العدد الثالث عشر - تموز 2006

الاجتماعية الدينية للإسلام ـ ومداه الجغرافي السياسي ـ

الاجتماعية الدينية للإسلام
الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

ألقى الدكتور فيصل النفوري، هذه المداخلة، في مؤتمر المغتربين العرب في أميركا الجنوبية عام 1968. وقد اشتهر الدكتور النفوري، على أنه من المغتربين السوريين النشطين، الذين كان لحضورهم في بلاد الاغتراب، تأثير مميز، وبالأخص في حقبة شهدت تحاججاً ندياً بين دعاة الحق اليهودي في فلسطين، ومختلف الجهات والأحزاب والمنظمات القومية التي واجهت هؤلاء الدعاة. وفي هذا السياق اشتهرت المناظرة التلفزيونية التي أجراها الدكتور النفوري في مغترب الأوروغواي مع أحد المؤرخين اليهود، والتي دارت حول مزاعمهم في فلسطين، حيث لم تكد تنتهي المناظرة، حتى تجمّع المغتربون السوريون أمام مبنى التلفزيون يستقبلون النفوري وهو يخرج ويحملونه على الأكتاف اعتزازاً منهم بقوة حضوره وحجته وقدرته على إسكات خصمه.

تنشر تحولات، هذه المداخلة، باعتبارها تشكل وثيقة هامة تنتمي إلى أدب صراعي يحتاج دائماً إلى تجديد أدواته ووسائله، وإن كان موضوعه الرئيس لا يزال هو هو.

إعادة نشر هذه الوثيقة هو بمنزلة تحية إلى أحد روّاد المواجهات الفكرية ـ الإعلامية مع المشروع الصهيوني... تحية إلى الدكتور فيصل النفوري الذي يستأهل شارعاً باسمه في مدينة النبك.

إن معرفة الحقائق هي أساس ارتقاء الأمم، وقد جاء في الذكر الحكيم:

ـ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون.

ـ ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت.

وعلم الاجتماع الذي تعدّ العلوم الدينية في مواده الأولى وضع قاعدة للاطلاع على الحقائق تتلخص في الأسئلة التالية: من ـ ما ـ متى ـ أين ـ كيف ـ ولماذا؟ التي في موضوعنا هنا تأتي على النحو التالي..

ـ ما هو الإسلام والمسلمون؟

ـ من هو الإسلام والمسلمون؟

ـ متى كان الإسلام والمسلمون؟

ـ أين وجد الإسلام والمسلمون؟

ـ كيف هو الإسلام والمسلمون اليوم؟

ـ ولماذا كان الإسلام والمسلمون؟

وللجواب على السؤال الأول نقول إن الإسلام هو دين وحدانية الله، وإنه دين العقل: إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون. وإنه دين المحبة والصفح والتسامح والتساهل، وقد جاء في سورة السجدة: لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وفي سورة البلد: وتواصوا بالصبر وتواصوا بالرحمة. وفي سورة النساء: إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً. وفي سورة النور: وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم. وفي سورة آل عمران: للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. وفي الحديث الشريف: أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها، أوصاني بالإخلاص بالسر والعلانية، والعدل في الرضى والغضب والقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني وأعطي من حرمني وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً ونظري عبراً. وبتجاوب هذه الآيات والوصايا هذا التجاوب الرائع مع تعاليم السيد المسيح: مَنْ ضربك على خدك الأيمن فدر له الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخل له رداءك، ومن سخرك ميلا فامش معه اثنين، ومن سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تمنعه يظهر لنا أن الإسلام هو الإيمان بتعاليم الإنجيل والقرآن على حدّ سواء وأن هذا الإيمان بشقيه الإنجيلي والقرآني يدعو المؤمنين للتساهل في الحقوق الفردية من أجل الخير الاجتماعي العام كي يقوى المجتمع وينتصر ويسعد. وإن هذه الغاية هي أعظم غايات الإيمان. كما أنه دين المناقب والأخلاق فقد جاء في الذكر الحكيم: وإنك لعلى خلق عظيم ـ (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك... وفي الحديث الشريف: وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق... وقد لعن الله الكاذبين والمنافقين عشرات المرات في القرآن الكريم، كما أنه أمر بالوفاء بالعهد، ورذل الهمّاز اللمّاز والمشّاء النمّام، وذكر التعوذ به (عز وجل) من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، وذكر أن الفتنة أشدّ من القتل... وما هذه التعاليم والآيات كلها إلا لرفع الإنسان ـ المجتمع إلى مستوى من الأخلاق والمناقب يسير به إلى الحق والخير والسعادة، لأنه من دون الأخلاق والمناقب لا تقوم قائمة لأمّة أو لعقيدة أو لمجتمع.. ومن لم يكن هذا رائده فهو ليس بالمسلم الحق، لأن المبادئ الدينية الوحيدة التي تفيد الأمم في نهضاتها إلى انتصارها دينياً واجتماعياً هي المبادئ المناقبية.

