط السياسي، بعد أن تعمد اختيار كوادر مسيحية ضعيفة على لوائحه الانتخابية. لذلك قرروا ألا يقدموا له صوتهم مجاناً، ومطالبته بتقديم برنامج سياسي واضح، وأن يضم على لوائحه كوادر مسيحية حقيقية تعبر بصدق عن الوجود المسيحي في مصر فإذا اقتنع الجميع بأن القبطي يجب أن يلعب دوراً وطنياً وقومياً فاعلاً داخل المجتمع المصري ستحلّ المشكلة.

ـ يطالب البعض بالحل من خلال الإصلاح الديني داخل الكنيسة هل سيكون ذلك كفيلاً بحل الأزمة؟

يأتي الحل بتأسيس دولة حديثة بعد أن يتم فصل الدين عن الدولة، وتالياً لن نحتاج إلى أي إصلاح ديني. فالمشكلة تنحصر في رفض النظام المصري إعطاء القبطي حقه كأي مواطن مصري ، وأتمنى أن يتم التعاطي بين المصريين انطلاقاً من المواطنية بدلاً من الندية الدينية. أما إذا أراد المسلم أو المسيحي القيام بأي إصلاح ديني فليكن داخل الأزهر الشريف أو الكنيسة، وليس خارجهما.

ـ يشكو القبطي بأنه ليس على قدم المساواة مع المسلم في الإعلام المصري..ما صحة هذه الشكوى؟

هذا هو الواقع. فمثلاً برنامج "القاهرة اليوم" الذي يعرض على شبكة الأوربت الفضائية يخلو من فقرة للأقباط، في مقابل وجود ركن الفتوى الأسبوعي الذي يستضيف فضيلة الشيخ خالد الجندي. فلماذا لا يستضيف قسيساً مصرياً لمخاطبة الأقباط؟ إننا بذلك نخلق جيلاً جديداً لا يتقبل فيه المسيحي المسلم، لأن القبطي يشعر أن الدولة التي في إجمالها من المسليمن تفرط في حقوقه، حتى على الصعيد الإعلامي. ومن هنا أتساءل عن نص الدستور المصري الذي يقول إن الدين الإسلامي هو التشريع الوحيد للقوانين المصرية. نحن نرفض هذا النص ونطالب بتغييره. فلماذا يشرع الدين الإسلامي للمسيحيين؟

ولو نظرنا إلى تركيا سنجد أن الدين الإسلامي ليس دين الدولة الرسمي، فهل معنى ذلك أنه اندثر؟ بالطبع لا، يوجد مسلمون أتراك أكثر التزاماً من أي مسلم في مصر، وتبوؤوا مواقع هامة في مؤسسات الدولة، التي فصلت عنها الدين، ليبقى متجذراً في الذهن والعقل. لقد نجحت تركيا في أن تجعل التربية أساس الدين من خلال عمل المؤسسات الدينية وليس الدولة المسؤولة عن رعاية الشؤون الاجتماعية للمواطنين. فأي دولة تحاول القيام بدور ديني سواء كان إسلامياً أو مسيحياً سيكون مصيرها الفشل.

- هذا يعني أنكم ترفضون تجربة نظام الحكم الإسلامي في إيران؟

نحن لا نعترف بدولة إسلامية تعتبرنا أولاد ذمة، بل نحن أًصل البلد في مصر. ولست هنا بصدد إعلان خوف الأقباط من التجربة الإيرانية التي تخوف البشرية جمعاء، وجزءاً كبيراً من الشعب الإيراني. وليس وارداً لدى الأقباط أن تحسب عليهم مناوئة الشعب الإيراني، لكن النظام الإيراني الذي هجّر الكثير من الأدمغة يناوئه معظم دول العالم.

