العدد الثالث عشر - تموز 2006

خرافة الدولة الدينية المنشودة

نذير الحموي / كاتب سوري
الخميس 24 آب (أغسطس) 2006.
 

New Page 1

ينقل نذير الحموي السجّال حول الدولة الدينية الإسلامية من حقل ((التطورات والصور)) التي وُضعت حولها، والمعبّر عنه في ((إرث)) بدأ مع وفاة الرسول، مباشرة، واستمرّ يتنامى ويتضخم في إطار مسيرة الدولة في التاريخ، ولا يزال يعاند فلسفة التاريخ، وخلاصته، وقوانين الحداثة وأخلاقيات المواطنة، التي مضى على تأسيسها قرابة 500 عام؟! ينقل هذا السجّال إلى حقل ((الواقع)) بما كان قائماً، وبما هو راهناً، وبما سيؤول مستقبلاً.

وبهذا المنهج، لا يعود البحث منتمياً إلى ((علم الكلام)) ولا إلى ((السجالات الفقهية))، بل إلى الوجود ومصير المجتمع ومستقبله. وهو لذلك جاء على درجة عالية من الشفافية والمسؤولية التي تبتدئ أولاً بمواجهة الذات، على نحوٍ بعيد عن التزيين أو التقبيح اللذين ينتميان إلى حقل ((الإيديولوجيا)) لا إلى حقل ((التاريخ)).

تحت عنوان /رد على الرد/ كتب السيد عبد الوهاب المصري ((تحولات ـ العدد 12 ـ حزيران 2006)) ما وجد فيه رداً ((تحولات ـ العدد 10 ـ نيسان 2006)) على ما كنا كتبناه رداً على أقوال فضيلة الشيخ وهبة الزحيلي ((تحولات ـ العدد 9 ـ آذار 2006)) فيما يخص علاقة السياسة بالدين ورأينا أن ندلي برؤيتنا للموضوع وأن نفتح حواراً عقلانياً حوله يقوم على الواقعية لا على التنظير الفكري المجرد.

لن ندخل مع الباحث المصري فيما ذهب إليه من إيراد التعريفات لأن لكلٍ قناعاته في مثل هذه التعريفات وكل يتبنى منها ما يخدم غرضه وقد تتناقض هذه التعريفات إلى حد أن يلغي بعضُها بعضاً.

وما يهمنا هو الواقع، وما ينطبق عليه إن كان تعريفاً أكاديمياً أو حتى شعبياً، والغاية هي الوصول إلى ما يخدم مصلحة مجتمعنا قاطبة دون استثناء، وليس مجتمعاً أو فئة تطفو على سطح المجتمع وتعتبر نفسها هي صاحبة الحق في قيادة هذا المجتمع وتقرير مصيره ولا ندري من أين اكتسبت هذا الحق؟.

أورد الباحث المصري تعريفاً على لسان أبي حنيفة وذيلّ اسمه بعبارة طوطمية كنا نربأ به ألا يستعملها، فالعظمة لله وحده وما دون الله يدخل في دائرة تقديس البشر.

أما فيما ذهبنا إليه من سمة دين الله فلا يتناقض مع قول الإمام أبي حنيفة الفارسي إلاّ إذا رأى باحثنا أن هناك من رسالات السماء ما لا يحمل صفة الإسلام، أو كما يشاء التسليم لله وبذلك يكون ماؤه قد رد إليه. ثم ليتركنا المصري من عبارة ((إجماع علماء المسلمين)) لأنها كلمة ظاهرها حسن وباطنها خبيث. فهذه العبارة التي يستعملها محرّفو الكلمة من كتاب ورجال دين لها معنى غير المعنى الدال عليها حيث على القارئ الانتباه إلى أنها تعني إجماع مسلمي السنّة، وبذلك يخرج أهل المذاهب الأخرى حسب الجملة الآنفة من عداد الإسلام، وعليه فإجماع علماء المسلمين حقيقة هو إجماع علماء طائفة وليس إجماع علماء المسلمين، وبالتالي فدعاة الدولة الدينية يُخرجون مَنْ خالفهم مذهباً من معدودية الدولة ويعتبرونهم مرتدّين عن الدين وهذه أولى علامات إدخال السياسة بالدين.

