العدد الثالث عشر - تموز 2006

الدخول إلى خطاب ناصيف نصّار الفلسفي من: باب الحرية

الخروج على الموالاة المزدوجة: للسلطة والتراث
الخميس 24 آب (أغسطس) 2006.
 

ثمة ما يرّجح القول إن الحديث عن «الحرية»، يمكن أن يكون، ويجب أن يظلّ «الحديث الأطول» في تاريخ الإنسانية، ولعله بهذا المعنى يشكل الحديث الدائم عن الإنسان. على أن «الخطاب العربي الفلسفي» نسي أو تناسى ـ عمداً ـ هذا الحديث ولغته ولهجاته، فافتقده، وأفقده من تعريف وتوصيف «الوجود الخاص» بنا، فبدا هذا «الوجود» بعيداً عن «الحرية» تائهاً في متاهة «الاستبداد الشمولي» مضيّعاً نافذة الخروج والانعتاق منها، مفتقداً باب الحرية.

من هنا، بدا كتاب الدكتور ناصيف نصّار «باب الحرية» حديثاً عن «الوجود الراهن» ودعوة إلى«الخطاب الفلسفي» كي يستعيد أحد أهم «أحاديثه» على الإطلاق.

ووفق هذه الدعوة، اشترك نصري الصايغ، وفهمية شرف الدين، ويوسف معوضّ في الحديث عن «باب الحرية» في إطار حلقة النقّاش التي نظمها المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة وذلك في بيروت (28 نيسان 2006). تنشر «تحولات» مقاطع رئيسة مما جاء في مداخلاتهم.

 

احتفاء بالحرية

د. فهمية شرف الدين

قال الراوي:

في البدء كان الاحتفال الكبير ونظر آدم إلى حواء فانجذبت إليه ولم تره ونظرت حواء إلى آدم، فانجذب إليها ولم يرها، وحينما تناظرا وترائيا، ظهر لهما باب الحرية.

(باب الحرية: ص345).

أهناك احتفاء أكبر من هذا الاحتفاء، أن تتحول الحرية صفة جوهرية لعلاقة الإنسان مع ذاته ومع الآخر؟

ومع أن ما قدمته للتو كان خاتمة القول في الكتاب إلا أنه كان أيضاً بدايته، فكتاب باب الحرية الذي بين أيدينا، أثر فكري يتقدم بالحرية ومعها. وختام الكتاب تآلف رمزي بين الرائي والمرئي يتجلّى في وصية فريدة للحرية ومن أجلها «حرام عليكم جميع العبوديات حتى عبودية الحرية».

وها هو ناصيف نصّار يدخل حقل الحرية متأبطاً هذه الوصية مجادلاً في تراث الحرية ومساراتها.

إن أولى القضايا الشائكة التي ينثرها نصّار في هذا الحقل هو تخليص الحرية مما علق بها من عبق التاريخ.

أما أولى الخطوات المنهجية المترتبة على هذا الموقف فهي إعادة بناء حقل الحرية.

كيف بنى نصّار هذا الحقل وما هي المبادئ التي تقوم عليها عملية إعادة البناء هذه وكيف تنتظم وتتشكل؟

يبدأ نصّار إشاراته لعملية إعادة البناء بتنبيهات، وهي تنبيهات أساسية ترسم حدود النظر في مفهوم الحرية. ونقطة البدء في هذه التنبيهات استخدام منهج الاستعباد لمفاهيم جرى اختبارُها في سياق تبلور الفكر العربي الحديث، لذلك فالمهمة التي يُنتدب لها نصّار لا تتأسس على مفهوم القطيعة الكاملة التي روّج لها أصحاب مذهب الحداثة الليبرالية، ولا على مفهوم البعث الذي روّج له دعاة الفكر القومي ولا على مفهوم الإصلاح الذي يتم الاعتماد عليه الآن.

إعادة بناء حقل الحرية بالنسبة له هو عملية معقدة، تستدعي التاريخ دون أن تدخله، وتغوص في السياسة دون أن تخضع لها، وتترفع عن الواقع دون أن تفارقه.

