العدد الثالث عشر - تموز 2006

الوجه الآخر لعملة الحرية النادرة

يوسف معوض - استاذ جامعي لبنان
الجمعة 25 آب (أغسطس) 2006.
 
New Page 2

الوجه الآخر لعملة الحرية النادرة

مراجعة لكتاب ناصيف نصّار: باب الحريّة: انبثاق الوجود بالفعل

نحن لا نخشى من الحرية، نحن نخشى عليها

حافظ الأسد

أوقفني أمام باب الحرية وقال لي: أنا لم أكن يوماً حراً مثلما كنت في ظل [الوصاية السورية!] لم يعرف ابن الجنوب طعم الحرية يوماً مثلما عرفها إبان الاحتلال الإسرائيلي! فمن يمنع الحريات عن شخص، يجعل هذا الشخص توّاقاً إلى الحرية.

أقول هذا وأنا أقتبس كلاماً لجان بول سارتر:

Je ne me suis senti vraiment libre que sous l'occupation»»

الحريّات عدو للحريّة:

وبعد فإذا ما مُنحت الحريات المتعددة، الفردية منها والاجتماعية والاقتصادية، فأي معنى لحريتي؟ لم يكن تسي غيفاراً حراً عندما عين وزيراً للصناعة في كوبا، لا بل كان حراً عندما كان مطارداً في جبال بوليفيا يلهث وراء ملجأ آمن. لم يعرف غيفارا طعم الحرية إلا عندما ذاق طعم العطش والجوع والخوف.

إن كنت مواطناً اسوجياً أو نروجياً، فما لي وللحرية! أما إذا كنت مقهوراً فأصرخ مغالياً «الموت أو الحرية». وبالتالي فالحريات عدوّ للحرية كما التخمة عدوّ للشهوة.

هذه من مفارقات الحرية التي كرس لها العميد نصّار الفصل 18 من الكتاب الذي نحن بصدده. ولقد ميّز بين مفهوم للحرية وآخر، كما فرَّق بين الحرية الكيانية والحرية الاجتماعية، إلا أنه منذ التمهيد أعلن أن موضوعه يدور حول الحرية كأصل لا كفروع، فهو يقول: «لأن الحرية في ذاتها صفة بسيطة، لا تقبل التفكيك ولا التجزئة، كما أنها لا تقبل الزيادة ولا النقصان. الحرية هي ما هي، في كينونتها، بصورة كاملة. فإما أن تكون وإما أن لا تكون».

ولكم تمنيت لو كرّست بعض الصفحات للتمييز بين الحريات liberties وهي بطبيعتها وحدات متعددة plural and piecemeal وبين الحرية freedom وهي حالة «هولستية» holistic أقرب إلى الحالة النفسية.

التقييم الذاتي وتشخيص العلة

كيف ينظر العميد نصّار إلى مشروعه «باب الحرية، انبثاق الوجود بالفعل»؟

يقول إن كتابه مغامرة لها ما يسوّغها وأنها ستصيب الهدف في النهاية.

مغامرة بمعنى aventure أو entreprise؟ إلا أنه تحسّب بما فيه الكفاية قبل خوضه هذه المغامرة لدرجة أنه تكهن بمواقف من سيراجع هذا المشروع. فصنف الردود ما بين تشكيكية وأخرى ترحيبية وأخرى متحفظة شكلاً ومعارضة ضمناً. محاولة التفاف؟ بالطبع لا، فهو بالنتيجة يختتم تمهيد الكتاب بترك الحرية للقارئ وهي تخصّه كما يقول.

بحث فلسفي مجرّد يشكّل محطة في سلسلة من الأبحاث أجراها العميد نصّار منذ حين، إلا أنه ينطلق من واقع عارضي contingent أعني أزمة الشعوب العربية الحالية. يقول إن الحالة الراهنة كشفت عن عوارض أزمة المشروع التحديثي العربي وظهور عجزه عن تحقيق أهدافه الكبرى. وبالتالي فهو يدعو إلى «استئناف مشروع النهضة العربية التي امتدّت حركتها حتى أواسط القرن الماضي». وسؤالي هنا هل كانت حداثة النهضة الأولى ملازمة للحرية لنعوّل على هذه الحداثة ونستأنف المغامرة؟ ينتابني بعض الحذر من الأجواء النهضوية، ولي بعض الأسباب وبعض الأمثلة. فإن ثار عبد الرحمن الكواكبي على الاستبداد وطعن بمصارع الاستعباد، انبرى بالمقابل محمد عبده يطالب «بالمستبد العادل». والمستبد العادل هو الذي «يستطيع أن يعمل من أجلنا في مدة خمسةَ عشرَ عاماً ما لا نستطيع عمله من أجل أنفسنا في خمسةَ عشرَ قرناً». أما أحمد فارس الشدياق فكان يطالب، وهو في اسطنبول، بحكومة قاهرة. فالحداثة ليست ملازمة للحرية لا ولا للتنوير. وهل ننسى أن الفاشية في القرن الماضي كانت من تجليات الحداثة الأوروبية.

