العدد الثالث عشر - تموز 2006

الخلفيات الايديولوجية وقواعد القانون الدولي

حدود لبنان بين ترسيم للتحرير وترسيم للانعزال
الخميس 24 آب (أغسطس) 2006.
 

لبنان أنشأ كدولة في العام 1920 بيد فرنسة صيغ له في البدء نظاماً لا يتسق مع أي نظام من المعروف في الفكر الدستوري، حيث جاء العنوان حلافاً للمضمون، والممارسة خلافاً للأمرين معاً، ما تسبب ، في وضع يفتقر إلى عوامل الاستقرار لأن استقراره كما يبدو لم يكن مرغوباً به وكذلك استقلاله الحقيقي، لذا لم يقيض له أن يمتلك من قراره إلا ما يحفظ سيطرة الطبقة السياسية التي تعاقبت على حكمه وراثياً بغلاف ديمقراطي خدمة للهدف الذي من أجله أنشئ.

وفي إطار تأكيد حالة عدم الاستقرار هذه، ورداً على الهزيمة الإسرائيلية في جنوب لبنان عام 2000 كان القرار 1559 ذي العناوين الثلاثة (تغيير وجهة الحكم في لبنان، وتجريد المقاومة من سلاحها، وعزل لبنان عن سوريا حيث أن الرد أو محاولة الحد من الخسائر أو تحجيم الهزيمة أمر بدأ منذ اللحظة التي قرأت فيها إسرائيل بأنها هزمت من الجنوب في العام 2000، فكانت المحاولة الدولية الأولى لسرقة النجاح من يد المقاومين، واليوم نعيش المحاولة الثانية وفيها العقاب، مترافقاً مع نية إجهاض النصر اللبناني في الجنوب... فكيف كانت المحاولة الأولى، ثم كيف هي الثانية اليوم؟ أمر نعالجه من بوابة رئيسية هي مسألة الحدود حدود لبنان مع فلسطين المحتلة التي أصبحت خط هدنة مع إسرائيل، وحدود لبنان المفروضة على سوريا والتي يراد لها أن تكون قيوداً للشقيق وعزلة للذات...

1 ـ محاولة تعويض الهزيمة الإسرائيلية من باب تعديل الحدود في العام 2000:

ليس من حاجة إلى التذكير بأن إسرائيل التي أنكرت القرار 425، الصادر عن مجلس الأمن أثر احتلالها للجنوب في العام 1978، وفيه ما يلزمها بالانسحاب الفوري من كل أرض لبنان من غير قيد أو شرط، هي ذاتها التي طلبت من الأمم المتحدة تنفيذ هذا القرار لتخرج من لبنان في العام 2000 بعد أن اعترفت بهزيمتها فيه على أيدي المقاومة، وقد سارعت الأمم المتحدة إلى تلبية طلب إسرائيل، علها تحفظ لها شيئاً من الأهداف التي كانت تطمح إلى تحقيقها باحتلالها للجنوب واعتداءاتها عليه، المرة تلو المرة التي كان آخرها سنة 1982 وفيها الاحتلال الذي استمر بعد انحسار إلى الجنوب، ثم أسند بعدوان 1993، وعدوان العام 1996.. وقد كان يفترض بالاستجابة الدولية أن تطلق من نص القرار 425 وروحه، أي إعادة أرض لبنان كل الأرض إلى السيادة اللبنانية وفقاً للحدود الدولية. لكن ومع أسف شديد لم يكن الأمر هكذا مع الأمم المتحدة لأن الأمر لو تم لكان أضاع إسرائيل تحقيق هدفين على الأقل تعول عليهما، لتحديد خسارتها في لبنان، وهما:

 ـ إعادة النظر في خط الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين المحتلة، بحيث تتجاوز ما فيه من نتؤات، وتعرجات، أو نقاط في أعماق الأودية، لتجعله خطاً مستقيماً قدر الإمكان، تجمع به رؤوس القمم، بشكل يؤمن لها مزايا عسكرية هامة في الأعمال العدوانية الهجومية، كما وفي التمركز الدفاعي.