ونرى هنا أن نشكر المصري الذي رأى عيوباً فيما قلناه فردها إلينا تمسّكاً بالمأثور من القول /رحم الله مَنْ ردّ إليّ عيوبي/ كونه رآها عيوباً ونحن على غير رؤيته، ونستغرب ما أورده في حديثه على لسان كتاب وعلماء مسلمين يصرّحون على صفحات الكتب ووسائل الإعلام المتاحة، أن المستشرقين يحملون الإثم الأكبر في تشويه صورة الإسلام ويعملون على تدميره، ثم يعودون إلى الأخذ بأقوالهم متى وافق ذلك هواهم ودون تحفّظ وكان الأجدى بصاحبنا ألاّ يقع في هذا الشرك.

ليس الإسلام وحده من نظم علاقة الناس بالمجتمع وإلى ما هنالك، فكل رسالة سماوية أو أرضية اعتنت بذلك وهذا لا يعطيها مسوّغاً لأن ترعى سياسة وتقيم دولة، والديانة المسيحية على ما ستشهد به ليست مقتصرة على الوصايا فهي نظّمت تلك العلاقة وقامت دولة الكنيسة وحكمت بلادنا أربعمئة عام تحت راية الصليب.

إن تعظيم السيد المصري للإمام أبي حنيفة الفارسي يدل على ذهابه إلى رأيه، وهذا أمر فيه عنات وأي عنات، فأبي حنيفة خالف الخلفاء الراشدين الذين رأى فيهم لا المصري انموذجاً يحتذى به ثم ينفي حدوث التصادم استناداً للعصر الراشدي، أما أبو حنيفة فقولته المشهورة فيما خالف فيه الراشدين /هم رجال ونحن رجال/ وقوله /لو أدركني رسول الله لأخذ برأيي/ حتى وصفه معاصروه من العلماء والفقهاء بالفسق / راجع تاريخ بغداد ـ الخطيب البغدادي/. أما عصر ((الخلفاء الراشدين)) فعليه ما عليه من العثرات التي تدحض وتمنع الحذو حذوهم بدءاً من السقيفة وحروب البطاح وانتهاءً بالجمل وصفين، والدارس يرى أن السياسة التي حكمت تلك المرحلة والتي يتغنى بها الناس بإيعاز من رجال الدين وباحثيهم دون تبصر، ليست أقلّ انتهازية من تعاليم /ميكيافيللي/، أما التصادم فهو ملازم للدولة الدينية بدءاً من الصراع القبلي العربي أيام حرب اليمامة وبعد وفاه الرسول مباشرة مروراً بالدويلات الإسلامية وصولاً إلى الصدام التركي العربي أيام الدولة الواحدة القائمة سياستها على الشرع.

وفي الحالات المعاصرة لهذا الصدام نرى الحرب العراقية الإيرانية على أساس ديني وسنفصله، ثم تحالف الدول الإسلامية في الحرب على دولة الدين الأفغانية إلى جانب الأمريكان، ولا ننسى تحالف هذه الدول ضد العراق التي قادت حرباً دينية نيابة عنهم. فيما سبق والوثائق تتحفنا كل يوم بتآمر دول إسلامية وعربية لاغتصاب فلسطين في الوقت الذي لا تزال العمائم تفعل فعلها في تلك الدول.

