الصهيونية وعقيدة التمييز العنصري

العدد 3 - أيلول 2005 : رشا عزيز محفوض
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 

العنصرية الصهيونية ليست صفة طارئة ولا وليدة الصدفة، فهي الصادرة عن طبيعة الفكر الصهيوني النظرية، وعن دوره السياسي، ففي إطار النظرية تبرز فكرة شعب الله المختار وفي الدور السياسي يظهر دور الكيان الصهيوني كقلعة عسكرية متقدمة تحمي مصالح قوى الاحتكارات العالمية.

إن الفترة التاريخية التي صعدت فيها الصهيونية في منتصف القرن الثامن عشر تعطيها مباشرة صفة العنصرية لأن تلك الفترة هي ذروة الغزو الكولونيالي للعالم الثالث والذي رفع شعارات عنصرية تخفي فيها رسالة الإنسان الأبيض، تصدير الحضارة إلى البلدان المتخلفة، وفرض حكمة الغرب ضد جهل الشرق.

كان الغزو الصهيوني لفلسطين أحد مشتقات الغزو الأوروبي الاستعماري للقارات الثلاث لكنه أضاف على الخصائص الاستعمارية بعداً لاهوتياً جديداً يجعل من فلسطين الأرض التي وعد الله بها شعباً معيناً، فالصهيونية استعمار استيطاني خاص أساسه الامتياز الديني والعنصري.

إن العنصرية الصهيونية لم تتكون خلال عملية غزو فلسطين وإنما جاءت متكونة قبل الغزو وبعده، لهذا اختار الصهاينة منذ البداية أن يعزلوا أنفسهم عن المجتمع العربي في فلسطين، وأقاموا نقابات صهيونية، وطبقوا قانون العمل العبري وقاطعوا البضائع العربية واليد العاملة العربية.

كان هذا التمييز يتم تحت إشراف المؤسسات الصهيونية مثل: الوكالة اليهودية، الصندوق اليهودي، صندوق مؤسسة فلسطين، الاتحاد اليهودي للعمل. وبعد تهيئة الظروف الملائمة لقيام الكيان الصهيوني انتقل الصهاينة من المقاطعة إلى الطرد، ومن التعايش الإجباري إلى الدولة النقية التي رفعت إسرائيل شعارها منذ بداياتها معتمدة على مقولة هرتزل عام 1895: يجب دفع السكان الأصليين المعدمين إلى النزوح عبر الحدود وذلك عن طريق حرمانهم من العمل، كما أكد القول وايزمان في عام 1919 عندما كان يحلم بـ الدولة الصهيونية تكون يهودية بقدر ما هي انكلترا انكليزية ويحمل قوله كل سمات الفاشية المطلقة لأن الدولة اليهودية التي يحلم بها لا تقتضي طرد السكان الأصليين فقط وإنما تقتضي أيضاً طمس وتهديم وإلغاء كل التاريخ الثقافي العمراني الذي بناه الفلسطينيون في تاريخهم الطويل وعلى هذا فإن الصهيونية تقوم بطرد شعب وبمسح آثاره التاريخية من الوجود ممارسة بذلك شكلين من الإرهاب إرهاب في الحاضر وإرهاب على الماضي وتزويرهما معاً ونهبهما معاً.

التقاء ومساواة الصهيونية بالنازية

تلتقي الصهيونية مباشرة مع الفاشية الهتلرية المهووسة بشعار الحل النهائي الذي يعني إعدام الخصم بلا محاكمة فكان هتلر المتسلح بوهم تفوق العنصر الآري يمارس الإجرام من أجل ألمانيا بلا شوائب، أما إسرائيل فتعمل من أجل أرض موعودة بلا عرب وأهم الأدوات التي تركن إليها شعار منطقة الأمن والذي يطبق على 90% من الفلسطينيين.

منطقة الأمن ليست الاسم المهذب للأحكام العرفية والتي تجعل الفلسطيني متهماً مسبقاً ويمكن تأويل أي عمل من أعماله كتهديد لأمن الدولة. وهذا ما يجعل القرى العربية المتبقية مناطق محتلة والعرب أسرى حرب والإدارة المطبقة عليهم إدارة عسكرية مناطة بعدد من الضباط العسكريين الذين يعملون في وزارة الحرب، والقانون المطبق هو قانون الطوارئ والمحاكم التي تتولى القضايا العربية محاكم عسكرية.. وينتج عن هذا الوضع سلسلة من الإجراءات العميقة مثل: نظام منع الانتقال الذي يحد من تنقل الفلسطيني ويجعل أيضاً مسافة التنقل جريمة يعاقب عليها القانون، ومصادرة حق التعبير والتجمع وقمع العمل الثقافي والحرمان من التعليم الجامعي إلى تضيق مجال ربط العمل بالمهن الحقيرة والحرمان من حق المساواة في الأجر ومصادرة الأراضي والقرى بحجة مصلحة الدولة العليا مع رفض دفع الحقوق مروراً بمنع الفلسطيني من العمل في أي عمل حكومي.

اعتماداً على هذه الوقائع نجد أن الكيان الصهيوني الذي يدعي الديمقراطية يقسم المجتمع إلى جزأين جزء تطبق عليه الديمقراطية الصهيونية ويشمل اليهود وجزء يطبق عليه القمع ويشمل الفسطينيين وبذلك تظل الصهيونية مخلصة لمعايير التمييز العنصري: الديمقراطية لليهود ولا ديمقراطية لغير اليهود.