ـ الاحتفاظ بورقة ميدانية تلزم لبنان في الدخول معها في تفاوض تحتاجه إسرائيل، لفرض شروط وإملاءات عليه، وهو تفاوض لم يفتح القرار 425 بابه، كما هو حال القرار 242، وإسرائيل كما هو معلوم تريد من لبنان أن يقبل ب:

ـ توطين الفلسطينيين على أرضه.

ـ وتقاسم مياهه في الجنوب معها.

ـ والقبول بدور جيوسياسي في الشرق الأوسط تحدده هي له بما لا يتناقض مع المشروع الغربي العام ومع الوظيفة الإسرائيلية بشكل خاص.

وقد ابتدأت الأمم المتحدة عملها المستجيب لإسرائيل، بأن ألفت لجنة مركبة (سياسية قانونية عسكرية طبوغرافية) أسندت رئاستها إلى السفير تيري رود لارسن، مهندس اتفاق أوسلو...

وباشرت اللجنة عملها بان وجهت إلى لبنان وسوريا وإسرائيل طلباً لتزويدها بما يثبت الخط الذي يجب أن يتم الانسحاب إليه، فأجاب لبنان بأن الخط هو الحدود الدولية للبنان، وقد تبين لبنان هذا الخط ووثقه بملف ضمنه كل ما يلزم لقطع الشك أو النقاش حوله وجاء وفيه:

ـ إن خط الحدود هو جزأين الأول: بين لبنان/ وفلسطين المحتلة، والثاني بين لبنان/ وسوريا.

ـ إن حدود لبنان مع فلسطين، هي حدود معترف بها أنشئت بالاتفاقية المعروفة اتفاقية بوليه نيوكمب سنة 1923، والمصادق عليها في العام سنة 1934 من قبل عصبة الأمم. (إرفق الملف بخريطة مع لائحة إحداثيات لنقاط ـ المعالم الحدودية، مع خطيطة، وبيان وصفي لها. كما أشار لبنان إلى أن هذه الحدود مؤكد عليها في اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل في العام 1949).

ـ إن حدود لبنان مع سورية، هي الحدود المبينة في القرار 318، والمدققة باتفاقية غزاوي وخطيب في العام 1946، والمستندة إلى قرار المنتدب حول خريطة لبنان في العام 1934، كما وأشير إلى صكوك ملكية اللبنانيين في المنطقة، والقرارات الإدارية، وملخص ذلك أن خط الحدود مع سوريا في المنطقة المحتلة، هو الخط المنحدر من قصر شبيب إلى حلماتا وحوراتا ثم المار في وادي العسل إلى شمال مغر شبعا، إلى النخيلة، وصولاً إلى الغجر.

امتنعت إسرائيل ظاهراً عن تزويد اللجنة الدولية بأي وثيقة (على الأقل لم يعرض علينا شيء من ذلك لنناقشه كوثيقة إسرائيلية، إلا بعض الطلبات الإسرائيلية بأرض اعتبرت لاحقاً خارج الخط الذي اسمي ازرقاً ورفضت من قبلنا) ووافقت سوريا على الملف اللبناني فيما يتعلق بالجزء الذي يعنيها (أشار كوفي أنان إلى تلك الموافقة في تقريره المرفوع إلى مجلس الأمن بتاريخ 22 أيار 2000) ولكن اللجنة الدولية صاغت الرغبات الإسرائيلية في مشروعها التحضيري وجاءت على وجهين:

ـ الأول: رسم خط مغاير للحدود الدولية يكرس مطالب إسرائيل في التعديل، واسمي خط الانسحاب، واعتبرته إسرائيل خط الحدود الجديدة. وبررت الأمم المتحدة فعلها بالقول إن ذلك هو أفضل ما توصلت إليه بالاعتماد على الوسائل المتاحة، طبعاً هذا كلام يجافي الحقيقة لأن خريطة بوليه نيوكمب مودعة لدى الأمم المتحدة مرفقة بالإحداثيات ومنذ العام 1923، ومؤكد عليها بملفنا المرفوع في نيسان 2000.