وأخيراً: كنا نأمل من الكاتب توخي الموضوعية والواقعية لكن على العكس فقد استشهد بعبارة توحي بالويل والثبور، أن فصل الدين عن الدولة هو تدمير للدين بامتياز!! وهذا يضعنا أمام ((منطق مفتوح)) حيث استناداً للباحث المصري فإن الإسلام تم تدميره ولم يبق له قائمة في أي دولة من دول العالم الإسلامي. لأنها جميعها أبعدت العمائم عن إدارة دولها ولفترة قاربت القرن من الزمان ولم يبق للإسلام إلا رئة واحدة هي إيران التي تقوم فيها دولة العمائم. إلاّ إذا كان المصري آخذاً بإجماع علماء المسلمين كـ((معنى خاص)) عندها إيران ليست من الجماعة الإسلامية. وهذا بدوره يقودنا إلى مسألة ثانية لطالما طلع علينا رجال الدين ومنهم القرضاوي ليحدثنا عن انتشار واسع للإسلام في أوروبا وأمريكا ولكن، حسب الباحث، فأقوال هؤلاء ليست أكثر من كذب وتدجيل حيث وحسب قوله دُمِّر الإسلام في بلاده وفي أرضه ومجتمعه وحيث يتسلل رجال الدين للتأثير في سياسته فكيف في دول غريبة عنه مجتمعاً وسياسةً؟

وبتعميمه الموضوع على الدين فإن المسيحية دمُرت ما خلا الفاتيكان، وعلى ذلك فإن ما شغل الناس في بداية هذا القرن وما أفرزته قوى التحالف الغربي وما صرح به قادتهم من بدء الحرب الصليبية الجديدة هو محض كذب وافتراء، ولا وجود له إنما هو وهم تبناه رجال دين في بلادنا لتجييش الناس تجاه دين دمر وانتهى. هذا ما يفهم من استنتاج الباحث المصري، أما الحقيقة والواقع فإن المشاهد المنصف يعلم أن عدد المساجد في ازدياد ورفوف المكتبات والصحف والفضائيات تعج بالبحوث والكتابات أضعاف ما كانت عليه أيام كانت العمائم تتحكم بالسياسة في بلادنا وغيرها من دول العالم العربي والإسلامي، وانتشار الإسلام في ديار الغرب يسير بشكل مستمر نحو زيادة في الأعداد والمواقف مع عدم وجود تأثير للعمائم في الغرب.

واستناداً للكاتب أيضاً فإن الإسلام الحقيقي غير قائم وحي إلا عبر المجموعات التكفيرية على غرار الإخوان والقاعدة وجماعة الزرقاوي حيث يقود أصحاب العمائم سياسة هذه الجماعات وتنظيم جرائمهم ومباركتها. ومنح قتلاهم صكوك غفران إلى الجنة.

لهذا نتمنى من الباحث المصري التمسك بالواقعية العقلانية فهي زاد الباحث ودليله كما يعلم...!

نعود إلى صلب موضوعنا.. إن إدخال الدين بالسياسة يعني بوضوح تام قيام دولة دينية تكون سياستها الداخلية والخارجية قائمة على الشرع الإسلامي أو غيره حسب اتجاهها الديني، وعليه فالدولة الدينية هي دولة الجماعة المؤمنة والمؤمنون هم رعايا للحاكم نيابة عن الله، وهم مشدودون شاؤوا أم أبوا إلى طاعة الحاكم، لأن في طاعته رضى الله حتى لو كان هذا الحاكم فاسقاً، والرعايا مجبرون على إيجاد الأعذار لحاكمهم، وخروجهم عليه هو فسق وفجور نهايته الاتهام بالزندقة وعقوبته الموت، وهكذا تجرأ خلفاء المسلمين وعلى رأسهم أمير المؤمنين يزيد بن معاوية على القول:

لعبت هاشم بالملك....

فأنكر الدين والنبوة والقرآن ثم قوله:

اجلس على دكة الخمار واسقِنا....

ينكر بها المحرمات والمحظورات والعبادات

ثم أتى ابن عم له فجعل القرآن هدفاً لسهامه ومزقه وداسه برجليه وأنشد أبياتاً مشهورة بذلك. ومع هذا فقد أجمع علماء المسلمين السابق ذكرهم على صحة خلافتهم وصحة أمرتهم للمؤمنين، والرعية مفروض عليها الطاعة، وعصيان الخليفة عصيان لله فهو ظل الله في الأرض يشد أزره وزراء زور وقضاة جور وشيوخ متخمون. على مائدته منفوخة جيوبهم من عطاياه.