ـ كيف يواجه الأقباط اليوم استهداف الجماعات الأًصولية؟

 نحن نشجع الأصالة وليس الأصولية، ونؤيد الحركات الإسلامية الملتزمة التي لا تهدد الآخرين أو تكفّرهم. فهذه الجماعات الأصولية للأسف تسيء إلى الإسلام، لأنها تنتمي إليه، وتتكلم باسمه، وتخرج من فكره. في مقابل أن الإسلام هو التسامح،العلم،العطاء وحوار الحضارات والأديان. من هنا أطالب المسلمين بالرجوع إلى مرجعياتهم الدينية سواء الأزهر الشريف في مصر، أو دار الفتوى في لبنان، أو النجف في العراق ليعرفوا الدين الإسلامي على حقيقته، بدلاً من أن يغريهم البعض بقتل الأبرياء تحت ستار الإسلام. إننا نريد وطن الإنسان وليس وطن الإديان الذي يعطي لكل مواطن حقه بغض النظر إن كان مسلماً أو مسيحياً، فهكذا تتطور الدول.

- لماذا يُتهم الأقباط اليوم بالاستقواء بالولايات المتحدة الأمريكية للضغط على مصر؟

هذه الاتهامات غير صحيحة. ونحن لا نستقوي على مصر بالخارج، مع أننا نرفض نهج النظام الحالي في مصر فيما يتعلق بملف الأقباط. لذلك أطالب بعقد مؤتمر قبطي عالمي في مصر بدلاً من أن يعقد مؤتمر أقباط المهجر في تشرين الماضي في واشنطن، فيجب أن يعبر القبطي عن موقفه داخل البيت المصري بدلاً من اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فالدولة إذا لم تسمع اليوم آراءنا ستسمعها غداً.

ـ لماذا تتعالى اليوم بعض الأصوات الشبابية القبطية في لبنان التي تتحدث عن عدم اهتمامها بالقضية الفلسطينية؟

عندما وقّع الرئيس المصري محمد أنور السادات اتفاقية السلام مع إسرائيل في سبعينيات القرن الماضي عارضه قداسة البابا شنودة، فكان جزاؤه أن وضع في الإقامة الجبرية في الدير، كما سجن عشرة مطارنة. فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية أول من دفع فاتورة الدفاع عن القضية الفلسطينية؛ لأنها من نسيج هذا العالم العربي. كما أصدر قداسة البابا قراراً يحرم القبطي الذي يذهب إلى إسرائيل من الدخول إلى الكنيسة إلا بعد أن يعتذر من الشعب "المصري" في الصحافة على مدى ثلاثة أيام وإن توفي قبل ذلك يموت ولا يصلى عليه. فهل من رجل دين مسلم اتخذ موقفاً كهذا! من هنا اعتقد أن بعض الآراء الفردية لشباب قد يفتقرون إلى بعض الخبرة لن تتمتع بقوة آراء ومواقف الكنيسة ذاتها.