وللجواب على التساؤل الثاني من هو الإسلام والمسلمون؟

نقول إن الإسلام هو دين الله منذ إبراهيم وما قبل وقد جاء في سورة النساء: لكنْ الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.. وفي سورة البقرة: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن هذه الآية تظهر لنا سعة الدين الإسلامي وشموله، فهو يشمل حتى الصابئين الذين هم عُبّاد الكواكب، ولا يشترط عليهم لينجوا من الخوف والحزن وليكون لهم أجر عند ربهم إلا هذه الأسس الجوهرية الثلاثة، ولو دققنا النظر قليلاً لوجدنا أن الله عز وجل قد أعطانا في كتابه العزيز هذه الأسس لتكون لنا نقطة التقاء روحية كبرى نتمكن باعتمادها من توحيد طوائفنا الإنجيلية والقرآنية معاً والخروج بوسطاتها من التفكك الطائفي الذي يكاد يحرقنا بأواره.

ولكي ترتفع بنا هذه الأسس عن تأويل الحزبيات الدينية العمياء التي فرقتنا طوائف وشيعاً، وأوصلتنا إلى العار والتشريد والاستعباد، وما زالت تسير بنا إلى الفناء، فالإنجيل المقدس لا يعاكس هذا الجوهر الإيماني قطعاً، كما أن القرآن الكريم يحتم على المؤمنين به الإيمان بالإنجيل أيضاً، ويطلب إلى المؤمنين بالإنجيل أن يحكموا بما أُنزل فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ـ المائدة ـ... وأنه لمن المؤسف المحزن أن نرى بعض رجال الدين في المغتربات ـ رغم وجود هذا الجوهر الإيماني الجامع لملة سيدنا المسيح، وملّة سيدنا محمد، ورغم جميع ما عاناه شعبنا من ويلات الفتن الطائفية ـ لا يزالون يعملون على تسميم الشبيبة بالتحزبات الطائفية وتكتيلها باسم طوائفها بدل اسم وطنها، مبعدينها عن دورها الفعال في مقارعة عدوها الصهيوني المتربص بها وبوطنها الأم وبموطن ولادتها، وإلهائها بالتفرقة الطائفية عما يمكنها تحقيقه مجتمعة لخيرها في الميادين الثقافية والرياضية والاجتماعية والقومية وحتى الاقتصادية. ولدينا براهين عدة عن أولئك الرجال الذين يعملون على بذر تلك التفرقة الطائفية بالسر والعلانية غير عابئين بما يجره ذلك على مغتربينا من تخلف ووبال، إننا نهيب بشباب جالياتنا أن يردع هؤلاء الناس عن هذه الأعمال، كما نطلب من حكوماتنا أن تضع لهم حدّاً، وأن تسعى لسحبهم من المغتربات قبل استفحال أمرهم من أي طائفة كانوا وإلى أي عقيدة دينية انتسبوا، لأن هؤلاء بعملهم لمصلحتهم المادية التي لا تتأمن إلا بالتكتل الطائفي ـ هذا إذا افترضنا أنه ليس وراءهم آياد أجنبية توجههم لمصلحتها ـ ينسون أو يتناسون أنهم يؤدون أكبر خدمة للصهيونية في هذه المغتربات بدفعهم الشبيبة القلقة على مصيرها، التائقة لوحدتها، إلى التحجر الطائفي نفسه الذي كرَّسوا فيه آباءها، وإلى الويلات نفسها التي جرها عليهم ذلك التحجر.