لقد قيل الكثير في الحرية، وهي منذ أن بدأ الإنسان التأمل تخضع للتأويل والفحص. هل الحرية غاية في ذاتها؟ أم أنها مقولة تستدعي النظر لذاتها كما يقول نصّار؟ وفي الخيار تكمن الرغبة والسلطة، فكيف اختار نصّار أن يدخل باب الحرية؟

بداية القول بداهُته، وبداهة القول بالحرية هو اعتبارها أصلاً للفعل لاستئناف النظر فيما يسيمه نصار النهضة العربية الثانية (ص9). ومفتاح العمل لكن أية حرية تلك التي يمكنها أن تكون أصلاً للفعل؟

يستند نصّار في مطالعته القيّمة عن الحرية إلى الاستقراء المُقارِن لأوضاع الأنظمة الاجتماعية القائمة اليوم ليستنتج منها أن أولى المهمات في إعادة بناء حقل الحرية هي إعادة بناء الليبرالية، وهذا يعني النظر في المبادئ التي تقوم عليها فلسفة الليبرالية: أي مبدأ اجتماعية الإنسان ومبدأ الترابط بين الحرية والعقل، والحرية والعدل، والحرية والسلطة.

ويرى نصّار أن قراءة نقدية لهذه المبادئ الأربعة تشترط بالدرجة الأولى قراءة نقديةً للفكر الليبرالي كما يتقدمُ الآن في ظل العولمة، وكما يقدم نفسه باعتباره أباً للحرية الفردية وحامياً لها.

يقرأ نصّار تاريخ الليبرالية عبر حاضرها ويتقدم في القراءة النقدية مهجوساً بهم عملي وهو بناء الحرية في العالم العربي.

تتوزع هموم د. نصّار النظرية بعض أقسام الكتاب، وبعضها الآخر تتقاطع مع همومه العملية. فالفصول الأربعة الأولى ترتب القول «في الحاجة إلى نهضة عربية ثانية» تأخذ بالاعتبار مستجدات العولمة والتعامل معها بشكل خلاّق، وهي بذلك تعيد التأكيد على ثوابت ما زالت تتردد تحت أقلام الباحثين العرب منذ ستينيات القرن الماضي. وقد تكون أسماء كعبد الله العروي وهشام شرابي ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وناصيف نصّار نفسه، عنواناً لتلك المرحلة وقد تطول لائحة المفكرين والباحثين الذين تبنوا القول النقدي.

وتكمن أهمية هذه الفصول في أنها تساهم في تنزيل مفهوم الحرية في التاريخ والجغرافيا العربيين، وتؤسس لنظرة خصوصية لمفهوم الحرية ليست منفصلة عن جذوره المعرفية فصلاً تاماً.

أما القسم الثاني فهو القسم الذي تستظله هموم نصّار النظرية وفي هذا القسم يقدّم نصّار مساهمته في نقد الليبرالية القائمة بالفعل كما تتقدم إلينا على أثير العولمة.

وتظهر في هذا القسم قدرات د. ناصيف في المجادلة الفلسفية، وليس الارتباط الذي يقيمه بين الحرية والعدل سوى ترجمة لموقفِه الوجودي من الوهم السائد حول التناقض بين الحرية والعقل، والحرية والعدل والحرية والسلطة الذي يسود الفكر العملي في أيامنا هذه.

 

الوجه الآخر لعملة الحرية النادرة

مراجعة لكتاب ناصيف نصّار: باب الحريّة: انبثاق الوجود بالفعل

نحن لا نخشى من الحرية، نحن نخشى عليها

حافظ الأسد

أوقفني أمام باب الحرية وقال لي: أنا لم أكن يوماً حراً مثلما كنت في ظل [الوصاية السورية!] لم يعرف ابن الجنوب طعم الحرية يوماً مثلما عرفها إبان الاحتلال الإسرائيلي! فمن يمنع الحريات عن شخص، يجعل هذا الشخص توّاقاً إلى الحرية.

أقول هذا وأنا أقتبس كلاماً لجان بول سارتر:

Je ne me suis senti vraiment libre que sous l’occupation»»

الحريّات عدو للحريّة:

وبعد فإذا ما مُنحت الحريات المتعددة، الفردية منها والاجتماعية والاقتصادية، فأي معنى لحريتي؟ لم يكن تسي غيفاراً حراً عندما عين وزيراً للصناعة في كوبا، لا بل كان حراً عندما كان مطارداً في جبال بوليفيا يلهث وراء ملجأ آمن. لم يعرف غيفارا طعم الحرية إلا عندما ذاق طعم العطش والجوع والخوف.

