العدد الثالث عشر - تموز 2006

خارج الحرية نحن ضحايا الليبرالية

نصري الصايغ / مفكر لبناني
الجمعة 25 آب (أغسطس) 2006.
 
New Page 1

تقديم كتاب باب الحرية

لناصيف نصّار

نصري الصايغ

بعدما أقفلت باب الحرية على قراءة ثرية ومضنية، خرجت بكتابين:

الأول: كتاب ناصيف نصّار

الثاني: كتاب آدم

وأبدأ بالثاني، لأنني مولع بالشطح، ويغريني الرمز. فأنا ورثت الفوضى، من زهد التدقيق في المحسوسات، وتفاصيل الضرورات، وإسار العقل، وقيود المنطق، وروابط التحليل، وسبر الأعماق، ودقة التعريفات، وتأصيل الأصول، وتفريع الفروع، وهي عدة فكرية ومنهجية يجيدها المؤلف ويستعملها بإتقان. فلا يترك للحرية حريتها، بل يأسرها في رحم المساءلة ومخاض التجربة، حتى تنضج مفهوماً وفكرة وفلسفة. لا يفك أسر الحرية إلا بعد إنهاكها، فهماً وتحليلاً وتعليلاً وتقريباً. ويقدمها لنا، مادة للتفكر والمناقشة، وأفقاً يتسع للتبحر في الممكن من الحرية لنا، وفي المستحيل أيضاً.

مالي خرجت. كنت على وشك البداية بكتاب آدم، فعرضت كتاب نصّار، أعزي نفسي وأقول: أكتب بحرية عن باب الحرية، من خلال أسلوب مؤلفه. نؤجل الرمز، وندخل في الوضوح. فناصيف، ليس من شيوخ التصوَّف ولا من مريديه، وما عرفناه إلا في الوضوح: نص نقي من الابهام، صاف من الفذلكة، يتمتع برصانة، فهو عندما يكتب، يشرح ويفسر ويعلل ويحلل ويدقق ويفصل مزيلاً الإبهام، لا رمز ولا حشو ولا شعر. نصه ملزوز، منطقي، متعب، منصف، يقود الفكرة من ينبوعها الأول، إلى مصبها الأخير، فتمر معه في وعر النقاش، في منحدرات التشكيك في منبسطات المكاشفة والكشف، إلى أن تبلغ المعنى، إلى أن تعرف صورة الحرية وحقيقتها.

مرة أخرى أخطأت كتاب آدم وعدت إلى الكاتب، لأنني، بعدما قرأت الكتاب قلت: متعب، متعب أنت أيها الكاتب، لا تترك لي فرحة الحشو ولذة الاستطراد كي أرتاح من عناء متابعتك وصراحتك؟ إذا كان نصار بهذه الصرامة الفلسفية، والدقة العلمية، والتطرف الأصولي في منهجيته، فلماذا كانت خلاصة كتابه بما يلي:

في الفصل الأخير، خاتمة تفتح الكلام على الحرية، وتعيده إلى البدايات:

يقول الصوفي:

أوقفني أمام المرآة وقال لي:

يا آدم. أتريد صورة ترى فيها حقيقة الحرية؟

فقلت:

لا، لئلا تكتفي العين بالصورة، فتبقى الحقيقة وراء الحجاب.

فقال ساخراً:

الحرية هي الحقيقة، وهي الحجاب.

فهمت يسيراً وقلت تقدم أكثر:

ثم قرأت

أوقفني في الصمت وقال لي بهمس دافئ:

الحرية باب ليس كمثله باب

الحرية باب، لا تمكث فيه، ولا تفارقه

تفارقه، لأنك لا تستطيع أن تمكث فيه،

وتمكث فيه، لأنك لا تستطيع أن تفارقه

فأنتَ فيه ولست فيه في كل آن.

وقفت عند الغموض، وقلت: هذا مقام الرمز، لا يشبعك خبزه فعد إلى قمحك القليل، وانثره في هذه الأمسية، وهكذا أنا فاعل. فلن أختصر الكتاب، كي لا أشوهه، ولن أقول غير الذي قلت.