وقسم آخر من رعايا الدولة الدينية محكوم عليهم بالتشرد والقتل والموت لمجرد إبراز رأي مخالف لرأي الحاكم. وفتنة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد تتناقلها الأجيال. واجتهاد أمراء المؤمنين من العباسيين في ملاحقة /المهلب/ والقضاء عليه وعلى أولاده. ناهيك بالمذابح التي تمت باسم الدين وبأمر ممن تسموا بأمرة المؤمنين وبتأييد من حاز لقبَ شيخ الإسلام وقضاته وفتاواهم حتى لا تكاد تفتح صفحة من تاريخ الدولة الدينية الإسلامية إلا ويفاجئك سيل دماء لكنه أريق شرعاً.

والقسم الأخير من رعايا أمير المؤمنين هم الذميّون وأمرهم تابع لمزاج الأمير. فإن نالوا الحظوة والرضا كانوا في أمان وإن نالوا الغضب والسخط فالويل كل الويل، فهذا الخليفة يفرض عليهم لباساً يميزهم عن الآخرين، وذلك يأمرهم بحمل الصلبان والأبواق في رقابهم، وآخر يهاجم معابدهم ليبيع الرهبان والقساوسة في سوق النخاسة.

لكن اليهود استطاعوا الهروب من هذه المسألة بامتلاكهم المال والنساء، وهي هدف الخليفة وأعوانه وإذا ما وصلوا إلى طريق مسدود كان هروبهم بإعلان إسلامهم وانضمامهم إلى الجماعة المسلمة ظاهراً، وكان آخرهم ما أتحفنا به سلطان الأتراك وشيخ الإسلام وهم /يهود ـ إسلام ـ الدونمة/ وكفاك بهم وما تبعنا منهم، ثم إسلام الحاخام داود أبو العافية من دمشق هروباً من الموت لارتكابه جريمة بحق الباندري توما وخادمه.

هذه بعض من ملامح السياسة الداخلية للدولة الدينية وسياستها مع رعاياها، وبالطبع فليس هناك شعب ولا قيمة للمواطن، بل رعايا تحت عصا حاكم مطلق يستمد شرعيته من شرعية المنطلقات وشرعية الغايات وشرعية المناهج.. هذه هي السياسة القائمة على قواعد الشرع وأحكامه وتوجيهاته. النتيجة أن الدولة الدينية هي دولة طائفية بل مذهبية تخص فئة دون غيرها، ومنها يخرج القواد والأمراء وأولو الأمر. والمصيبة أن دعاة هذه الدولة يريدوننا أن نقبل بعودة هذه الدولة التي لم تكن أكثر من واقع نظري منذ وفاة الرسول إلى آخر سلطان سقط، وواقعها يعطي أسوأ الصور للدولة وتطبيقاتها.

ولو سلّمنا جدلاً معهم بقبول قيام هذه الدولة فإننا نطالبهم بالإجابة عن عدد من الأسئلة:

1 ـ أي مذهب من مذاهب الجماعة الإسلامية صاحبة الإجماع الآنف الذكر سيكون عماد التشريع للدولة المنشودة؟

2 ـ ما هو مصير مَنْ لا ينتمي إلى أحد مذاهب إجماع علماء المسلمين؟

3 ـ الذميون هم أهل الكتاب /اليهود والمسيحيون/ وما هو مصير مَنْ لا ينتمي إلى هذه الديانات مثل /الصابئة المندائية ـ اليزيديون.../.