إن كنت مواطناً اسوجياً أو نروجياً، فما لي وللحرية! أما إذا كنت مقهوراً فأصرخ مغالياً «الموت أو الحرية». وبالتالي فالحريات عدوّ للحرية كما التخمة عدوّ للشهوة.

هذه من مفارقات الحرية التي كرس لها العميد نصّار الفصل 18 من الكتاب الذي نحن بصدده. ولقد ميّز بين مفهوم للحرية وآخر، كما فرَّق بين الحرية الكيانية والحرية الاجتماعية، إلا أنه منذ التمهيد أعلن أن موضوعه يدور حول الحرية كأصل لا كفروع، فهو يقول: «لأن الحرية في ذاتها صفة بسيطة، لا تقبل التفكيك ولا التجزئة، كما أنها لا تقبل الزيادة ولا النقصان. الحرية هي ما هي، في كينونتها، بصورة كاملة. فإما أن تكون وإما أن لا تكون».

ولكم تمنيت لو كرّست بعض الصفحات للتمييز بين الحريات liberties وهي بطبيعتها وحدات متعددة plural and piecemeal وبين الحرية freedom وهي حالة «هولستية» holistic أقرب إلى الحالة النفسية.

التقييم الذاتي وتشخيص العلة

كيف ينظر العميد نصّار إلى مشروعه «باب الحرية، انبثاق الوجود بالفعل»؟

يقول إن كتابه مغامرة لها ما يسوّغها وأنها ستصيب الهدف في النهاية.

مغامرة بمعنى aventure أو entreprise؟ إلا أنه تحسّب بما فيه الكفاية قبل خوضه هذه المغامرة لدرجة أنه تكهن بمواقف من سيراجع هذا المشروع. فصنف الردود ما بين تشكيكية وأخرى ترحيبية وأخرى متحفظة شكلاً ومعارضة ضمناً. محاولة التفاف؟ بالطبع لا، فهو بالنتيجة يختتم تمهيد الكتاب بترك الحرية للقارئ وهي تخصّه كما يقول.

بحث فلسفي مجرّد يشكّل محطة في سلسلة من الأبحاث أجراها العميد نصّار منذ حين، إلا أنه ينطلق من واقع عارضي contingent أعني أزمة الشعوب العربية الحالية. يقول إن الحالة الراهنة كشفت عن عوارض أزمة المشروع التحديثي العربي وظهور عجزه عن تحقيق أهدافه الكبرى. وبالتالي فهو يدعو إلى «استئناف مشروع النهضة العربية التي امتدّت حركتها حتى أواسط القرن الماضي». وسؤالي هنا هل كانت حداثة النهضة الأولى ملازمة للحرية لنعوّل على هذه الحداثة ونستأنف المغامرة؟ ينتابني بعض الحذر من الأجواء النهضوية، ولي بعض الأسباب وبعض الأمثلة. فإن ثار عبد الرحمن الكواكبي على الاستبداد وطعن بمصارع الاستعباد، انبرى بالمقابل محمد عبده يطالب «بالمستبد العادل». والمستبد العادل هو الذي «يستطيع أن يعمل من أجلنا في مدة خمسةَ عشرَ عاماً ما لا نستطيع عمله من أجل أنفسنا في خمسةَ عشرَ قرناً». أما أحمد فارس الشدياق فكان يطالب، وهو في اسطنبول، بحكومة قاهرة. فالحداثة ليست ملازمة للحرية لا ولا للتنوير. وهل ننسى أن الفاشية في القرن الماضي كانت من تجليات الحداثة الأوروبية.

ويبقى السؤال: لماذا لا تزور السيّدة حريّة شعوبنا العربية؟ ألأن حكامنا يأبون التناوب على الحكم؟ أم لأن مجتمعنا يخاف من ريح هذا الوباء الذي يدعى حريّة، وله حجج اعتراضية عليها (بهذا الخصوص راجع الفصل 6 من الكتاب).

تعوّل هذه الدراسة كثيراً على طروحات الفيلسوف الأميركي رورتي Rorty وعلى نموذج الرجل الساخر الذي هو صنيعة هذا المفكر. وكأني بالعميد نصار يتنبى هذا النموذج ويعتمد مبدأ «الساخرية» مخْرجاً مما نتخبط به في شرقنا هذا. سأبتعد عن رورتي عند هذا الحد وسألجأ إلى طروحات شتينر Steiner  وبرلين Berlin لتشخيص الوضع الذي نحن فيه.

