العدد الثالث عشر - تموز 2006

الصحافة .. إشكالية حريتها ورسالتها !!

عدنان كرم / كاتب سوري
الخميس 24 آب (أغسطس) 2006.
 

حرية الصحافة مرهونة بأنظمة حماية حقيقية واستقلالية تامة بعيدةً عن أية ضغوطات.

كل عام يُحتْفلَّ باليوم العالمي للصحافة في حين تخسر السلطة الرابعة العديد من رموزها.

الصحافة الناقدة تشكل أكبر عقبة أمام العديد من المتنفذين في العالم العربي استبدلت قوانين الحماية بـ((قوانين قمعية)) والصحافة الحرة بالصحافة المراقبة.

احتفلت الأوساط الصحيفة ـ في 3/ أيار/ باليوم العالمي لحرية الصحافة ويبدو من اللائق بهذه المناسبة مقاربتها من باب الأسئلة التالية:

هل استطاعت الصحافة باعتبارها السلطة الرابعة تحقيق الأهداف التي سعت إليها؟! أم ظلت أسيرة قوى متنفذة بمختلف أشكالها ومراميها؟!

أم أن مجرد دخولها في مأزق تاريخي من الصعب الخروج منه على المدى المنظور خاصة ابتعادها عن مبادئ الحماية الحقيقية بأنظمة وقوانين تحمي العاملين بها من أي أذىً أو أساليب رادعة؟

قال ماركس مرة ((إن جوهر الصحافة الحرة.. نظراً لطبيعتها العقلانية والأخلاقية إنما هو الحرية أما بالنسبة للصحافة المراقبة، فهو انعدام الجوهر وانعدام الشخصية الخاصين بالعبودية)).

وفي تصريح للسيد أيدن هيورمن رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين، أكبر منظمة صحفية في العالم ((حقوق الصحافة منتهكة، لا يوجد حرية للصحافة، خاصة في ظروف الحروب والأزمات، وجهود الصحفيين لنقل العديد من الحقائق قد ضاعت في الأفق)). فعلى الرغم من صدور العديد من القوانين التي تدعي الحماية الصحفية في دول مختلفة ودخول أعداد من المراسلين والمحررين إلى خضم العمل الصحفي لنقل الحدث، إلا إنه من الصعب وصف الوضع العام للصحافة بالمطمئن حيث أن الحماية الصحفية ضئيلة مقارنة بالتشريعات والقوانين الصادرة، هذه الحماية تشمل عدم تعرض الصحفيين والعاملين معهم للقتل المتعمد والاعتقال والخطف والسلب والملاحقة والسجن والاغتيال والضرب والتشهير والفصل من العمل وأي وسيلة للضغط والإكراه وإغلاق الوسيلة الإعلامية أو حجب المادة الصحفية أو حذف المعومات منها أو تزويدها.

ويبدو وضع الصحافة في العالم العربي، أحد أكثر الأمثلة وضوحاً عن الواقع المتدني لحرية الصحافة فقد جاء في تقرير للجنة حماية الصحفيين نشر مطلع الشهر الماضي:

اعتبر العراق أخطر مكان للصحفيين خلال عام 2005م فقد بلغ عدد الصحفيين الذين قتلوا أثناء أداء عملهم منذ بدء الاجتياح الانغلو أمريكي حتى نهاية العام المذكور 60 صحفياً.

وقد تواصل قتل الصحفيين وموتهم في حوادث إطلاق نار واختطافهم واحتجازهم وقد تسبب النزاع بمقتل أكبر عدد من الصحفيين في التاريخ الحديث.