ـ إلى متى يعود تاريخ وجود الطائفة القبطية في لبنان؟

إن الوجود القبطي في لبنان يعود إلى العلاقات القديمة بين الشعبين المصري واللبناني منذ أيام الفراعنة والفينيقيين. فمركب الشمس الفرعوني الذي يوجد اليوم إلى جانب الأهرامات صنع من خشب الأرز اللبناني، و الذي يدل على التبادل الحضاري بين الشعبين. كما أن النواويس الفرعونية الموجودة اليوم في لبنان تدل على سكن الفراعنة في صيدا وصور. وإبان الحكم العثماني هرب الكثير من اللبنانيين إلى مصر بعد سلسلة الاضطهادات التي تعرضوا لها؛ فاحتضنت مصر عدداً من المثقفين اللبنانيين مثل حبيب تقلا مؤسس جريدة الأهرام، حيث كانت مصر تتمتع بسقف عالي من حرية التعبير والتي كرستها انطلاقة السينما. لكن بعد قيام ثورة عام 1952 هرب بعض المصرين إلى لبنان واستقروا فيه بعد تأميم أملاك الإقطاعيين المصريين من أجل الحفاظ على ثرواتهم. ولقد كان لهذه العائلات انعكاس كبير على المجتمع اللبناني، لأنهم كانوا من نخبة المجتمع المصري مادياً وثقافياً، فكانوا مصدر غنى للبنان، حيث عملوا في الصاغة، الحديد، الخشب والبناء. وعندما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان هاجر جزء كبير من اللبنانيين والمغتربين الذين كانوا يعيشون فيه ومنهم الأقباط المصريون. لكنهم هاجروا إلى البلاد نفسها التي هاجر إليها اللبناني مثل كندا وأستراليا، على عكس المصري الذي يعيش في مصر، والذي كان يفضل السفر إلى دول الخليج العربي ليعود في النهاية إلى مصر. أي لقد تطّبع القبطي في لبنان بذهنية وعقلية اللبناني نفسها. و بعد انتهاء الحرب في عام 1990 تغيرت صورة الأقباط الذين جاؤوا إلى لبنان، فبعد أن كانوا من العائلات الراقية أصبح العمال الذين يبحثون عن فرصة عمل هم الذين تغريهم الحياة في لبنان بسبب البطالة التي يعانو منها في مصر. لكن اليوم تقلص عددهم كثيراً بسبب المراقبة الأمنية المشددة على طول الحدود، بالإضافة إلى المبالغة في قيمة الإقامة التي يجب أن يدفعها العامل المصري للعمل في لبنان.

- هل هناك من رقم رسمي لعدد الطائفة القبطية في لبنان؟

يقدر عدد الأقباط اليوم في لبنان بسبعة آلاف شخص. وفي عام 1994 حصل أربعة آلاف قبطي على الجنسية اللبنانية، وأدرجوا حينها تحت إحدى الطوائف المسيحية الرسمية مثل المارونية أو السريان الأرثوذكس أو الروم الكاثوليك أو الروم الأرثوذكس أو الإنجليين. وفي عام 1995 انتسبوا رسمياً إلى الطائفة القبطية بعد إقرارها رسمياً؛ لكن هناك جزءاً كبيراً من الأقباط لم يحصلوا على الجنسية اللبنانية في عام 1994 بالرغم من استحقاقهم لها؛ بعد أن فقدوا الأمل في الحصول عليها طوال ستة عشر عاماً.

ـ كيف تتعاطون اليوم في لبنان الطائفي مع فكرة الأقلّيات؟

تسمية الأقليات ليست في محلها، لأن الأقلية توجد حينما توجد الأكثرية. فالسنّة في لبنان أقلية في مواجهة الشيعة، والمسيحة والشيعة أقلية في المنطقة الشرق أوسطية، والمسيحيون أقلية أمام السنة والشيعة، إذاً أصبحنا جميعاً أقلية. وفي لبنان الطائفة القبطية هي الأصغر عدداً، لكن المشكلة تتركز في عدم تمثيلها كما يجب في المجلس النيابي، وهي أيضاً المشكلة نفسها التي تعاني منها باقية الأقليات في لبنان من السريان الأرثوذكس أو السريان الكاثوليك أو الكلدان أو الآشوريين أواللاتين. فهل يجوز أن يخصص مقعد واحد في دائرة بيروت لخمس طوائف تنتشر في كل لبنان؟ هذا يعني أننا لن نستطيع انتخابه، فيأتي نائب إلى القبة البرلمانية يفتقر إلى صلة تربطه بممثليه!

- تشكو كل الطوائف المسيحية في لبنان من الامتيازات التي تتمتع بها الطائفة المارونية، فكيف تنظر الطائفة القبطية إلى هذه المسألة؟

لا يضايقنا ذلك، لأن الطائفة المارونية في لبنان هي الأكبر والأكثر تجذراً تاريخياً فيه، ومن الطبيعي أن تحصل على امتيازات لأنها أصل المسيحية في لبنان. فكما يحق للأقباط أن يتمتعوا بالامتياز في مصر لأنهم أصل الشعب المصري، نحن ندافع عن حق الموارنة في لبنان حفاظاً على حقنا في مصر.