شتينر يحجّم الحرية

يقول شتينر Steiner: لا يسعنا تعديل «كم» الحرية في مجتمع معين. فالحجم معطى أساسي لا يتغير من مكان إلى آخر، وبالتالي فحرية فرد تكون على حساب حرية جاره. المسألة إذاً ليست مسألة حجم الحرية في بيئة معينة بل مسألة توزيعها في بيئة ما. إشكالية الحرية ـ العبودية في عراق صدام ليست سوى مسألة تقاسم الحرية بين الطبقة الحاكمة والرعايا، وهذا الوضع قائم في بلاد العرب منذ ما قبل عهد المماليك!

يدّعي شتينر أن الحرية مثلها مثل محصول الحنطة أو منسوب المياه في نقطة معينة. كل نسبة استهلكها تكون على حساب مستهلك آخر. هذه النظرية تدعى zero sum view وبالطبع لها نقاط ضعف، فهي تنتقل من مفهوم السلطة على الأشياء إلى مفهوم السلطة على الناس. إلا أنها تساعدنا على مراجعة الأسباب التي تجعل الجماعات في عالمنا العربي تغتصب السلطة وتحتفظ بها عنوة. فالاستيلاء على السلطة يعني لأولياء الأمر مزيداً من الحريات المنتزعة من حساب الآخرين.

تفسير شتينر قد يلقي أضواء على توزيع المغانم في أنظمتنا وإنشاء طبقة الموالي بالمعنى العريض أي طبقة المحسوبين clientelisme. على سبيل المثال في النظام الأمني السوري، فإن جماعة الضابط فلان تستفيد مادياً وتتمتع بامتيازات أي بحريات بقدر ما يمكن أن يؤمن لها الضابط فلان من مكاسب وقدرات (أي من حريات). هذا نظام «الدولة ـ الجماعة» etat - jamaa الذي تحدّث عنه ميشال سورا Seurat. وهذه نتيجة إعادة إنتاج النظام القبلي، ولذا قيل إن التضامن ضمن المجموعة في الشرق العربي أهم من الحرية وبالتالي هو الذي يقهرها.

أي الحريتين؟! السلبية أم الايجابية؟

أما إشعياً برلين فلقد ميّز بين مفهومين للحرية: سلبي وإيجابي.

فالحرية السلبية تطرح السؤال الآتي: أي مساحة يجب أن تترك للشخص ليتسنى له أن يتصرف دون تدخل شخص آخر؟ بالمقابل تطرح الحرية الإيجابية سؤالاً آخر: من هو مصدر سلطة التدخل التي تملي علي شخص تصرفاته؟ بمعنى آخر إن الحرية السلبية تُعنى بمساحة التدخل بينما تُعنى الحرية الإيجابية بمصدر التدخل.

وبالتالي يمكن للحرية السلبية أن تؤسس لحكم صدام حسين شرط أن يضع هذا الطاغية حداً لتدخله. وهنا يتبين لنا الفرق بين حكم البعث في العراق وحكم البعث في سوريا، وبين حكم البعث في سوريا والوصاية السورية على لبنان.

على مستوى الحرية السلبية كان الوضع في لبنان مقبولاً أكثر من الوضع في سوريا، ولكم كان الوضع السوري أقلّ تسلطاً من الوضع العراقي.

أما الحرية الإيجابية فيمكنها أن تتأقلم مع إكراه عظيم شرط أن يُقرن هذا الإكراه بموافقة ذاتية self - imposed. لنتصور (وهذا مجرد افتراض) أن المرأة الأفغانية لا ترغب في التحرر من واقعها المزري وأن ترفض المرأة السعودية تعديل وضعها الحالي.

القطبة المخفية والعدالة التضامنية

صحيح أن عنوان الكتاب هو الحريّة، لكن العميد نصّار يطرح موضوع العدالة، والعدالة التضامنية بالتحديد، من خلال «قطبة مخفية». أيُفسّرُ هذا سبب استناده إلى الفيلسوف الأميركي رورتي Rorty قبل خوضه في مفارقات الحرية وأمراضها pathologies.