ـ الثاني: اقتطاع مزارع شبعا وإلحاقها بمنطقة الصلاحية العملانية للاندوف undof (قوات الفصل في الجولان السوري المحتل)، في ذلك تجاوز للإثبات اللبناني للبنانيتها، وهو إثبات مدعوم سورياً بشكل قطعي ومستجيب لكل قواعد القانون الدولي العام.

لقد رفض لبنان الموقف الدولي، رفضاً لم يكن منطلقه رفض الخضوع لمطالب إسرائيل المهزومة وإملاءاتها فحسب، بل أيضاً موقف يدرج في سياق استكمال التحرير، لأننا رأينا أن التمسك بخط حدودي أكد عليه باتفاقية هدنة وقعت مع العدو بعد الاغتصاب الصهيوني لفلسطين، هو تمسك بحق وطني قومي يمنع اغتصاب أرض عربية جديدة، هو أمر نراه واجباً يندرج في مسار التحرير. لقد رفضنا الموقف الدولي إذن حتى لا يكون شريط قرى سبع جديدة يضاف إلى ما اقتطع من لبنان في العام 1918 ليعطى لاحقاً لإسرائيل. إما في مزارع شبعا، فالوضع كان أكثر تعقيداً، إذ فضلاً عن إرادتنا في استكمال التحرير فإن الرفض كان، رفضاً للدخول في مفاوضات لتحرير أرض محتلة لا يكون ثمناً لتحريرها إلا اتفاق استسلام، أو إذعان كما هو تاريخ مفاوضات العرب مع إسرائيل حيث لم توقع معهم إلا ما أملته عليهم.

بعد جدل ومناقشات شاقة في المكاتب وعلى الخرائط، استطعنا أن نغير الموقف الدولي في خطه الخاطئ، وعدنا إلى الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين إلا في مناطق ثلاث (تم التحفظ عليها في رميش والعديسة المطلة) ولكن الفريق الدولي تمسك بموقفه من مزارع شبعا وقد لمسنا أن هناك قراراً صادراً إليهم من خارج الطاولة يمنعهم من الاستجابة رغم قناعتهم بموقفنا. فإسرائيل لا يمكن أن تقبل إغلاق نافذة التفاوض مع لبنان، والمتاح المتبقي الوحيد لها منها هو مزارع شبعا...تلك المزارع التي أثبت الباحثون الإسرائيليون لبنانيتها (دراسة منشورة في هارتس 26 شباط 2002) كما أنها أرض لم يضمها الكنيست الإسرائيلي إلى إسرائيل عندما ضم الجولان في العام 1984، لأنه يقر بلبنانيتها، ثم إن إسرائيل لم تسمح لقوات الأندوف ومنذ العام 1974 أن تدخلها أو تتمركز فيها. ولم يجد الفريق الدولي حجة قانونية لرفض مطلبنا إلا قوله بالصلاحية العملانية وهو قول واه بكل المعايير... لذلك كان رفضنا للموقف الدولي، مترجماً بتحفظٍ على الطاولة وبتمسكٍ بالمقاومة لاستكمال التحرير.

