العدد الثالث عشر - تموز 2006

احتفاء بالحرية

د.فهيمة شرف الدين/لبنان
الجمعة 25 آب (أغسطس) 2006.
 
New Page 1

احتفاء بالحرية

د. فهمية شرف الدين

قال الراوي:

في البدء كان الاحتفال الكبير ونظر آدم إلى حواء فانجذبت إليه ولم تره ونظرت حواء إلى آدم، فانجذب إليها ولم يرها، وحينما تناظرا وترائيا، ظهر لهما باب الحرية.

(باب الحرية: ص345).

أهناك احتفاء أكبر من هذا الاحتفاء، أن تتحول الحرية صفة جوهرية لعلاقة الإنسان مع ذاته ومع الآخر؟

ومع أن ما قدمته للتو كان خاتمة القول في الكتاب إلا أنه كان أيضاً بدايته، فكتاب باب الحرية الذي بين أيدينا، أثر فكري يتقدم بالحرية ومعها. وختام الكتاب تآلف رمزي بين الرائي والمرئي يتجلّى في وصية فريدة للحرية ومن أجلها حرام عليكم جميع العبوديات حتى عبودية الحرية.

وها هو ناصيف نصّار يدخل حقل الحرية متأبطاً هذه الوصية مجادلاً في تراث الحرية ومساراتها.

إن أولى القضايا الشائكة التي ينثرها نصّار في هذا الحقل هو تخليص الحرية مما علق بها من عبق التاريخ.

أما أولى الخطوات المنهجية المترتبة على هذا الموقف فهي إعادة بناء حقل الحرية.

كيف بنى نصّار هذا الحقل وما هي المبادئ التي تقوم عليها عملية إعادة البناء هذه وكيف تنتظم وتتشكل؟

يبدأ نصّار إشاراته لعملية إعادة البناء بتنبيهات، وهي تنبيهات أساسية ترسم حدود النظر في مفهوم الحرية. ونقطة البدء في هذه التنبيهات استخدام منهج الاستعباد لمفاهيم جرى اختبارُها في سياق تبلور الفكر العربي الحديث، لذلك فالمهمة التي يُنتدب لها نصّار لا تتأسس على مفهوم القطيعة الكاملة التي روّج لها أصحاب مذهب الحداثة الليبرالية، ولا على مفهوم البعث الذي روّج له دعاة الفكر القومي ولا على مفهوم الإصلاح الذي يتم الاعتماد عليه الآن.

إعادة بناء حقل الحرية بالنسبة له هو عملية معقدة، تستدعي التاريخ دون أن تدخله، وتغوص في السياسة دون أن تخضع لها، وتترفع عن الواقع دون أن تفارقه.

لقد قيل الكثير في الحرية، وهي منذ أن بدأ الإنسان التأمل تخضع للتأويل والفحص. هل الحرية غاية في ذاتها؟ أم أنها مقولة تستدعي النظر لذاتها كما يقول نصّار؟ وفي الخيار تكمن الرغبة والسلطة، فكيف اختار نصّار أن يدخل باب الحرية؟

بداية القول بداهُته، وبداهة القول بالحرية هو اعتبارها أصلاً للفعل لاستئناف النظر فيما يسيمه نصار النهضة العربية الثانية (ص9). ومفتاح العمل لكن أية حرية تلك التي يمكنها أن تكون أصلاً للفعل؟

يستند نصّار في مطالعته القيّمة عن الحرية إلى الاستقراء المُقارِن لأوضاع الأنظمة الاجتماعية القائمة اليوم ليستنتج منها أن أولى المهمات في إعادة بناء حقل الحرية هي إعادة بناء الليبرالية، وهذا يعني النظر في المبادئ التي تقوم عليها فلسفة الليبرالية: أي مبدأ اجتماعية الإنسان ومبدأ الترابط بين الحرية والعقل، والحرية والعدل، والحرية والسلطة.

ويرى نصّار أن قراءة نقدية لهذه المبادئ الأربعة تشترط بالدرجة الأولى قراءة نقديةً للفكر الليبرالي كما يتقدمُ الآن في ظل العولمة، وكما يقدم نفسه باعتباره أباً للحرية الفردية وحامياً لها.

يقرأ نصّار تاريخ الليبرالية عبر حاضرها ويتقدم في القراءة النقدية مهجوساً بهم عملي وهو بناء الحرية في العالم العربي.

تتوزع هموم د. نصّار النظرية بعض أقسام الكتاب، وبعضها الآخر تتقاطع مع همومه العملية. فالفصول الأربعة الأولى ترتب القول في الحاجة إلى نهضة عربية ثانية تأخذ بالاعتبار مستجدات العولمة والتعامل معها بشكل خلاّق، وهي بذلك تعيد التأكيد على ثوابت ما زالت تتردد تحت أقلام الباحثين العرب منذ ستينيات القرن الماضي. وقد تكون أسماء كعبد الله العروي وهشام شرابي ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وناصيف نصّار نفسه، عنواناً لتلك المرحلة وقد تطول لائحة المفكرين والباحثين الذين تبنوا القول النقدي.

وتكمن أهمية هذه الفصول في أنها تساهم في تنزيل مفهوم الحرية في التاريخ والجغرافيا العربيين، وتؤسس لنظرة خصوصية لمفهوم الحرية ليست منفصلة عن جذوره المعرفية فصلاً تاماً.

أما القسم الثاني فهو القسم الذي تستظله هموم نصّار النظرية وفي هذا القسم يقدّم نصّار مساهمته في نقد الليبرالية القائمة بالفعل كما تتقدم إلينا على أثير العولمة.

وتظهر في هذا القسم قدرات د. ناصيف في المجادلة الفلسفية، وليس الارتباط الذي يقيمه بين الحرية والعدل سوى ترجمة لموقفِه الوجودي من الوهم السائد حول التناقض بين الحرية والعقل، والحرية والعدل والحرية والسلطة الذي يسود الفكر العملي في أيامنا هذه.