4 ـ إذا كانت الدولة المنشودة حسب أقوال دعاتها تؤمّن حرية الرأي والمعتقد فما هو مصير الملحدين؟

5 ـ ما هي نظرة الدولة المنشودة إلى دولة أخرى قائمة على مذهب آخرّ هل ستكون على قاعدة الشرع أم قاعدة المصالح؟

6 ـ لو قامت دولة دينية لا تنتهج مذهب إجماع المسلمين، ما هو الموقف منها؟

7 ـ إذا نجح التكفيريون وأقاموا دولتهم. ما هو الموقف منهم؟

8 ـ ما هو معيار الدخول في معدودية هذه الدولة وحيازة جنسيتها؟

من جهتنا سنقوم بمقاربة هذه الأسئلة، وفق ما يلي:

أولاً:

إن بلاداً مثل بلادنا تحوي بين مواطنيها ما يزيد عن ثمانية عشر معتقداً ومذهباً دينياً، فمن سيتنازل لمن. لإقامة دولة دينية على مبتغاه ومعتقده ويقف ليتفرج عليه ويؤازره؟ وما مسوّغ تنازل الجميع لمصلحة جماعة دون أخرى، ومن أعطى هذه دون سواها الحق في أن تكون صاحبة الحق في إقامة الدولة حسب معتقدها...؟ والجواب معروف ينطلق من حساب الأكثرية، ثم اعتبار هذه الأكثرية هي طائفة الحق الذي كان عليه النبي ثم أصحابه. لكنهم يغفلون أن الأكثرية هذه موزعة على مذاهب متعددة فعلى أي مذهب نعتمد؟ ثم من قال هذه الجماعة هي جماعة الحق التي تمثلت ما كان عليه النبي وأصحابه؟ وأما النبي فالكل يدعي التمسك بنهجه وسنته؟ أما أصحابه فحديث (الحوض والمنزلة) ينفي أنهم كانوا على ما تركهم النبي عليه. والواقع والتاريخ يحدّثنا أن السيف كان الحكم بينهم. فالادعاء بسيرتهم والتمسك بها ليس فضيلة يحسد عليها أحد، إلاّ من رحم ربي وبقي على ما تركه عليه النبي محمد بن عبد الله وحافظ على سيرته حتى لقي ربه، وكانوا دائماً بعيدين عن رسم سياسة الدولة ومنهم أبو ذر الغفاري وغيره.

فيأتينا الجواب أن الاجتماع يكون على العقيدة الأشعرية الواحدة، ونقول إن هذه العقيدة لم تمنع الحنابلة من رجم جنازة الإمام الطبري بالحجارة لخلاف مذهبي، وفي مسجد دمشق كانت تقام عدة صلوات للوقت الواحد وكل واحدة في محراب لخلاف مذهبي أيضاً. والمذهب الحنفي انتشر في بلادنا مع الاحتلال العثماني والذي يراه البعض فتحاً، ولا أظن الباحث المصري منهم، وسبب انتشار هذا المذهب مخالفته لبقية المذاهب في أمر الخليفة، حيث لم يشترط أن يكون قرشياً، فتمسّك به الأتراك واعتمد مذهباً رسمياً للسلطة وتبعه الناس رغم ما له وما عليه من قبل علماء المسلمين.

من ناحية ثانية، يعيدنا منطق الأكثرية والأقلية إلى منح هوية مذهبية للرعايا، إضافة إلى الهوية الدينية التي ستمنحها الدولة المنشودة للتمييز بين المؤمنين وغيرهم وهذه الهوية ستعمق الفرقة وتزيد الشرذمة.

وفي محصلة الأمر، فإن الفائز بإقامة الدولة إياها سيخلق مجموعة من الأعداء كانوا إلى أمد قريب ملّتفين متحّدين متوافقين على قيام الدولة الدينية، فإذا فاز أحدهم أصبح الجميع أعداء. وتعقيباً على الموضوع نقول إن بين الأكثرية مَنْ لا يدينون بعقيدة الأشعرية فكيف سيكون التعامل معهم...؟

ثانياً: في بلادنا عدد لا يستهان به، وهذا على منطق الأكثرية والأقلية وقد يقارب في عدده الأكثرية، وهؤلاء لا ينتمون لا إلى عقيدة أو مذاهب الأكثرية، من شيعة وعلويين وإسماعيليين ودروز وغيرهم. ما مصير هؤلاء في ظل الدولة المنشودة المُدافَع عنها في كل صغيرة وكبيرة وكأنها قدس الأقداس.