دعا المسيح إلى محبة الله والإيمان به، هذا معناه الإسلام ـ أي إسلام الآمر لله ـ وقال إن المعاد إلى الله، وهذا معناه الإيمان باليوم الآخر وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وهذا معناه العمل الصالح....

وقال عن هذه الأسس هذا هو الناموس، والأنبياء، وهذا عينه ما جاء في القرآن.. والإنجيل والقرآن معاً دعيا إلى عدم إقامة المثل الدنيا مقام المثل العليا، التي تتجه إليها النفوس طالبة الانتصار على المادة، وفي هذا نرى أن عقيدة أنطون سعادة لا تتعارض مع جوهر الدين الإسلامي في رسالتيه المسيحية والمحمدية، لذلك فنحن مدعوون جميعاً ـ وخاصة في هذه الآونة الخطرة من مصيرنا ـ إلى توحيد نظراتنا وعقائدنا المتنافرة، وسكبها في وحدة روحية لا تعود تمكن المطامع الأجنبية المتصهينة من تفسيخها وإضعافها، لأن أساسنا الاجتماعي يجب أن يكون في وحدتنا الروحية الكلية قبل كل شيء، وهذه الوحدة الروحية يجب أن تشمل كل فكرة وكل نظرة في حياتنا. فتعاليم الإنجيل لا تختلف عن تعاليم القرآن الكريم سوى بأنها لا تحكم على مخالفيها أحكاماً جزائية، لكنها تقول إن الارتقاء نحو الحياة الأفضل لا يكون إلا بها. وكذلك يقول القرآن، وإن جميع ما جاء في الإنجيل من أقوال المسيح تقابله في القرآن آيات تثبتها ولا تنفيها، ولكن علينا أن نتدبر ذلك كما أمرنا الله في كتابه أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبهم أقفالها.

هذا هو الإسلام في جوهره وفي شقيه القرآني والإنجيلي. والمسلمون هم جميع الذين آمنوا بالقرآن، أي آمنوا بالله وباليوم الآخر، والعمل الصالح. ويجب ألاّ ننسى هنا استثناء اليهودية وتوراتها الممسوخة عن أساطيرنا السورية، لأن هذه التعاليم ليست عربية ولا تحمل مضامين إنسانية، لأنهم كرَّسوا فيها الله ووحدانيته بطريقة طوطمية، فجعلوه أشبه بصنم حي غير منظور خاص بالقبيلة الإسرائيلية دون غيرها من الناس. فهو لهم إله إسرائيل، أي إله يعقوب ونسله وهم له الشعب المفضل المختار. وفي هذا الفهم لله الذي تحجرت به اليهودية منذ تلك العصور، احتكار لله وتكريس للعمل الصالح على الجماعة اليهودية فقط، مستبيحة بذلك عمل الشر على الآخرين في سبيل خيرها هي، وهذا ما سبب ويسبب الويلات على كل جماعة احتكت بها وساكنتها، ثم تمتد تلك الويلات لتعم البشرية، وذلك منذ ابتداء ظهور هذه الجماعة حتى يومنا هذا، وهذا ما سبب ملاحقة المصريين والآشوريين والسلوقيين والرومان لها قبل المسيح، وكذلك رفض المسيح لها، وتجريده لها من أبوة إبراهيم بقوله: لو كنتم أبناء إبراهيم لفعلتم ما فعل إبراهيم، أنتم أبناء الشيطان المجرم أبيكم الذي لم يبق في الحقيقة. (يوحنا 8 ـ 43 ـ 44).

كما سمّاهم أبناء الأفاعي، واستعمل السوط لضربهم. بل هم أنفسهم لم يقبلوا الانتساب لإبراهيم، بل انتسبوا إلى حفيده يعقوب الذي سموه إسرائيل أي اصرع ايل أي اصرع الإله لأن كلمة ايل في السريانية معناها الله، أي أن يعقوب هو صارع إله الآخرين. كما أنهم نسبوا أنفسهم إلى يهوذا أحد أولاد يعقوب أو إسرائيل، وفي هذا ما يثبت أن إبراهيم النبي لم يكن يؤمن إيمانهم، بل إيمانُ مَلْكي صادق والمسيح عليه السلام والرسول محمد صلى الله عليه وسلّم. أي كان يؤمن بالله ربّ العالمين لا ربّ ذريته هو، وأن الخير هو خير المجتمع لا خير ذريته فقط، لذلك سمى الله إبراهيم مسلماً حنيفاً في القرآن الكريم، بينما صبّ اللعنات على اليهود بني إسرائيل، وفي هذا مطابقة لقول المسيح في تجريدهم من أبوة إبراهيم.