أعلن لارسن الخط الذي اسمي أزرقاً في 5 حزيران 2000 (واختار تاريخاً لئيماً في ذلك عله يوزان بين هزيمة اليوم لإسرائيل ونصرها قبل ثلاثة عقود)، وذهبنا في 7 حزيران للتحقق على الأرض من احترام خط الأمم المتحدة هذا من قبل إسرائيل، بإجلاء قواتها عبر.. وبعد 9 أيام عمل ميداني تبين أن كل ما أعطي لنا على الخرائط بقي بيد إسرائيل على الأرض، وأقر الفريق الميداني الدولي بهذا الواقع، ولم يعالجه لانتفاء الصلاحية كما ادعى... لكن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان وبضغط أميركي وخداع من لارسن ذاته، أعلن أن الانسحاب قد اكتمل، إعلان فيه كل التنكر للواقع... فرفضنا هذا الموقف... ما استدعى تدخل وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت مباشرة، وهي التي كانت تدير الأمر الأممي من خلف الستار... فلجأت إلى الترغيب والترهيب... تهدد رئيس الجمهورية... وتهددني أن لم نقبل بما تريدنا أن نقر به من انسحاب وهمي... فلم نستجب، بل كان حقنا في أرضنا هو المستجاب إليه.. إذ أجبر مجلس الأمن على الاستماع لنا والموافقة على ما نطلب من حق... واستطعنا أن نحرر بعد ذلك مساحة 17765500م2... تحريراً كان بدء بالدم ـ دم الشهداء... واستكمل بالعلم وصلابة الموقف والقرار والتقنية، المستندة إلى القانون الدولي، والاتفاقات، الدولية والمعاهدات منذ 1918 إلى 1920 إلى 1923 إلى اتفاقية الهدنة العام 1949، ثم إلى أفضل وسائل القياس اللازمة لرسم الخطوط والخرائط بما في ذلك صور الأقمار الاصطناعية الحديثة التي بذل اللواء جميل السيد الجهد الكبير للحصول عليها، وكذلك أجهزة الـG.P.S المتطورة. لقد لجأنا إلى العلم المتطور حتى نمنع فتح أي ثغرة في موقفنا تؤدي إلى ضياع أرض لنا والسبب في ذلك هو أننا بمواجهة عدو يمارس احتلالاً وكل خطأ في الأمر يعني هدراً لحق وقبولاً باحتلال وهذا مرفوض في عقيدتنا ومبادئنا.

لقد كان الترسيم في الجنوب بمواجهة العدو هو ترسيم من أجل التحرير، لذلك كان العمل فيه متصفاً بالقدسية قدسية تستمد من قدسية الحق بالأرض وقدسية دماء الشهداء التي طهرتها من رجس الاحتلال. وهنا أذكر سؤالاً وجهه إلي مراسل إحدى الوكالات الصحفية الأميركية، عندما كنا نتفحص الأرض في مزارع شبعا إذ قال: لماذا تهتمون بالحدود هذا الاهتمام في الشرق الأوسط؟ فأجبته أنتم تسببتم بهذا الواقع إذ أنكم أنتم الذين أدخلتم إلى الشرق الحدود، فقبل اتفاقية ساكيس بيكو ووعد بلفور وقبل أن تزرعوا في بلادنا إسرائيل، لم تكن الحدود معروفة عندنا، حتى ولا تأشيرات المرور عبرها.. أما اليوم فقد أصبحت الحدود قائمة بقراركم، وهي بمواجهة العدو تعني خط الفصل بين منطقة احتفظ بها أهلها عزيزة حرة، ومنطقة اغتصبت فأذلت وتنتظر التحرير....

في 3 آب 2000 انتهى العمل على جبهة الجنوب، بحصيلة نقول إنها كانت نصراً للوطن، وهزيمة لأعدائه، هزيمة وقع عليها جنرال إسرائيلي بدمعة سالت من مآقيه عندما فرضنا عليهم وبعد شهرين من المناورات الاحتيالية، الخروج من أرضنا شرقي تلة العباد وتقاسم القبر هناك... ولكن كما كنت أنتظر فإن الأمر لم ينته لأن العدو المنهزم هو ومن وراءه كان لابد له من أن يحضر للرد، ويأتي في هجوم معاكس.. إذ بعد سنوات قليلة انطلق الهجوم المرتقب، هجوم الغرب الكافل لإسرائيل ضد من هزمها.. أي ضد مقاوم واجهها بسلاحه في الميدان، وحكم تبنى المقاومة وأزرها، وشقيق جار وصديق صادق دعم المقاومة بالمتاح المادي والمعنوي من الدعم.

2 ـ ترسيم الحدود مع سوريا اليوم مسار فتنة وترسيخ شقاق ونزاع:

إن مقاربة هذا الموضوع، ونظراً لدقته وعمق أبعاده، لا تكون سليمة أن لم نعد إلى أصل مسألة الترسيم للحدود وفقاً للقانون الدولي العام مبدأ وقاعدة، وإلى الوسائل التنفيذية أداة وكيفية استعمال وظروف إعمال، لنخلص بعدها إلى استنتاجاتنا حول الموضوع والقصد من إثارته اليوم.