يقول التاريخ، قديمه وحديثه، الذي صنعته الدولة الدينية بتوجهات شرعية والتي تسعى جماعاتها لإعادته، إن مصير هؤلاء هو الموت بحد السيف حكماً شرعياً. والأدلة قائمة ومازالت شاهدة للعيان حتى يومنا. فمذابح حلب طالت ما يزيد عن /400/ ألف شخص في حرب إبادة ضد العلويين ما اضطر الناجين منهم إلى تسلق الجبال والعيش فيها ما يزيد عن ألف عام منقطعين عن الحياة، ناهيك ببقية المذاهب المشابهة التي تعرضت في الفترة نفسها للمحنة ذاتها، وقدموا للموت وأحرقت ممتلكاتهم ومع ذلك لم يسلموا من حملات الإبادة ـ رغم ابتعادهم ـ التي نظمتها جيوش السلطنة من فترة لأخرى ضدهم.

ومن جليل أعمال أحمد باشا أحد ولاة العثمانيين في أواسط القرن التاسع عشر توجيه حملة تأديبية إلى الشوف والعودة بأربعين بغلاً محملين بالرؤوس وعرضهم على العامة في المدن والأسواق.

ولن نزيد في الاستعراض ولكن نذكّر هنا بالحملات التي شنّها الإخوان المسلمون وفتاواهم الشرعية المؤيَّدة سراً أو علانية من بعض علماء الدين في إحلال دم العلويين وتنفيذ ذلك على النساء والأطفال والشيوخ فضلاً عن الشباب فأي سياسة شرعية ستكون قاعدة للعمل السياسي تجاه المواطنين؟

ثالثاً: الذميّون رعايا من الدرجة الثانية لا تسند إليهم المراتب العليا في الدولة، وإن حدث هذا فلضرورة قصوى ولعدم وجود البديل، ودفع الجزية أمر محتوم، وللمرحوم الشيخ حسن حبنكة فتوى تؤكد على ذلك وتصر على أن الشروط التي تم دخول دمشق على أساسها لم تزل قائمة حتى تصدر فتوى معاكسة ويجب العمل بها. والنتيجة، فإن الذميّين إن دفعوا الجزية فهم في مأمن إلى حد ما، أما من لم يكن من أهل الكتاب، قلّ عددهم أو كثر فهم مواطنون موجودون في بلادنا من صابئة مندائية ويزيديين وحسب قواعد السياسة الشرعية نريد من يفيدنا بحكمهم، فهم ليسوا من أهل الكتاب ليتم دفع الجزية من قبلهم، وليسوا من أهل الطوائف والمذاهب المخالفة ليعتبروا مرتدين. فلا نشك في اعتبارهم مشركين وجب عليهم القتل حيثما وجدوا.

رابعاً: يدّعي أصحاب الدعوة إلى الدولة القائمة على أساس السياسة الشرعية، أن هذه الدولة ستؤمن حرية الرأي والتعبير والمعتقد، وهذا كذب واضح لا مصداقية له، لأنه يتناقض مع / السياسة القائمة على قواعد الشرع وأحكامه وتوجيهاته/ أنهم لا شك مشركون بل أكثر. وحرية الرأي والتفكير والمعتقد المزعومة محصورة في سقف تحدده الدولة نفسها، المستندة إلى أصول مذهبية وطائفية لا يسمح بتجاوزها.