وقد جاء في التنزيل الحكيم وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين. (المائدة). وجاء أيضاً في سورة الإسراء وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرتين ولتعلُنَّ علواً كبيراً، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعد الله مفعولاً... فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبِّروا ما علوا تتبيرا، وقد علوا في المرة الأولى ونُفذ فيهم وعد الله على يد عبده ملك البأس الشديد نبوخذ نصّر، وها هم يفسدون في الأرض للمرة الثانية ويعلون علواً كبيراً، وليس وعيد الثانية ببعيد لنسئ نحن وجوههم بإرادة الله وندخل المسجد كما دخلناه أول مرة ونتبر ما علوه تتبيرا، وأن وعد الله لحق لو عرف مؤمنوه بالقرآن والإنجيل كيف يتدبروا أمرهم ويوحدوا اتجاههم وعملهم بوحدة روحية مادية متينة. وكما لم يكن إبراهيم يهودياً كذلك المسيح لم يكن يهودياً لا في الدين ولا في اللغة ولا في الأرض ولا في السلالة، أما في الدين فقد رفض المسيح الفكرة اليهودية المحتكرة لله كإلهٍ لبني إسرائيل وحدهم والمكرس عمل الخير على اليهود دون غيرهم فصار الله في الإنجيل إله جميع البشر كما شمل جميع الأمم، وفي هذه التعاليم نقض كامل لتعاليم الدين اليهودي وبالتالي نفي تام ليهودية المسيح دينياً وأما لغة فالمسيح لم ينطق بكلمة عبرية واحدة في كل ما قال وبشّر رغم وجود اللغة العبرية في زمنه ورغم إطلاق اسم العبرانيين على اليهود آنذاك، بل كانت لغته لغة قومه الآرامية السريانية حتى آخر لحظة في حياته، والتي هي في الأصل لغة واحدة واللغة العربية، وأما في الأرض والمولد فقد ولد على أرض فلسطين السورية العربية التي رغم تغيير اليهود لاسم قسم منها في ذلك الزمن وتسميته بمملكة يهوذا أو مملكة إسرائيل فقد بقي علماء التاريخ والموسوعات العلمية حتى الآن يطلقون على هاتين المملكتين مع مملكة دمشق اسم ممالك أو دولة سورية الداخلية وأن مملكة كنعان هي مملكة سوريا الساحلية كما أن المؤرخ اليوناني هيرودوتس الملقب بأبي التاريخ سماها سورية الفلسطينية فيكون إذن المسيح بولادته على تلك الأرض سورياً فلسطينياً لا يهودياً اعتماداً على هذه الحقيقة العلمية الجغرافية التاريخية. وأما في السلالة فهو من روح الله من دون أب ولا عبرة في إرجاع نسب يوسف زوج مريم إلى داوود لأن الإنجيل يقول إن مريم عندما خطبت ليوسف النجار كانت حاملاً من الروح القدس، وإذا أعادوه لسلالة والدته مريم بنت عمران فهي تنحدر من عائلة كلدانية من مدينة أور في بلادنا السورية، وقد رفض المسيح نفسه في الإنجيل الانتساب إلى داوود عندما أراد اليهود ذلك ونفى هذه الصفة عن نفسه.