أ ـ ترسيم الحدود دلالة ومراحل: الحدود كلمة متعددة الدلالة، وهي في الأصل ما اعتمد للإشارة على وجود ما يمنع تجاوزه، إلا وكان في التجاوز انتهاك أو اعتداء أو خطر أو خطأ وأثم (كما هو الحال في الحدود الإلهية بين الحلال والحرام)... وفي الجغرافيا تكون الحدود بين متجاورين بكيانات مستقلة لتمييز كيان أو نطاق عما جاوره، وهي بين الدول تعتمد للتمييز بين النطاق والمدى السيادي لكل من الدول المتجاورة، وهنا نميز بين مفهوم إنشاء الحدود، وبين إظهار الحدود، والأولى يصطلح عليها بعبارة الترسيم، أي إنشاء لشيء لم يكن موجوداً، أما الثانية يشار إليها بعبارة التحديد، أي تأكيد حد كان قائماً كما هو الحال مثلاً في عملية تحديد وتحرير العقارات التي تتم لإدخال العقارات في السجل العقاري، حيث إن اللجنة المؤلفة من قاض ومساح لا تنشئ حدوداً بل تؤكد حدود الملكيات القائمة قبل أن تأتي اللجنة... وأن عملية الترسيم إذن هي العملية الأشمل والأطول، ويكون التحديد مرحلة من مراحلها الأربع... هذه المراحل تكون متتالية، ولا يكون جدوى من المرحلة اللاحقة أو فعالية لها أن لم تتم السابقة وفقاً للأصول القانونية المعتمدة في القانون الدولي العام.. ولابد من التذكير بأن مسألة إنشاء الحدود واعتمادها، والاعتراف بها مسألة سيادية تخضع برمتها لقواعد القانون الدولي العام لتجاوز الشأن فيها الدولة الواحدة إلى من جاورها.. ووفقاً لهذه القواعد والمبادئ، تكون المراحل الأربع لقيام الحدود الواجبة الاحترام دولياً كما يلي:

(1) الأولى إنشاء الدولة: FONDATION DE L’ETAT أو إنشاء الكيان الذاتي المستوجب للحدود وهذا الأمر يتم على وجه من اثنين:

ـ إما باتفاق بين جماعات تقيم على أرض معينة، ترى أن تشكل دولة قوامها البشري الجمعات المتفقة، ومداها الجغرافي ما يملك هؤلاء من أرض، والقانون ما يرتضونه من سلطة.

ـ أما الثاني فيكون نتيجة فرض من طرفٍ يوحد جماعات لينشأ منها شعباً لدولة يريد أن يمارس هو السلطة عليهم في المدى الجغرافي الذي يقيمون عليه، وهذا الطرف قد يكون فرداً أو جهة من الجماعات ذاتها كما هو مثلاً ما تم مع بسمارك في إنشاء ألمانيا الواحدة، أو يكون خارجي، وهو حال لبنان الذي أنشأته سلطة المنتدب، اقتطاعاً وتجميعاً للمناطق المقتطعة، وقد جاء الاجتهاد القانوني من محكمة العدل الدولية ليقول ما أنشأ المنتدب من دول فهو دول وما وضع لها من حدود فهو الحدود لها بمقتضى القانون الدولي العام... فيكون قيام الكيان اللبناني قانونياً بمقتضى هذه القواعد الدولية لأنه استند إلى قرار المنتدب/ القرار 318 (رغم اعتراض بعض السكان المعنيين).. وهو كيان قائم بحكم القانون ولا يكون من موجب لمطالبة أي طرف بالإقرار به.. وقد تكون المطالبة أحياناً بأي عمل يؤكد وجود هذا الكيان عمل استفزازي لا جدوى منه إلا الإساءة والسلبية بافتعال المشاكل.

(2) المرحلة الثانية: تعيين حدود الدولة DELIMITAION DE L’ETAT أي تعيين المدى الجغرافي للدولة المنشأة، وهذا يتم عادة بشكل وصفي يرتكز على ذكر المناطق المشكلة للدولة وحدودها بشكل عام، ويستند هذا التعيين على مبدأ من ثلاثة:

ـ الأول طبيعي ويكون فيه العمل بالحدود الطبيعية، كالأنهار والأدوية، وخطوط القمم.