فقد خصص لهذا المفكر الفصلين 16 و17 ولقد توسّع العميد نصّار في التعريف بنظريات واضع كتاب «العارضية والسخرية والتضامن». من هو الساخر حسب رورتي؟ الساخر هو من يشكك باستمرار بمصطلحات القاموس الذي يستعمله للتعريف بنفسه وبأهدافه، لأن الساخر لا يعتقد أن مفردات قاموسه أقرب إلى الواقع من مفردات قاموس غيره. وهذا ما يدعى liberal - ironism.

إلا أن العميد نصّار عرف رورتي بشكل شبه حصري بأنه يدعو إلى «السيادة المطلقة لمبدأ الحرية في الحياة الخاصة، مع اعتبار التضامن في الحياة العامة». وسؤالي لِمَ لا يكون العكس؟ ولِمَ لا نعتمد التضامن في الحيّز الخاص والسخرية في الحيّز العام!؟ هنا لابد من التذكير أن رورتي ربيب تيار براغماتي تشهد له الفلسفة الأميركية. فإن طالب ببعض التضامن في الفضاء العام ذلك أنه في بلد فيه فائض من الحرية ونقص في التضامن.

أينطبق طرح رورتي هذا على المجتمعات العربية؟ أميل إلى قول لا. فنحن في مجتمعات متضامنة على المستويين الخاص والعام. إن المزيد من التضامن في الحياة العامة يشكل خطراً داهماً، وقد يقود إلى تثبيت التعاضد القبلي والوحدة الغرائزية على حساب الفكر الحر الطليق المشكك. وهنا لا يسعني إلا أن أستنجد بـ Michael Polanyi، الذي على انطلاقه من التمييز بين المجالين الخاص والعام، وصل إلى نتائج مُغايرة. وصل بولاني إلى قناعة أن الأنظمة التعاضدية (ماركسية ـ لينينية أو غيرها) لم تتعرض للحيّز الخاص، بل على العكس أفلتت له العنان، لكي تتمكن من إحكام قبضتها على الحيّز العام. مقارناً بين روسيا الشيوعية في ظل ستالين وبريطانيا في ظل الملكة فكتوريا. يلفت بولاني نظرنا إلى أن هامش الحرية الجنسية كان أكبر بكثير في الاتحاد السوفياتي مما كان عليه في انكلترا، هذا على الرغم من أن النظام الليبرالي البريطاني كان أقرب إلى الحرية المتوحشة. ذلك أن الأنظمة الكلية قامت، باسم التعاضد وتأمين سعادة الشعوب، باحتكار المجال العام من سياسي واقتصادي ومجتمعي، وتركت متعة الحيز الخاص للاجتهاد الشخصي.

بالتالي كما أن للحرية أمراضاً كذلك فإن للتضامن عللاً. وكما تكون الحرية متوحشة، كذلك يكون التضامن متوحشاً وميليشياوياً وطائفياً ومذهبياً وطبقياً. وقد يؤدي ذلك إلى ما وصفه العميد نصار بفئات «جماهيرية منتظمة في التقاليد ومحتشدة في الخوف، لا تزال تنظر إلى كل دعوة إلى الحرية بعين الريبة».

إنساني، إنساني بامتياز

الحق يقال إن العميد نصّار وقف موقفاً معاكساً للتيار الجامح الذي انجر وراءه معظم مثقفي جيله. فهو لم يمطر العولمة بالشتائم بل دعا إلى تعامل خلاق معها (الفصل الثالث)، في محاولة لإعادة بناء حقل الحرية على ضوء مستجدات هذه العولمة. لم تدفعه الديماغوجية إلى الدمج ما بين الحرية والأمركة والليبرالية والعولمة. إنما بالمقابل لم يجعل من الحرية تابو tabou أو صنماً «يسجد له ويمجد». لم يكن همه المركزي الحرية بقدر ما كان هاجسه الإنسان، والإنسان العربي تحديداً. وبالنتيجة يقول إن الحرية في خدمة الإنسان وليست على حسابه.

فبعد أن أوضح أنها، أي الحرية، شرط أصلي للفعل، أثبت التلازم بين الحرية والمسؤولية، فهو من دعاة التضامن الاجتماعي الذي يفرض التوفيق بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.