ـ متى كان الإسلام والمسلمون؟

لقد ذكرنا إسلام سيدنا إبراهيم، ونذكر هنا قدسية القدس وملكها الموحد ملكي صادق وقد كانت هذه المدينة تعبد الله قبل وصول إبراهيم إليها بألف سنة وهذا ما جعل إبراهيم يقصدها ويحصل التجاوب بينه وبين ملكها الموحّد، وبعدها جاءت اليهودية لتزور الكتاب وتمسخ الدين بماديتها وتحجرها وتكرسه لشعب خاص دون البشر فاصطفى الله آيته المسيح ولنجعله آية للناس ورحمة منا، وكان أمراً مقضيا، أرسله رحمة للبشر بتعاليمه الفلسفية فكان انتصار تعاليمه على التحجر اليهودي المادي انتصاراً ثقافياً فلسفياً منطقياً وعقلانياً، وداعياً لتفسير المفاهيم بما يفيد الحياة، وانطلقت هذه المفاهيم الإيمانية الإنجيلية إلى الغرب لتحطم أصنام أثينا وتكبح جماح روما وبربريتها فغزت بلادنا الغرب بأجمعه في مفاهيمها الثورية السامية ومناقبيتها الروحية الراقية. كذلك فعلت النهضة العربية القرآنية في الفرس والهند وأفريقيا وأسبانيا ولو لم تقف البربريات العجمية والسلجوقية والمغولية عائقاً أمام انطلاقتها لوصلت إلى أقاصي آسيا وعمّت جميع أوروبا.

أما أنه أين وجد الإسلام والمسلمون ومن أين انطلقوا لبناء وفعل ما فعلوا فليس من الغرابة أن يكون ذلك من عالمنا العربي وقد كان ذلك العالم أساس الدنيا ومبدع الحضارات وهادياً لأمم منذ فجر الإنسانية والتاريخ. لكن ما يترك القلب مزقا تحترق هو الجواب على البند الخامس كيف هو الإسلام والمسلمون اليوم؟

المسلمون اليوم في شقيهم الإنجيلي والقرآني والشرقي والغربي قد أودى بهم التآمر اليهودي الصهيوني إلى حالة مرعبة من الانحلال الاجتماعي إن لم نتداركه فوخيمة عاقبته ستكون على الإيمانين وعلى من بهما يؤمن، فبعد أن حارب اليهود رسالة السيد المسيح بضراوة وبربرية ولاحقوه ملاحقتهم الجهنمية المعروفة النتائج، عمدوا إلى الإيقاع بين معتنقي رسالته وبين الرومان فدفعوا أباطرة روما للفتك بمقتضى الإيمان المسيحي معتمدين لذلك أحطّ وسائل التحريض والدس والتآمر كأن يعمد يهوذا مستشار الإمبراطور أنطونيان التقي إلى إقناع الإمبراطور أن المسيحيين هم سبب نزول مرض الطاعون بأهل روما فيعمد هذا لإفنائهم كي يخلص شعبه من الوباء، كما دفعوا الإمبراطور ماركو أوريليو إلى قتل العازاريين عام 177م، ثم غرروا بالإمبراطور ديوكليسيانو لإعدام عدد كبير منهم بينهم البابا كايوس والبابا مرسيليوس وذلك حسب رواية اليهود أنفسهم في كتابهم سفر جوشاسين كما تآمروا على المسيحيين في سوريا مع كسرى آبرويز ملك العجم عام 614م وأحرقوا القبر المقدس وكنيسة القيامة وسلبوا خزائنها وقتلوا 90 ألفاً من المسيحيين وذلك قبل الفتح الإسلامي بـ20 سنة، فلما انتصرت المسيحية رغم مؤامراتهم تسللت أيديهم لداخلهم لقسم الكنيسة الواحدة إلى كنائس وطوائف تستبدل بفعلهم محبة المسيح بالحقد والضغينة والبغضاء فتوقع ببعضها الهول والشقاء والتذابح عشرات السنين يسقط خلالها آلاف آلاف الضحايا، وقد كان الفاتيكان أكبر أعدائها فحاربته بالتنظيم الماسوني لكنها اصطدمت بتنظيمه المدعوم بالإيمان الذي كان ينقصها ففشلت في معركة المواجهة فلجأت كعادتها إلى التسلل لداخله من ضمن نظامه فنجحت حتى في اختيار الكرادلة وبعض الباباوات له ثم أفلحت في إبعاده عن فلاسفتنا وفلسفتنا لدين الإنجيل التي تملأ مكتباته بمخطوطاتها الآرامية السريانية ودفعته لاعتماد توراتها المزورة كأساس لإيمانه الإنجيلي، بعد أن كانت قد جعلتها كذلك للطوائف البروتستانتية وجمعتها في كتاب واحد مع الإنجيل المقدس رغم مناقضة تعاليمه السامية لتعاليمها مناقضة أساسية كلية. وبعملها هذا أفلحت في ربح سكوت الفاتيكان عن استغلالها للشعوب الكاثوليكية كما كانت قد استغلت قبلها الشعوب البروتستانتية.