ـ والثاني تاريخي عرقي، ويكون فيه العمل بحدود المناطق التي تملكها الجماعات من الأعراق، أو الأديان، أو الاثنيات المختلفة وفقاً لما يكون قد اعتمد من معايير.

ـ والثالث يكون فيه التعيين الحر غير الخاضع لمبدأ مما ذكر بل تبقى إرادة منشئ الدولة المستندة على قوته هي الحاسمة في التعيين. وعادة يكون مزيجاً من المبدأين الأول والثاني يضاف إليهما الكيفية الإرادية تلك... وهذه هي الحال مع حدود لبنان، وفيها عمل بالمبدأ الأول في جانب، وبالكيفية والمزاجية في جانب آخر.. مع بعض مراعاة للمبدأ الثاني على أساس طائفي مذهبي... والمدقق في القرار 318 يرى أن المنتدى استعمل لدى تعيين المدى الجغرافي للبنان عبارة ما الحق منه بفلسطين وعبارة خط القمة وعبارة خط يوافق مجرى النهر الخ... ما يشير إلى مزجه بين هذه المبادئ الثلاثة.

(3) المرحلة الثالثة رسم الخريطة السياسية PLANIFICATION أو التخطيط، والمصادقة عليها، ومنهم من يعتبر أن هذه المرحلة هي الترسيم كله معتمداً على التفسير الحرفي المباشر لكلمة رسم، ويجعلها ترسيماً (بينما الترسيم هو قرار وتعيين وتخطيط وتحديد)... على أي حال أن هذه المرحلة تكون بتكريس الحدود الوصفية وإظهارها على مسطح بياني يسمى خطيطة CROQUIT. أو خريطة CARTE.. وهي عمل تقني قانوني، يبدأ برسم خط الحدود بشكل بياني معتمداً بداية على التوصيف الوارد في المرحلة الثانية ثم يجّمل ذلك، بالنزول إلى الأرض بحيث تحفظ الحقوق لأصحابها على جانبي الخط في الدولتين المتجاورتين، وهي حقوق أو مكاسب أو منافع أو مصالح متعددة الأنواع منها أولاً الملكيات العقارية الخاصة والعامة، ومنها المصالح الدفاعية، ومنها الحقوق المكتسبة في الثروات الطبيعية من مياه وإحراج وما شابه ذلك..

وبعد الاتفاق على الخط الحدودي بشكل نهائي يوضع اتفاق يكرس هذا الخط، اتفاق يكون ثمرة الرضا المتبادل، ولا يمكن أن تلزم دولة به رغم إرادتها، لأن الدولة في ممارستها لسيادتها لها أن تعترف بالكيانات المجاورة أو تحجم عن ذلك، ولها أن توقع الاتفاقات معها أو ترفض، وأن ما جاء في قرار مجلس الأمن الرقم 1680 يعتبر خروجاً على هذا المبدأ، ويعد سابقة خطيرة في العلاقات الدولية إذ يخشى أن تعتمد لاحقاً للتطبيق بين إسرائيل ومن تبقى من دول عربية لم تعترف بها.

على أي حال، أن توقع الوثائق الخطية والبيانية تأكيداً على موافقة الفريقين.. ثم يتم إيداع ذلك، وفقاً لقواعد القانون الدولي العام المعمول به بعد الحرب العالمية الأولى والمؤكد عليه بعد الحرب الثانية، ratification الإيداع لدى عصبة الأمم، واليوم لدى الأمم المتحدة.