رب حرّيوي libertarian يطعن بالتراث، تلك اللعنة التي أفسدت الحداثة، ورب منتقد يدعو إلى القطيعة ويرفض التوفيق الذي أنتج حرية «ملطّفة»، ورب معترض على مشروع العميد نصار بحجة أنه إنساني وإنساني بامتياز أي:

Humain, trop humain

جوابنا: ما عاب هذا المشروع أنه إنساني بل هذا ما يشرّفه، ولذا ندعو إلى المغامرة بالتوفيق مهما كانت المخاطر.

يوسف معوض محام وأستاذ جامعي

تقديم كتاب باب الحرية

لناصيف نصّار

نصري الصايغ

بعدما أقفلت «باب الحرية» على قراءة ثرية ومضنية، خرجت بكتابين:

الأول: كتاب ناصيف نصّار

الثاني: كتاب آدم

وأبدأ بالثاني، لأنني مولع بالشطح، ويغريني الرمز. فأنا ورثت الفوضى، من زهد التدقيق في المحسوسات، وتفاصيل الضرورات، وإسار العقل، وقيود المنطق، وروابط التحليل، وسبر الأعماق، ودقة التعريفات، وتأصيل الأصول، وتفريع الفروع، وهي عدة فكرية ومنهجية يجيدها المؤلف ويستعملها بإتقان. فلا يترك للحرية حريتها، بل يأسرها في رحم المساءلة ومخاض التجربة، حتى تنضج مفهوماً وفكرة وفلسفة. لا يفك أسر الحرية إلا بعد إنهاكها، فهماً وتحليلاً وتعليلاً وتقريباً. ويقدمها لنا، مادة للتفكر والمناقشة، وأفقاً يتسع للتبحر في الممكن من الحرية لنا، وفي المستحيل أيضاً.

مالي خرجت. كنت على وشك البداية بكتاب «آدم»، فعرضت كتاب نصّار، أعزي نفسي وأقول: أكتب بحرية عن «باب الحرية»، من خلال أسلوب مؤلفه. نؤجل الرمز، وندخل في الوضوح. فناصيف، ليس من شيوخ التصوَّف ولا من مريديه، وما عرفناه إلا في الوضوح: نص نقي من الابهام، صاف من الفذلكة، يتمتع برصانة، فهو عندما يكتب، يشرح ويفسر ويعلل ويحلل ويدقق ويفصل مزيلاً الإبهام، لا رمز ولا حشو ولا شعر. نصه ملزوز، منطقي، متعب، منصف، يقود الفكرة من ينبوعها الأول، إلى مصبها الأخير، فتمر معه في وعر النقاش، في منحدرات التشكيك في منبسطات المكاشفة والكشف، إلى أن تبلغ المعنى، إلى أن تعرف صورة الحرية وحقيقتها.

مرة أخرى أخطأت «كتاب آدم» وعدت إلى الكاتب، لأنني، بعدما قرأت الكتاب قلت: متعب، متعب أنت أيها الكاتب، لا تترك لي فرحة الحشو ولذة الاستطراد كي أرتاح من عناء متابعتك وصراحتك؟ إذا كان نصار بهذه الصرامة الفلسفية، والدقة العلمية، والتطرف الأصولي في منهجيته، فلماذا كانت خلاصة كتابه بما يلي:

في الفصل الأخير، خاتمة تفتح الكلام على الحرية، وتعيده إلى البدايات:

يقول الصوفي:

«أوقفني أمام المرآة وقال لي:

يا آدم. أتريد صورة ترى فيها حقيقة الحرية؟

فقلت:

لا، لئلا تكتفي العين بالصورة، فتبقى الحقيقة وراء الحجاب.

فقال ساخراً:

الحرية هي الحقيقة، وهي الحجاب».

فهمت يسيراً وقلت تقدم أكثر:

ثم قرأت

«أوقفني في الصمت وقال لي بهمس دافئ:

الحرية باب ليس كمثله باب

الحرية باب، لا تمكث فيه، ولا تفارقه

تفارقه، لأنك لا تستطيع أن تمكث فيه،

وتمكث فيه، لأنك لا تستطيع أن تفارقه

فأنتَ فيه ولست فيه في كل آن».

وقفت عند الغموض، وقلت: هذا مقام الرمز، لا يشبعك خبزه فعد إلى قمحك القليل، وانثره في هذه الأمسية، وهكذا أنا فاعل. فلن أختصر الكتاب، كي لا أشوهه، ولن أقول غير الذي قلت.