فقد تصاعدت الإصابات بين العاملين في وسائل الإعلام بمعدل يثير القلق إذ قتل 22 صحفياً وثلاثة من العاملين في الحقل الإعلامي أثناء أدائهم لعملهم خلال العام 2005م، تبين حالة المذيعة التلفزيونية رائدة وزان التي كانت تعمل في قناة العراقية مدى المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون فقد اختطفت في شباط ووجدت مقتولة بعد خمسة أيام على اختفائها على جانب أحد الطرقات في الموصل، وهاجم مسلحون في أحد مطاعم بغداد الصحفي العراقي جواد كاظم مراسل قناة العربية أصيب على أثرها بأضرار جسدية بالغة، كما تم اختطاف سبعة صحفيين أجانب كان ضمنهم الصحفية الفرنسية فلورانس أو بيناس من صحفية ليبراسيون التي اختطفت هي ومترجمها والأندونيسية ميوتيا فيادا حافظ مع مصورها بوديانتو اللذين يعملان مع المحطة الإخبارية الأندونيسية ميترو ـ تي ـ في والصحفية الرومانية ماري جيان أيون والصحفي سورين ووميترو ميسوسي ويعملان في محطة بريما التلفزيونية والإيطالية جوليانا سغرينا من الصحيفة الإيطالية إيل مانيفيستو.

كما قتل 13 صحفي برصاص القوات الأمريكية منذ بدء الاجتياح الانغلو أمريكي وحتى عام 2005م من بينهم الصحفي وليد خالد مع المصور حيدر كاظم حيث أصيبا بعدة رصاصات في الوجه والصدر.

أما في فلسطين المحتلة استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي عدد كبير من الصحفيين الفلسطينيين والأجانب إضافة إلى أعمال الضرب والاعتقال ووضع قيود ضد تحركاتهم وتخريب أجهزتهم.

فقد حدث الاعتداء الأخطر في 2 كانون ثاني عندما تعرض المصور الفلسطيني مجدي العرابيد لإطلاق رصاص وأصيب بجراح خطيرة بينما كان يقوم بتغطية إخبارية في منطقة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وتسبب إطلاق النيران من القوات الإسرائيلية بمقتل عدة صحفيين وإصابة العشرات منهم بجراح خلال سنوات الصراع المرير بعد انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000م حيث قام جندي إسرائيلي بإطلاق الرصاص على المصور البريطاني جيمس ميلر في بلدة رفح مما أدى إلى مقتله.

كما منعت القوات الإسرائيلية في حالات عديدة الصحفيين من أداء عملهم، ولجاءت إلى القوة المفرطة عندما كان الصحفيون يرفضون الأوامر ففي 25 نيسان من عام 2005م قامت قوة إسرائيلية متمركزة في نقطة تفتيش بمنطقة شعفاط في القدس الشرقية بالاعتداء على الصحفي عواد عواد لأنه كان يصور الجنود الإسرائيليين بينما كانوا يقومون بمنع مئات الفلسطينيين من عبور النقطة لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى حيث أوسعوه ضرباً واحتجزوه في غرفة صغيرة لعدة أيام.

وفي النزاع الجزائري بلغ عدد القتلى الصحفيين 58 بين عام 1993 ـ 1996م. أما الفلبين الأشد فتكاً للصحفيين خلال عام 2005م سجلت أربعة حالات قتلى، وهناك صحفيان اعتبرا في عداد المفقودين هما ألفريد وجيمينين في المكسيك وألودين تيلا وميانوا في أندونيسيا.

على مر السنوات نجحت بعض الحكومات العربية بكبح جماح الصحافة الناقدة التحليلية في وسائل الإعلام المحلية وذلك من خلال أساليب لا عنفية مثل: القوانين القمعية للصحافة، وقوانين القذف والتشهير الجنائية والسجن والقيود البيروقراطية والفصل من العمل.

ففي اليمن حيث كانت الحكومة في حالة ارتباك وسط حالة من المصاعب الاقتصادية والاحتجاجات العامة حيث شهد الصحفيون ازدياداً حاداً في الاعتداءات والتهديدات على أيدي جماعات وأشخاص مسلحون ففي آب عام 2005م قام أشخاص مسلحون باختطاف المحرر جمال عامر واحتجزوه لمدة أربع ساعات حيث أوسعوه ضرباً.