هل فكرنا بالحرية؟ وكيف؟ ومتى؟ ولماذا؟

العولمة تمد لنا مائدة من الحرية، بعضها نشتهيه، وبعضها ينهكنا، وكثير منها غائب عنا. فلماذا؟

هل للحرية وجه واحد، وألف حجاب، أم أننا كلما فكرنا فيها وخيرناها أعدنا صياغتها، فجاءت وفق عقول ورغبات وأهواء ومصالح؟

هل أنت حر... وماذا تفعل بحريتك. بعض حريتك يغريني، وبعضه الآخر يقتلني. لماذا للحرية كل هذه الوجوه. تحمل معنى النفي والإيجاب؟

ثم، لماذا نخاف من الحرية؟ نخاف منها على تراثنا الديني، ومدارسه الفقهية المتخلفة، وتجاربه الملغومة بسوء المنطلق، وسوء التفسير، وسوء التسلط؟

أو، لماذا نخاف من حرية الآخرين، ونحن ننتقل من جحيم عبودية إلى الإقامة المستساغة والمشرعنة، للاستبداد التقاني، والتخلف الاجتماعي؟

هل الحرية غول تأكل أبناءها؟

أو، لماذا نجدو سؤال الحرية دائماً، كأن الحرية ضد الإقامة الدائمة في عنوان واحد ومعنى موحد. أو حتى في معانٍ كثيرة معلومة. أليست هي التوسيع المعلوم فيتسع بها ومعها المجهول؟

ثم، لماذا أنفقنا نهضتنا الأولى، خارج مدار الحرية؟ ألم نستبدل الحرية بالوحدة والاشتراكية والسلف الصالح، ونسخ الماضي ومسخه ألم نؤجل موضوعة الحرية ـ بسبب الاستتباع الداخلي والهيمنة الخارجية المتواطئة والمحرضة على التخلف والاستتباع؟ ألم نركن فكرة الحرية جانباً لكذب السلطة ومؤسساتها السياسية والثقافية والدينية والطائفية؟

ألم تقتل أحزاب النهضة الحرية فاغتالت رواد النهضة الأوائل؟

أف. ماذا فعلنا بالحرية غير اضطهادها، وتحريمها، والتخوف منها، فيما كان يجب أن نخاف عليها.

النيوكو لونيالي؟

يعدنا نصار بما يلي: باستئناف النهضة العربية الأولى، بثانية، على أن تكون الحرية فيها كأصل، لا كفرع. لماذا؟ وما المحرّض على ذلك؟ لأن لدى العرب، كما يقول، حاجة عميقة في تحويل الحرية إلى موضوع للتفكير وتالياً للتطبيق، ولو كان لدى بعضهم اطمئنان إلى التحريم وإتباع التقليد والاتكال على نسخ السلف.

يعدنا نصار بألا يلغي التراث ولا يتجاهل المعاصرة، ولا ينفي الجدلية بينهما، بل يستوعبهما بشكل وظائفي.

هل يكفي هذا كي نطمئن؟

مازلت أخشى وأخاف من الليبرالية، لأن حصتنا منها، هي الاستبداد والتخلف والاستتباع، ذلك، لأن العولمة، بوجهها الحالي، تورث العالم ضحايا، ونحن منها، فلا مساواة في العولمة، حصتنا منها، ليست الحرية. ولا الثروة، إنها حادة بخط سير وحيد: انتقال المال من الفقراء إلى الأغنياء، ونقل القمع والقهر والحروب، من عواصم العولمة إلى الأطراف.

هل يكفي أن نقرن الليبرالية بالتكافلية؟

لا أعرف، لأنني ألاحظ ما يلي:

تقوم الحركات الإسلامية راهناً، بمواجهة استبداد وظلم وقهر عواصم القرار ومراكز العولمة، أي، تقوم بواجب التحرر من الاستبداد الخارجي. هذا وجه من وجوه التحرر والحرية؟

فمن يقوم بأود الحرية في الداخل؟

اعتقدنا أن الأحزاب القومية والتيارات العروبية قادرة على ذلك فسامتنا استبداداً وخسائر.

ولدنا... من نرشح لمهمة التحرر وكيف؟

عذراً لإطالتي وتطفلي. ولكن الكتاب يغري بالقراءة والتعمق والمساءلة.