وهاهي اليوم بعد أن شوهت للغرب ما أعطيناه من نظم الحياة ودساتيرها وقوانينها منذ أورنمو وحمورابي وببنيانو وألبيانو إلى يومنا هذا لتحافظ له على الحق العام والخاص، أقول بعد أن شوهت له هذه القوانين بصورة تسمح لها الاختلاس دون أن يطولها القانون، أصبحت تنهب أمواله دون رادع أو مانع، وبوساطة هذه الأموال تطبق عليه عملية غسل الدماغ مسيطرة على مداركه بما تقيمه أو تشتريه من وسائل الإعلام ورشوة النخبة القيادية فيه وتعطيلها فكرياً ووجدانياً بعد أن تختلس علومها، استمدت من علومنا وحضارتنا، تلغي وجوده الإنساني وتحقّر وتحدّ من مداركه الخلاقة الفاعلة وأخيراً أصبحت تجره إلى الاقتتال العنصري والانحدار الخلقي والاسترسال وراء الجنس إلى ما دون الحيوانية، تشرع له قوانين اللواط بين الرجل والرجل، وبين المرأة والمرأة، تُمْحِنُهْ بالمخدرات والفحشاء والملاهي السخيفة، وتُخلفه في كل أمر من أمور حياته ومصيره لتوصله إلى السيطرة الرهيبة الكاملة عليه اجتماعياً واقتصادياً، ولولا بقية فيه من تراثنا لكان اليوم في حالة من العبودية الكاملة لها، وكما فعل اليهود بالإسلام الإنجيلي كذلك فعلوا بالإسلام القرآني، فقد دفعوا قبائل الجاهلية من قريش وغيرها لمحاربة النبي (ص) منذ بزوغ دعوته وساندوا تلك القبائل بكل ما لديهم من قوة، وما أتقنوه من خداع ومكر، فلما انتصر النبي (ص) عليها حاول اليهود اغتياله مرتين، مرة بإلقاء الصخرة عليه في اجتماع رتبوه، ومرة أخرى بالسم، فلما فشلوا كتّلوا قبائلهم وأعلنوا الحرب عليه فانتصر عليهم وشتتهم وأجلى أكثرهم عن الحجاز، فأوعز المجلس اليهودي إلى المثقفين من اليهود أن يعتنقوا الإسلام ظاهرياً حتى يتمكنوا من التخريب الداخلي فيه بحسب ما يوعز به لهم ذلك المجلس من خطط، وما يعهد به إليهم من مهام فأفلح هؤلاء بإيجاد الفرقة والصراع بينه وبين الإسلام الإنجيلي رغم تلاقيهما في الإيمان ثم شقوا الإسلام القرآني إلى مذاهب وطوائف وشيع تتذابح فيما بينها وتتناحر. ولقد برز من هؤلاء كعب الأحبار وعبد الله بن سبأ العالمان الكبيران اللذان كان لهما طول باع في هذه الأعمال الإجرامية، وإذا ببلادنا بعد أن كانت البلاد الرائدة المنقذة للعالم يصيبها الانحلال الاجتماعي الرهيب فتنقسم على نفسها إلى طوائف وعشائر وشيع، وتستبدل تقديس المبادئ بتقديس الأفراد الوثني، ونحر المصالح العامة لأجل الخاصة منها، فاعترانا ذلك الضعف والانحلال ووقعنا فريسة الاستعمار الغربي المسخر بدوره للاستعمار اليهودي من داخله فقسمت أرضنا ونهبت خيراتنا وشردت شعوبنا واستولت الصهيونية على بترولنا ومقدساتنا وألحقت بنا الهزيمة والعار ونحن بطائفيتنا سادرون وبإقليميتنا غارقون وبفرديتنا مسترسلون.