المحنة التي مر بها جمال تذكرنا على نحو قريب بحادثة جرت في مصر قبل عشرة أشهر من ذلك حيث قام أربعة رجال بالاعتداء على عبد الحليم قنديل واختطافه لفترة وجيزة وهو محرر وكاتب عمود صحفي في الصحيفة الأسبوعية المعارضة ((العربي)) فقد سلب منه المهاجمون نظارته وهاتفه المحمول وألقوا به على قارعة الطريق بمنطقة صحراوية وهذه القضية ظلت دون حل، كما حكمت محكمة جنائية في القاهرة على ثلاثة صحفيين يعملون في الصحيفة اليومية ((المصري اليوم)) بالسجن لمدة سنة واحدة على أثر نشر مقال زعم بأن السلطات قامت بتفتيش مكتب وزير الإسكان وعلقت عضويته في الوزارة ويأتي فرض هذه الأحكام بعد مرور عام على دعوة الرئيس المصري حسني مبارك إلى وقف العقوبات الجنائية في قضايا التشهير والمخالفات الصحفية الأخرى ولم يطرأ أي جديد بخصوص اختفاء رضا هلال نائب مدير صحيفة الأهرام شبه الرسمية الذي لم تعرف أخباره منذ 11 آب من عام 2003م.

كما صدرت دعوات متكررة لتحرير وسائل الأعلام وتنحية المحررين لأسباب لم تعرف بعد كما هو الحال لدى الصحفي هاني شكر الله حيث نُحيَ عن عمله بشكل مفاجئ وهو محرر صحيفة ((الأهرام ويكلي)) الناطقة بالإنجليزية على الرغم من أنه لم يكن قد وصل إلى سن التقاعد بعد ومن المعروف أنه من المحررين القلائل الذين يمارسون تفكيراً نقدياً في إدارتهم للصحف، كما رحب الصحفيون المغربيون بالوعد الذي أطلقه وزير الاتصالات نبيل بن عبد الله بأن الحكومة سوف تلغي عقوبة السجن للمخالفات الواردة في القوانين الصارمة للصحافة مع ذلك لم يترجم تعهد الوزير إلى تقدم فوري في هذا المجال، إذ قامت السلطات بعد فترة قصيرة من إعلان الوزير برفع سلسلة من قضايا التشهير ضد الصحفيين، فقد تم رفع قضية ضد الصحفي المستقل علي المرابط بدعوى التشهير بعد أن قام بنشر مقال في الصحيفة الإسبانية ((إيل موندو)) وأشار للمواطنين الصحراويين الموجودين في المدينة الجزائرية تندوف على أنهم لاجئين مناقضاً موقف حكومته التي تصفهم بأنهم سجناء لدى جبهة البوليساريو الثائرة وصدر حكم المحكمة الجنائية أدانت الصحفي المرابط في نيسان ومنعته من العمل لأي صحيفة مغربية لمدة عشر سنوات، وتقوم الصحف السعودية بنشر تقارير إخبارية ما كان من الممكن التفكير بنشرها قبل خمس سنوات وأصبح من المعتاد نشر تقارير صحفية حول الجريمة وتهريب المخدرات ومعارك قوى الأمن مع المتطرفين المسلحين ولكن ظلت مسيرة التقدم غير متوازنة إذ مازال هناك العديد من القضايا السياسية المركزية محظورة على الصحافة حيث المسؤولون الحكوميون بصفة منتظمة يقومون بإرسال أوامر إدارية للصحف لتعليق نشر كتابات الكتاب الناقدين من ضمن هؤلاء عبد المحسن مسلم الذي أدت به قضية كتبها ضد الفساد القضائي إلى إمضاء فترة قصيرة في السجن ومنهم أيضاً وجيهة الحويدر التي كانت تتحدث بصراحة عن المشاكل الاجتماعية والحقوق المحدودة المتاحة للنساء في المملكة وكذلك حسن مالكي وهو كاتب في الشؤون الدينية، كما أفادت المعلومات أن السلطات السعودية اعتقلت في كانون الثاني محمد العوشن مدير تحرير المجلة الإسلامية الأسبوعية ((المحايد)) التي تصدر من الرياض دون أن توجه له أي تهمة واحتجز لعدة أسابيع جراء قيامه بنشر مقالات تنتقد تراخي الحكومة عن المطالبة بالإفراج عن السعوديين الذين تحتجزهم السلطات الأمريكية في سجن غوانتانامو في كوبا، أيضاً ألتزمت السلطات التونسية بأساليبها المعتادة إذ قمعت الصحافة الناقدة ومنعت اتحاد الصحفيين الذي تشكل حديثاً من عقد أول مؤتمر عام له فهناك ثلاثة صحفيين تعرضا للضغوطات اثنان منهما يحتجان مضربين عن الطعام وهما حمادي جبالي حكم عليه بالسجن لمدة ستة عشر عاماً منذ عام 1991 وهو محرر سابق في صحيفة الفجر التي أغلقت وهي صحيفة أسبوعية كانت تصدر عن حزب النهضة الإسلامي المحظور وقد أدين بتهمة التشهير والانتماء لمنظمة غير مشروعة والثاني عبد الله زواري مراسل صحفي والذي بقي قيد الإقامة الجبرية المفروضة عليه منذ أفرج عنه من السجن في العام 2002م والصحفي الثالث لطفي حجي وهو رئيس نقابة الصحفيين التونسيين وفي آب أصدرت السلطات التونسية قراراً لا تعترف بالنقابة الصحفيين ومنعتها من عقد مؤتمرها الأول وتضيق الحكومة على وسائل الإعلام الخاصة من خلال الوكالة التونسية للاتصالات الخارجية التي تسيطر على الإعلان والدعم الذي تقدمه الحكومة للإعلام.