هل فكرنا بالحرية؟ وكيف؟ ومتى؟ ولماذا؟

العولمة تمد لنا مائدة من الحرية، بعضها نشتهيه، وبعضها ينهكنا، وكثير منها غائب عنا. فلماذا؟

هل للحرية وجه واحد، وألف حجاب، أم أننا كلما فكرنا فيها وخيرناها أعدنا صياغتها، فجاءت وفق عقول ورغبات وأهواء ومصالح؟

هل أنت حر... وماذا تفعل بحريتك. بعض حريتك يغريني، وبعضه الآخر يقتلني. لماذا للحرية كل هذه الوجوه. تحمل معنى النفي والإيجاب؟

ثم، لماذا نخاف من الحرية؟ نخاف منها على تراثنا الديني، ومدارسه الفقهية المتخلفة، وتجاربه الملغومة بسوء المنطلق، وسوء التفسير، وسوء التسلط؟

أو، لماذا نخاف من حرية الآخرين، ونحن ننتقل من جحيم عبودية إلى الإقامة المستساغة والمشرعنة، للاستبداد التقاني، والتخلف الاجتماعي؟

هل الحرية غول تأكل أبناءها؟

أو، لماذا نجدو سؤال الحرية دائماً، كأن الحرية ضد الإقامة الدائمة في عنوان واحد ومعنى موحد. أو حتى في معانٍ كثيرة معلومة. أليست هي التوسيع المعلوم فيتسع بها ومعها المجهول؟

ثم، لماذا أنفقنا نهضتنا الأولى، خارج مدار الحرية؟ ألم نستبدل الحرية بالوحدة والاشتراكية والسلف الصالح، ونسخ الماضي ومسخه ألم نؤجل موضوعة الحرية ـ بسبب الاستتباع الداخلي والهيمنة الخارجية المتواطئة والمحرضة على التخلف والاستتباع؟ ألم نركن فكرة الحرية جانباً لكذب السلطة ومؤسساتها السياسية والثقافية والدينية والطائفية؟

ألم تقتل أحزاب النهضة الحرية فاغتالت رواد النهضة الأوائل؟

أف. ماذا فعلنا بالحرية غير اضطهادها، وتحريمها، والتخوف منها، فيما كان يجب أن نخاف عليها.

النيوكو لونيالي؟

يعدنا نصار بما يلي: باستئناف النهضة العربية الأولى، بثانية، على أن تكون الحرية فيها كأصل، لا كفرع. لماذا؟ وما المحرّض على ذلك؟ لأن لدى العرب، كما يقول، حاجة عميقة في تحويل الحرية إلى موضوع للتفكير وتالياً للتطبيق، ولو كان لدى بعضهم اطمئنان إلى التحريم وإتباع التقليد والاتكال على نسخ السلف.

يعدنا نصار بألا يلغي التراث ولا يتجاهل المعاصرة، ولا ينفي الجدلية بينهما، بل يستوعبهما بشكل وظائفي.

هل يكفي هذا كي نطمئن؟

مازلت أخشى وأخاف من الليبرالية، لأن حصتنا منها، هي الاستبداد والتخلف والاستتباع، ذلك، لأن العولمة، بوجهها الحالي، تورث العالم ضحايا، ونحن منها، فلا مساواة في العولمة، حصتنا منها، ليست الحرية. ولا الثروة، إنها حادة بخط سير وحيد: انتقال المال من الفقراء إلى الأغنياء، ونقل القمع والقهر والحروب، من عواصم العولمة إلى الأطراف.

هل يكفي أن نقرن الليبرالية بالتكافلية؟

لا أعرف، لأنني ألاحظ ما يلي:

تقوم الحركات الإسلامية راهناً، بمواجهة استبداد وظلم وقهر عواصم القرار ومراكز العولمة، أي، تقوم بواجب التحرر من الاستبداد الخارجي. هذا وجه من وجوه التحرر والحرية؟

فمن يقوم بأود الحرية في الداخل؟

اعتقدنا أن الأحزاب القومية والتيارات العروبية قادرة على ذلك فسامتنا استبداداً وخسائر.

ولدنا... من نرشح لمهمة التحرر وكيف؟

عذراً لإطالتي وتطفلي. ولكن الكتاب يغري بالقراءة والتعمق والمساءلة.