وهاهي الصهيونية اليوم تخطط لإقامة الدول الطائفية في بلادنا، دولة كردية ودولة سنية ودولة مارونية، ودولة علوية، وأخرى درزية، ودول شيعية، هذه هي حقيقة الإسلام اليوم في العالم بشقيه الإنجيلي والقرآني، فهل من يعي ويعمل لدرء خطر هذا المنزلق؟

أما لماذا كان الإسلام والمسلمون؟

فنقول إن إسلام سيدنا المسيح كان ثورة مناقبية عقلانية خلاّقة أنقذت العالم من مفاهيم متجمدة مادية وثنية بربرية وكذلك كان إسلام الرسول العربي الذي نهض بأمته من قبور العدم وجعلها تعانق بعزها الجوزاء وتحرر ببطولتها بلادنا من نير الفرس والرومان بعد رزوحها تحته ألف سنة ونيفاً وما هذا إلا أكبر دليل على أن فينا قوة إن بنيت نفسياً وتوحدت اتجاهاً وتنظمت عملاً لقلبت مفاهيم الدنيا وغيرت وجه التاريخ وسحقت الصهيونية سحقة لا قيامة بعدها لها ولأنقذت من شرورها العالم وسارت به إلى السعادة والعز. ونحن اليوم رغم ما اعترانا لا نزال أمل العالم الأوحد لهذا الإنقاذ كما كنا روّاد إنقاذه في أحلك حقب التاريخ وأصعبها. إزاء هذا التحدي المصيري وإزاء الدور التاريخي المنتظر منا القيام به نحو أنفسنا ونحو العالم، ولكي نقضي على مواضع ضعفنا والحالة المرضية التي تتردّى فيها مجتمعاتنا، والخروج منها إلى حالة صحية نأمل في هذا المؤتمر فيما نقدم له من مقترحات لدرسها أن يأخذ بعين الاعتبار مقترحاتنا الآتية:

ـ أولاً: العمل على فولذة نفوس شبابنا ببناء أخلاقي مناقبي متين نستقيه من تراثنا العريق الذي أعطى العالم جل ما عنده من فضائل يرتفع بذلك الشباب إلى مرتبة استعطاء خير الفرد عبر خير المجتمع ولا يعكس.

ـ ثانياً: بناء ذلك الشباب على أساس التسامح الإنجيلي والقرآني معاً بناء روحياً عقلانياً مدركاً بأن الدين وجد لخير المجتمع لا المجتمع لخير الدين، فنصل عبر هذا الإدراك إلى احترام عقائد بعضنا المتعلقة بالنفس والخلود والله، تاركين الحكم لله بما نختلف فيه بهذا الخصوص مركزين دوماً على نقاط الالتقاء وعليها فقط وقاعدتها الجوهر الديني الأول في الملّتين الذي هو كما نوهنا الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.

ـ ثالثاً: العمل بجدية على توحيد الطوائف المؤمنة بالإنجيل في بلادنا من خلال ما جاء فيه من أقوال سيدنا المسيح واستقاء تلك الأقوال من الأناجيل المدونة بالآرامية، اللغة التي بشر بها المسيح وكتب بها الرسل في الأصل لا من الأناجيل اليونانية واللاتينية ومن ثم إطلاق بطاركة الكنيسة الشرقية بهذه الفكرة الوحدوية إلى الغرب ليدعوه إلى اعتماد هذه الوحدة الروحية القائمة على أقوال المسيح فقط التي هي الطريق والحق والحياة سائرين على خطى الرسل الأول الذين غزوا الغرب من بلادنا بالتعاليم المناقبية المسيحية الأولى، فنخلصه اليوم من شرور اليهودية المتغلغلة فيه كما سلف لنا إنقاذه في ذلك الحين فينقلب جميعه إلى مناصرة الحق وإزهاق الباطل وتطهير مقدساتنا من ذلك الرجس الخطر المدمر.

ـ رابعاً: العمل من دون هوادة لإزالة الفوارق وتوحيد الطوائف المؤمنة بالقرآن في بلادنا في جيل شبابنا الجديد على أساس تبسيط تفسير القرآن الكريم مع التركيز على ما جاء فيه من توجيه أخلاقي مناقبي وإبراز الآيات التي تنص على شدّة عداوة اليهود للذين آمنوا وعلى أنهم مفسدون في الأرض وجميع ما ورد في الذكر الحكيم عن مؤامراتهم ولعنهم وتسفيههم وحمل ذلك كله بوساطة علمائنا وأئمتنا إلى الأمم الإسلامية جمعاء.