خامساً: لنفرض، كما في السابق جدلاً، أن دولة متاخمة لبلادنا قامت فيها دولة دينية أخرى، شيعية أو مسيحية فكيف ستتعامل معها دولة الدين العتيدة التي يأمل البعض في إقامتها وأي سياسة شرعية ستنتهج حيالها؟! التاريخ القريب يحدثنا أن صدام حسين زاد في عَلَم العراق عبارة /الله أكبر/ وأعلن حرباً مقدسة ضد المجوس الإيرانيين، هذه سياسة المنهج الشرعي الذي استمده صدام حسين من فتوى قدمها له إمام الأزهر، وتبعته وشجعته وأمدته جميع الدول التي لبست لباس الإسلام في حينه، واعتبر في حربه الشرعية تلك أن شيعة العراق أسرى حرب وسيّرهم نساء ورجالاً في حقول الألغام لفتح الطريق أمام جيش الإسلام، للقضاء على دولة العمائم صاحبة النهج المنحرف والعقيدة الفاسدة المرتدة عن الإسلام، والنتيجة تقديم مليون عراقي وقوداً لمعركة مسوّغة شرعياً وقائمة على السياسة الشرعية المستمدة من توجيهات الشرع المذهبي، وتاريخية السياسة الدينية. والقرضاوي نفسه في برنامجه على شاشة الجزيرة منذ عامين أو أكثر حكم بكفر الشيعة وخروجهم من ملة الإسلام، حيث ردّ عليه أحد المتصلين فجاء كلامه جواباً. فأي سياسة شرعية هذه؟! والأمر إذا كان مع دولة مسيحية لا يختلف كثيراً عن سابقه.

سادساً: إذا حدث جدلاً وقامت إحدى الطوائف المخالفة للأكثرية بإقامة دولة دينية استناداً لعقيدتها ومذهبها فما هو موقف إجماع علماء المسلمين الآنف الذكر ومريدي الدولة الدينية..؟ هل ستعتبر دولة دينية حقيقية وتحظى بالتأييد أم أنها ستعتبر دولة كافرة مارقة يجب القضاء عليها وتقويض أركانها بفتاوى شرعية؟ والجواب نعم. هذا هو مصيرها فكل طائفة لا ترى الحق إلا معها مستندة إلى قرآن وسنة مسوّغة سياستها بفتاوى شرعية، ووحدها يحق لها الوصاية على الدين والدولة دون سواها!!

سابعاً: لو قامت هذه الدولة على مذهب التكفيريين الساعين لها بجد فما مصير جميع المخالفين لرؤيتهم. حدثتنا الروايات القادمة من أفغانستان أيام طالبان والقاعدة بالعجب العجاب.

لطالبان الحق في كل شيء وسواهم يسام سوم العبيد، والمخالف لأقل الأوامر مصيره الموت، فإما أن تكون معهم مطيعاً إلى حد العمى، وإما عدوهم الذي مصيره الهوان والموت، والحالتان تشكلان خسارة لا محالة. والمرأة عندهم ممنوعة من التعليم ومن العمل وممنوعة حتى من التسول إذا أرادت أن تطعم أيتامها؟ لكن لا بأس بأن تكون جزءاً من شبكة دعارة يترأسها أحد زعماء طالبان، وزراعة الحشيش ممنوعة ولا بديل لكن إذا كانت عوائدها لأحد زعماء طالبان فلا بأس، وهذا كله ضمن فتاوى شرعية وسياسة قائمة على الشرع!؟ وحروب الأفغان المقدسة لتثبيت دولة الشرع والدين لسنوات بين فصائلهم كانت للاستيلاء على المثلث الفضي، حيث تزدهر زراعة الحشيش وتجارته. وبالطبع تمت مطاردة أصحاب الرأي المخالف مذهباً أو عقيدة إلى مناطق نائية، أو إلى دول أخرى. أرسلوا الزرقاوي وجماعته إلى العراق الذي أصدر، قبل موته بغارة أميركية، فتوى شرعية بأن الشيعة كفّار يجب قتالهم قبل الأمريكان، والمجازر بحق الشعب العراقي على أيدي أصحاب السياسة الشرعية ضاقت بها الدنيا... فما هذه السياسة الشرعية التي تريدون؟

