العدد الثالث عشر - تموز 2006

الديمقراطية المقدسة - الديمقراطية المستحيلة

اليهود والديمقراطية المستحيلة
الخميس 24 آب (أغسطس) 2006.
 
New Page 2

ثمة ما يشير إلى أن المسيرة الطويلة للـ ديمقراطية كمفهوم وآليات، المُؤرخ لها ولادة في بلاد الأغريق وصلت على نحو ما، في المجتمعات الحديثة إلى موقع المقدّس المرهوب، غير القابل للمعاينة وإعادة التشخيص.

وفي مشهد آخر، يبدو إدعاء الديمقراطية من قبل بعض الدول أو الجهات أو الأنظمة السياسية، هو نوع من فرض عكس الديمقراطية أو نقيضها، وهو بالتالي نوع من تزييف لها وباسمها، فلا يستوي وصف الدولة بأنها يهودية وديمقراطية في آن. ذلك لأن العنصرية لا يتسع حقلها إلاّ لـ نفسها. فكيف بدولة تقوم على الاصطفاء الديني ـ العرقي من جهة، والاستيطان واغتصاب أرض الغير من جهة ثانية كما هي حالة الدولة اليهودية الديمقراطية!! في فلسطين.

في هذين التصين يقوم الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1998، بنقد الديمقراطية في مفهومها وآلياتها المعمول بها في المجتمعات الغربية. كما يعمل منذر زيمو من جهة على كشف مشهد الاستحالة في الديمقراطية اليهودية المزعومة.

منذر زيمو (كاتب مقيم في كندا)

ترجمة: د. ماري شهرستان

قال السيّد إيهود اولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي، خلال كلمته أمام الكنيسيت في 4 أيار 2006، معرِّفاً حكومته وبرنامجه السياسي:

دافعت دولة إسرائيل منذ ولادتها عن فكرتين أساسيتين:

-  الأساس اليهودي والأساس الديمقراطي، مع إعطاء القيمة العليا "للدولة اليهودية"، وفي الوقت نفسه ومع السعي إلى مطلب ثابت وهو أن دولة إسرائيل الديمقراطية سوف تحقِّق مساواة اجتماعية وسياسية تامّة لكل مواطنيها، بصرف النظر عن الديانة أو العرق أو الجنس.

-  يجسِّد هذان المبدآن قيم السيادة اليهودية الجديدة في أرض إسرائيل، فإذا زال مبدأ واحد وفصلته عن الدولة، تكون كأنك قطعتَ عصب الحياة.

أسئلة

فتتبادر إلى الذهن الأسئلة التالية:

-  لماذا لا يقولها زعماء الإسرائيليين كما هي؟

-  لماذا لا يقولون انهم كانوا قادرين على جمع قوة كافية عسكرية وسياسية ودبلوماسية لفرض إرادتهم وإقامة دولة يهودية على أنقاض المجتمع الفلسطيني؟

-  لماذا هم مستمرون بالإصرار على أنهم ينادون بدولة يهودية ديمقراطية؟

محاولة فهم

يمكن إيجاد الجواب عند هؤلاء القادة الذين يحاولون تصوير إسرائيل ضمن خطاب مبني على مفهوم القيم اليهودية التي تبغي تحقيق العدالة والمساواة بين جميع البشر، وفي الوقت نفسه، عندها الأداة لاستئصال أي ضغط يهدد الطابع اليهودي للدولة.

كما أنهم قد يرون في هذا المفهوم الضمان النهائي لسلامة وأمن يهود العالم أجمع، وبتعبير آخر، يمكن إيجاد الجواب أنه مزيج وتداخل بين القيم اليهودية والخوف اليهودي.

فمن جهة، إذا تخلىّ القادة الإسرائيليون عن المظهر اليهودي، فسيفقدون مصداقيتهم تجاه اليهود المطالبين بدولة يهودية لضمان أمن وسلامة جميع اليهود أكثر من أي شيء آخر.

ومن جهة ثانية، إذا تخلوا عن المظهر الديمقراطي، فإنهم قد يفقدون مصداقيتهم تجاه اليهود وغير اليهود الذين يطالبون بدولة ديمقراطية اكثر من أي شيء آخر، وبحماية جماعية.

التخلّي عن المظهر اليهودي قد يشكل خيانة للمثل الصهيونية، والتخلي عن الديمقراطية قد يؤدي إلى ضياع الأسس الأخلاقية وخيانة للقيم اليهودية.