ـ خامساً: العمل بكل ما أوتينا من قوة مادية وروحية على تنظيم شباب جالياتنا في المغتربات وخاصة الأميركية التي تشكل القوة الأساسية لإسرائيل ومراكز تموينها الاقتصادية والسياسية والحربية والمعنوية وذلك لإيقاظ شعوبها ـ ولا أقول حكوماتها ـ عما تجرها إليه الإمبريالية الصهيونية اليهودية من ويلات وعبودية.

ـ سادساً: توجيه النداء لدولنا للتركيز على تصعيد العمل الفدائي وتوحيده لتحقيق فعاليته للمدى القريب والبعيد والإقلاع عن فكرة الحل السياسي أو فكرة المجابهة الحربية النظامية فالأولى استسلام ومذلة وفسح المجال لإسرائيل للتطور التكنولوجي الذي لا تربح حرب اليوم إلا به والذي ستتفوق به على جميع الأمم، إن أتحنا لها بعض سنوات الاستقرار وذلك بما لها من سيطرة على اقتصاد تلك الأمم ونفوذا في سياستها الداخلية والخارجية وإطلاع على أبحاثها العلمية بوساطة العلماء اليهود الحاصلين على جنسيات تلك الأمم الدائمي الولاء لإسرائيليتهم وصهيونيتهم، وبما لها من التنبه والقدرة على شراء الضمائر والاختراعات. ونحن إذا أردنا الاعتماد على الدول الاشتراكية لمجاراة العدو بأساليبه فسيكون عملنا استجداء بينما يكون عمل الصهيونية سلخاً وانتزاعاً فالدول القادرة لا تعطي من دون مقابل، هذا مع أنه غير وارد أن يتقلص النفوذ اليهودي الصهيوني في تلك الدول القادرة على تزويد إسرائيل بأسرار تلك الدول وعلومها.

أما الحرب النظامية، فحتى لو قدر لنا كسب بعض معاركها لكن إسرائيل بما لها من سيطرة على دول العالم وخاصة الكبرى منها ستدفع هذه الدول على إرغامنا على التسليم بالوجود الإسرائيلي فقوة إسرائيل الحقيقية هي من الخارج، في قوة الصهيونية العالمية وليس في قوتها الذاتية.

لذلك فطريقنا النضالي الوحيد الفعال هو طريق استنزاف إسرائيل الحربي، بالضرب الفدائي العميق لمنجزاتها التكنولوجية مهما كلفنا ذلك من ضحايا، وزرع الرعب داخلها الذي ستمتد نتائجه لخارجها فتضرب موردها السياحي والدعائي ناهيك عن الهجروي دون أن يكون للدول المعاضدة حق التدخل. وإذا ما رافق العمل الفدائي التعبئة في جالياتنا للعمل ضمن تلك الدول فستكون النتائج بديعة الروعة. وللفدائي الذي يعمل لأجل ملكوت الله ويجاهد في سبيله أضعاف ما يضحي به في هذا الزمان وفي الدهر الآتي ـ الحياة الأبدية ـ وقد جاء في أقوال السيد المسيح ما من أحد ترك بيتاً أو والدين أو أخوة أو امرأة أو بنين لأجل ملكوت الله إلا وينال في هذا الزمان أضعافاً كثيرة وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية. ويوافقها في القرآن الكريم: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.

هذا هو المدى الجغرافي السياسي والاجتماعي الديني للإسلام في رسالتيه الإنجيلية والقرآنية، لأن رسالاتنا لم تقدم للمجتمعات مبادئ الهدم والتخريب كما تفعل اليهودية بل المبادئ المُحيية التي تدعو إلى الأخلاق والمناقب والمحبة والتي ستحول الصراع المميت بين الأمم إلى تفاعل متجانس يسير بالحياة إلى أرفع مستوى بما لنا من مثل عليا فائقة الجمال وفضل على التمدن والثقافة الإنسانيين.