ثامناً: استطراداً لمنطق ((الدولة الدينية)) يتطلب الدخول في معدوديتها وعضويتها إن كنت من أصحاب العقائد والمذاهب المختلفة أن تعرض نفسك للتوبة وتنتهج نهج ساسة الدولة القائمة / أليس الناس على دين ملوكهم/ وإلا فلترحل عن بلدك ووطنك، على ما أفتاه المرحوم الشيخ علي الطنطاوي في نصيحة قدمها عبر إذاعة السعودية لمن لا يريدون دولة إسلامية في الشام، أو عليك أن تتمتع بالشجاعة الكافية لتواجه مصيرك المعروف. أما حرية الرأي والتعبير والمعتقد فهذه أكذوبة كما أسلفنا يدحضها تاريخ الدولة التي كانت قائمة على السياسة الشرعية وتوجيهاتها داخلياً وخارجياً، فالرأي رأي الخليفة وله حرية فرض العقوبة وله الخيار في فرض العقيدة، راجعوا تاريخ الخليفة المأمون وتقلبه بالعقائد، وكلما اعتنق عقيدة جديدة كان الفداء عدداً من الضحايا.

ابحثوا في التاريخ عن أحمد بن حنبل وفتشوا عن غيلان الدمشقي الذي قطّع جسده وأُحرق حياً لمخالفته المعتقد الذي أراده الخليفة ومشايخه، علماً أن القاعدة الشرعية تقول إن للمجتهد أجرين إن أصاب وأجراً إن أخطأ. لكن الحقيقة أن للمجتهد الموالي لسلطة السياسة الشرعية التي يرضى عنها الخليفة كل الأجر وله السيف والنطع إن خالف. هذه هي الدولة الدينية وهذه بعض من أطرها وعقليتها وسياستها الشرعية التي ستطبق فهل هي أمل الخلاص لمجتمعنا...؟

واستدراكاً للموضوع حول التعامل مع الحقوق الوطنية والقومية على أساس السياسة الشرعية القائمة على تعليمات ومنهج الشرع نذكر مثالين ونترك للقارئ التفكر فيهما:

1 ـ بعيد سلخ لواء إسكندرون عن سورية 1939 قامت صحيفة دمشقية بلقاء مع رئيس الحكومة آنذاك /جميل مردم بك/ حاورته حول الموضوع لمعرفة رأي الحكومة بما حصل فكان جوابه: نحن وتركيا بلدان مسلمان والنتيجة يد أفرغت لاختها.

2 ـ قبيل إعلان قرار التقسيم 1947 الذي ثبت حق اليهود في الاستيطان على أرضنا، اجتمع مندوبو كل من سورية ولبنان والعراق، وألفوا مجموعة للتنقل بين مندوبي الدول لاستجماع الرأي حول رفض القرار. حين قابلوا المندوب الماليزي استغرب قيامهم بمثل هذا النشاط وأشار إلى الأمير فيصل نجل الملك عبد العزيز بقوله بيد هذا حل للقضية، حيث تتنافس دول الغرب للحصول على امتيازات النفط في بلاد العرب ومجرد وقف وإلغاء هذه الامتيازات يشكل ضربة قاصمة للمشروع اليهودي وتقويضه، التقت المجموعة مع الأمير الذي أبرق إلى جلالة الملك فجاء الجواب رسالة شرعية تبدأ بالبسملة والحمد والثناء ثم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم/ من آذى ذميّاً فقد آذاني. وما هؤلاء الذين يعملون في بلادنا إلا ذميّون دخلوا في حماية الإسلام للعمل خدمة للمسلمين.../ الخ.

هذا ما أثبته الرحالة يوسف عيد في كتابه /هؤلاء أضاعوا فلسطين/ وفي كلتا الحالتين ثمة استناد إلى الشرع واستمداد سياسة شرعية قائمة على منهج الشرع وتوجيهاته...!