هذه المرحلة بالنسبة للبنان نفذت تماماً بما يعني الحدود اللبنانية مع فلسطين، بموجب اتفاقية بوليه نيوكمب الموقعة سنة 1923 بين فرنسا وبريطانيا(دولتي الانتداب على فلسطين ولبنان)، المستندة إلى اتفاقية 23 ك1 1923، وكان الإيداع لدى عصبة الأمم التي صادقت عليها في العام 1934. أما مع سوريا فقد كانت هناك عوائق سياسية، أولاً وميدانية وتاريخية واجتماعية منعت من تنفيذ هذه المرحلة لكامل خط الحدود بين الدولتين المفروضتين على السكان من قبل المنتدب.. ما أفسح المجال أمام نشوء خلافات محلية ذات طابع فردي له علاقة بمدى الملكيات العقارية الخاصة ومدى الاستثمار.. وكانت تنشأ لها بين الحين والآخر لجان خاصة لبتها كما هو الحال مثلاً في مثلث الجولان ـ شبعا ـ بانياس حيث حسمت لجنة غزاوي وخطيب خط الحدود بين الدولتين تلطيفاً لما نص عليه القرار 318/ 1920 واعتبرت بموجب الاتفاقية هذه بلدة الغجر وممر من بانياس إلهيا ومنطقة مغر شبعا، والمنطقة شرقي وادي العسل، منطقة سورية أما ما عدا ذلك وهي المنطقة المصطلح عليها اليوم باسم مزارع شبعا فقد أكد على لبنانيتها.

وقد حاولت الدولتان أكثر من مرة إنجاز هذه العملية لما تبقى من الحدود، وكانت المحاولة تتعثر دائماً للأسباب التي ذكرت إلى أن كان العام 1971 حيث تقرر في 18 أيار في اجتماع اللجنة التنفيذية المشتركة للحدود اللبنانية السورية المنعقد في دمشق وضع أسس لتخطيط الحدود بين البلدين، تقوم على اعتبار الحد العقاري حداً دولياً حيث يوجد خرائط مساحة، وأن يجري التخطيط على الطبيعة مع مراعاة الحدود العقارية، حيث لا يوجد مثل هذه الخرائط.

إذن أن مسألة تنفيذ خريطة سياسية للبنان، تظهر حدوده مع سورية هي مسألة بتت أسسها، وهي بحاجة على تنفيذ يبدأ في المكاتب برسم ما تيسر من أجزاء الخط، ثم ينتقل إلى الميدان لينهي الأجزاء المتبقية مع احترام ما ذكر من حقوق ومصالح.. ففي المناطق التي يمكن الوصول إليها يكون التنفيذ ممكناً وفي ما عداها يتعذر التنفيذ حتى تزول العوائق، أمنية كانت أم ميدانية أم عسكرية أو خلاف ذلك.. ثم يتطلب الأمر توقيع الفريقين، ليصار بعده على إيداع الخريطة المرفقة بالاتفاق لدى الأمم المتحدة التي تتولى المصادقة.. وكل هذه الأعمال هي من صلاحية الدولتين ذاتهما، وليس لجهة أو طرف أن ينوب عنهما في الأمر بما في ذلك الأمم المتحدة ويشترط لتنفيذها، علاقة ثنائية تتيح الاتفاق، وواقع ميداني عملي يمكن من تنفيذ الأعمال.

(4) المرحلة الرابعة: التحديد الميداني، أو التعليم demarquation، وهي المرحلة الختامية لعملية الترسيم الشاملة، وتنفذها فرق طبوغرافية ميدانية، عبر نقل الخط الاتفاقي من الورق (الخريطة) إلى الأرض وفيها وضع العلامات الحدودية border point (BP)، بمعنى أن هذه لا تتم إلا ميدانياً. ويستحيل فعل ذلك أن لم يصل المكلفون بالشأن إلى النقطة المقصودة بذاتها.

3 ـ العوائق أمام ترسيم الحدود مع سوريا، وشروط تذليلها:

عوائق نذكر منها:

(1) الاحتلال في مزارع شبعا: في تلك المنطقة لم يتبق إلا القسم الأخير من عملية الترسيم، وهو وضع العلامات الحدودية، أي التحديد، وهي مسألة لا تتم إلا إذا تمكن المعنيون بالشأن ـ لبنان وسوريا ـ من الوصول إلى الأرض، وهذا غير ممكن في ظل الاحتلال.. إلا إذا أراد المطالبون بذلك أن يفوضوا الأمم المتحدة بأن تنوب عن لبنان وسوريا في الموضوع. وطبعاً ستكون النتائج لمصلحة إسرائيل كما تعودنا.