وفي البحرين اعتقلت السلطات البحرينية السيد علي عبد الإمام في شباط وهو يدير موقع حواري على الإنترنت إضافة على اثنين من الفنيين يعملان معه وهو مؤسس ومحرر موقع ((بحرين أون لاين)) حيث يعرض تعليقات حول البحرين وموقع للحوار وقد وجهت اتهامات للمعتقلين الثلاثة بانتهاك قوانين الصحافة، وظلت الصحافة الكويتية أفضل وضعاً للعديد من الصحف العربية ولكن تعرضت لبعض المضايقات ففي كانون الثاني اعتقلت السلطات الكويتية عادل عيدان وهو مراسل صحفي يعمل مع قناة العربية الفضائية وذلك أثر قيام القناة ببث تقرير حول حدوث اشتباكات بين قوات الحكومة الكويتية ومقاتلين متطرفين وقد وجهت إليه تهمة بث أخبار كاذبة تصف موقف الدولة داخلياً وخارجياً، وفي نفس الشهر هدد رئيس الوزراء الشيخ صباح الأحمد الصباح (آنذاك) أثناء اجتماعه مع محرري الصحف بتعليق صدور أي صحيفة أو إقفالها إذ قامت بنشر معلومات تتعلق بمكافحة الحكومة للمتطرفين الدينيين، لا يزال الإعلام الرسمي الليبي المسيطر على حرية الأنباء والتقارير كما يتعرض الصحفيين إلى القتل في ظروف غامضة، ففي حزيران من عام 2005ك عثر على جثة الصحفي الليبي ضيف الغزال الشهيبي ملقاة في أحدى ضواحي مدينة بنغازي وكانت قد اختفت آثاره منذ 21 أيار وكان ضيف مراسلاً سابقاً لصحيفة ((الزحف الأخضر)) المملوكة من الحكومة وقد بدأ قبل فترة بنشر مقالات في مجلتين إلكترونيتين تصدران في لندن هما ((ليبيا اليوم)) و((ليبيا جيل)) وانتقد في مقالاته مسؤولين حكوميين والإعلام الرسمي وكانت السلطات الأمنية قد احتجزته فترة قصيرة في نيسان وحققت معه بشأن كتابته على شبكة الإنترنت.