لذلك، يحاول القادة الإسرائيليون المحافظة على المظهر (الديمقراطي اليهودي) الذي يعطيهم الشرعية عند اليهود الصهاينة، وفي الوقت نفسه، أسساً أخلاقية عالية مع جميع اليهود وغير اليهود على حدٍ سواء. من هنا تبرز مطالبتهم بدولة تكون:

(ديمقراطيةً ويهوديةً).

لهذا السبب، يجد القادة الإسرائيليون أنفسهم في حالة بحث مستمر عن دولة فيها أغلبية يهودية متينة ودائمة وتكون ديمقراطيةً.

حالة البحث المستمر هذه، يبدو أنها تفسِّر الكثير من أفعال الحكومة الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة إلى الآن.

فهي تفسر تأسيس الدولة بحد ذاته على أنقاض المجتمع الفلسطيني، وتفسِّر التطهير العرقي الفلسطيني وهجرة اليهود إلى إسرائيل فقط.

كما أنها تفسر الاحتلال العنيف للأراضي الفلسطينية، وإقامة الجدار العنصري، وحصار المدن الفلسطينية والمراكز الشعبية، والحصار الاقتصادي وتهديم المنشآت في غزة والاهانات اليومية للمدنيين الفلسطينيين عند المعابر ونقاط التفتيش، وقطع الأشجار وتهديم البيوت، والعقوبات الجماعية القاسية، وتحويل حياة الشعب الفلسطيني إلى جحيم.

يأمل الجميع أنه في يومٍ ما قد يُنهكُ هؤلاء غير اليهود، أي الفلسطينيون، ويقررون بأنفسهم مغادرة البلد بحثاً عن حياةٍ أفضل في مكانٍ آخر. فإذا حصل هذا الأمر، وهو مستبعد، تكون العقبة الرئيسة لإقامة دولة يهودية ديمقراطية قد زالت.

 

النظرة المستقبلية

إن مفهوم دولة ديمقراطية مسلمة يتطلب أغلبية قوية ودائمة من المواطنين المسلمين، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدولة الديمقراطية اليهودية، فهي تتطلب أغلبية قوية ودائمة من المواطنين اليهود، الأمر الذي يتطلب التطهير العرقي لمجمل فلسطين من سكانها الأصليين (غير اليهود). وهكذا حصل منذ تأسيس دولة إسرائيل على أنقاض المجتمع الفلسطيني عام 1948.

إن بروز مفردات جديدة مثل: "القنبلة الديمغرافية" والتهديد الديمغرافي ضد إسرائيل، هي من الأخطار التي قد تؤدي إلى تطهير عرقي جديد ضد الفلسطينيين، في المستقبل القريب والبعيد، وسيكون لذلك لاحقاً علاقة في إبراز الخطر الكارثي في دعم دولة ديمقراطية يهودية.

فإذا استخدمنا مفردات شائعة إسرائيلية: "كيف يمكن للقيم العليا للدولة اليهودية أن تنسجم مع الديمقراطية عندما يخلِّف غير اليهود في الدولة أطفالاً أكثر من اليهود؟

لذلك، الإصرار على بناء دولة إسرائيل ديمقراطية يهودية، يجعل التطهير العرقي للفلسطينيين أمراً لا يمكن تجنبه، عاجلاً أم آجلاً.

أما من وجهة النظر الفلسطينية، فإن اليهود الذين قرروا تبني فكرة دولة إسرائيل يهودية، هي فكرة لا تتوافق مع القيم اليهودية. فينبغي على اليهود، داخل أو خارج إسرائيل، أن يختاروا حالاً بين دعم لا أخلاقية دولة يهودية متوافقة مع المثل الصهيونية والعيش مع عواقبها، أو اختيار الدولة الأخلاقية الديمقراطية ومتوافقة مع القيم اليهودية، والعيش مع عواقبها.

لا يمكن لليهود أن يسلكوا الطريقين لمدة طويلة!

يستغرب المرء، أليس من الأفضل، من وجهة نظر يهودية بحت، أن يعيش اليهود في إسرائيل/ فلسطين، في ظل مجتمع ديمقراطي (مشابه للمجتمع الكندي) مساوين للمسيحيين والمسلمين والدروز... وآخرين، من أن يعيشوا في مجتمع عسكري يهودي مبني على أنقاض مجتمع آخر؟ وهم مستمرون بالتهديد وتلقي التهديد دون نهاية في المنظور القريب؟

ألم يحن الوقت لدعم القيم اليهودية ضد المثاليات الصهيونية، والاعتراف بسقوط التجربة الصهيونية في أرض كنعان؟