(2) المناطق العقارية المتداخلة: تتداخل الملكيات العقارية بين لبنان وسوريا ومن الجانبين في 45 منطقة كبيرة و53 منطقة صغيرة بحيث أن لبنانيين يملكون عقارات شرقي خط الحدود، وسوريين غربها. وهذا الأمر بحاجة إلى معاينة، وإجراء مسح عقاري، وتثبيت الملكيات ثم اعتماد حل بشأنها إما بتبادل في الأرض والملكيات، وأما بنظام استثمار وعبور الملاكين بما يتجاوز الحدود.. أو نظام مختلط بين الأمرين.. ما يتطلب جهداً كبيراً جداً.. ونفقات قضائية وإدارية وتقنية باهظة.. ووقت لا يمكن حسابه إلا بالسنوات.

(3) المناطق الخلافية: لا زال هناك قسم كبير من الأرض على جانبي خط الحدود المبين بالقرار 318، موضع خلاف بين الدولتين، وهو بحاجة إلى حل بالاستناد إلى الأسس التي ذكرت في المرحلة الثانية والثالثة من ترسيم الحدود.. وهذا الأمر لا يتم إلا نتيجة اتفاق، يكون بذاته ثمرة التوافق. وهو ما تفتقده العلاقة الرسمية بين لبنان وسوريا اليوم.. وهي علاقة يبرع بعض المسؤولين في لبنان بالإساءة إليها هدماً وتشويها، وما المواقف الاستفزازية أو التصريحات المجافية للحقيقة والمتسرعة من غير تحقق إلا نموذجاً من نماذجها.

(4) التدخل الأجنبي: أن استمرار التدخل الأجنبي بين الدولتين من شأنه أن يعقد الأمور بينهما، وأني أرى في القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن، القرار 1680، رغم صيغته التي جاء فيها تعبير تشجيع سوريا على...، ثم التذكير بالرضا المتبادل بين الطرفين لإقامة العلاقات الدبلوماسية، سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، فمجلس الأمن مسؤول عن الأمن والسلام الدوليين، ولا يوجد بين لبنان وسوريا نزاع مسلح ليتدخل في فضه، حتى أن العلاقة الجافة القائمة بينهما بفعل التدخل ذاته، ليس من شأنه أن تهدد السلم العالمي لتتيح للمجلس بأن يتدخل. إن أعضاء مجلس الأمن يعلمون أن قرارهم ليس له وزن أو قيمة في القانون الدولي، لأنه يخالف مبادئه، ونسأل لماذا اتخذ إذن؟ والجواب الوحيد لا نراه إلا القول: لا فساد أي محاولة لإعادة علاقة طبيعية مع سوريا.. هذا الدولة الذي ينسى المواجهون لها اليوم أنها ليست بلداً ضعيفاً معزولاً لا حول له ولا قوة، مجردة من أي ورقة تلعبها في الشرق لتفسد المخططات.. وهي بالعكس تملك من الأوراق الكثير.. وأولها ما يمكن أن يؤذي لبنان.. وهل ننسى أن لا حدود برية لنا إلا معها تطول إلى أن تزيد عن 600كلم؟ ومع العدو الإسرائيلي 48!

إن الترسيم أو التحديد، أو ما شابه يتطلب تذليل هذه العوائق: بإقامة العلاقات الطبيعية بين الجارين، وتوفير الإمكانات المادية والوقت اللازم، وفوق كل شيء وقف التدخل الأجنبي في مسألة كهذه.

وأخيراً أن ترسيماً من أجل التحرير أمر فاخرنا ونفاخر به، وهو نقيض ترسيم يرد علينا به ليكون من أجل الانعزال. فإذا كان الشعب الواحد أصبح بقرار من المنتدب يعيش في كيانين سياسيين، فعلينا أن لا نسمح بأن تتحول خطوط الحدود بين الكيانين إلى خطوط تقطيع أوصال وانعزال تخنق أحدهما، وترهق الآخر.

الدكتور أمين محمد حطيط

أستاذ جامعي ـ عميد ركن متقاعد