ويبقى السؤال: لماذا لا تزور السيّدة حريّة شعوبنا العربية؟ ألأن حكامنا يأبون التناوب على الحكم؟ أم لأن مجتمعنا يخاف من ريح هذا الوباء الذي يدعى حريّة، وله حجج اعتراضية عليها (بهذا الخصوص راجع الفصل 6 من الكتاب).

تعوّل هذه الدراسة كثيراً على طروحات الفيلسوف الأميركي رورتي Rorty وعلى نموذج الرجل الساخر الذي هو صنيعة هذا المفكر. وكأني بالعميد نصار يتنبى هذا النموذج ويعتمد مبدأ «الساخرية» مخْرجاً مما نتخبط به في شرقنا هذا. سأبتعد عن رورتي عند هذا الحد وسألجأ إلى طروحات شتينر Steiner  وبرلين Berlin لتشخيص الوضع الذي نحن فيه.

شتينر يحجّم الحرية

يقول شتينر Steiner: لا يسعنا تعديل «كم» الحرية في مجتمع معين. فالحجم معطى أساسي لا يتغير من مكان إلى آخر، وبالتالي فحرية فرد تكون على حساب حرية جاره. المسألة إذاً ليست مسألة حجم الحرية في بيئة معينة بل مسألة توزيعها في بيئة ما. إشكالية الحرية ـ العبودية في عراق صدام ليست سوى مسألة تقاسم الحرية بين الطبقة الحاكمة والرعايا، وهذا الوضع قائم في بلاد العرب منذ ما قبل عهد المماليك!

يدّعي شتينر أن الحرية مثلها مثل محصول الحنطة أو منسوب المياه في نقطة معينة. كل نسبة استهلكها تكون على حساب مستهلك آخر. هذه النظرية تدعى zero sum view وبالطبع لها نقاط ضعف، فهي تنتقل من مفهوم السلطة على الأشياء إلى مفهوم السلطة على الناس. إلا أنها تساعدنا على مراجعة الأسباب التي تجعل الجماعات في عالمنا العربي تغتصب السلطة وتحتفظ بها عنوة. فالاستيلاء على السلطة يعني لأولياء الأمر مزيداً من الحريات المنتزعة من حساب الآخرين.

تفسير شتينر قد يلقي أضواء على توزيع المغانم في أنظمتنا وإنشاء طبقة الموالي بالمعنى العريض أي طبقة المحسوبين clientelisme. على سبيل المثال في النظام الأمني السوري، فإن جماعة الضابط فلان تستفيد مادياً وتتمتع بامتيازات أي بحريات بقدر ما يمكن أن يؤمن لها الضابط فلان من مكاسب وقدرات (أي من حريات). هذا نظام «الدولة ـ الجماعة» etat - jamaa الذي تحدّث عنه ميشال سورا Seurat. وهذه نتيجة إعادة إنتاج النظام القبلي، ولذا قيل إن التضامن ضمن المجموعة في الشرق العربي أهم من الحرية وبالتالي هو الذي يقهرها.

أي الحريتين؟! السلبية أم الايجابية؟

أما إشعياً برلين فلقد ميّز بين مفهومين للحرية: سلبي وإيجابي.

فالحرية السلبية تطرح السؤال الآتي: أي مساحة يجب أن تترك للشخص ليتسنى له أن يتصرف دون تدخل شخص آخر؟ بالمقابل تطرح الحرية الإيجابية سؤالاً آخر: من هو مصدر سلطة التدخل التي تملي علي شخص تصرفاته؟ بمعنى آخر إن الحرية السلبية تُعنى بمساحة التدخل بينما تُعنى الحرية الإيجابية بمصدر التدخل.

وبالتالي يمكن للحرية السلبية أن تؤسس لحكم صدام حسين شرط أن يضع هذا الطاغية حداً لتدخله. وهنا يتبين لنا الفرق بين حكم البعث في العراق وحكم البعث في سوريا، وبين حكم البعث في سوريا والوصاية السورية على لبنان.

على مستوى الحرية السلبية كان الوضع في لبنان مقبولاً أكثر من الوضع في سوريا، ولكم كان الوضع السوري أقلّ تسلطاً من الوضع العراقي.

أما الحرية الإيجابية فيمكنها أن تتأقلم مع إكراه عظيم شرط أن يُقرن هذا الإكراه بموافقة ذاتية self - imposed. لنتصور (وهذا مجرد افتراض) أن المرأة الأفغانية لا ترغب في التحرر من واقعها المزري وأن ترفض المرأة السعودية تعديل وضعها الحالي.

القطبة المخفية والعدالة التضامنية

صحيح أن عنوان الكتاب هو الحريّة، لكن العميد نصّار يطرح موضوع العدالة، والعدالة التضامنية بالتحديد، من خلال «قطبة مخفية». أيُفسّرُ هذا سبب استناده إلى الفيلسوف الأميركي رورتي Rorty قبل خوضه في مفارقات الحرية وأمراضها pathologies.

فقد خصص لهذا المفكر الفصلين 16 و17 ولقد توسّع العميد نصّار في التعريف بنظريات واضع كتاب «العارضية والسخرية والتضامن». من هو الساخر حسب رورتي؟ الساخر هو من يشكك باستمرار بمصطلحات القاموس الذي يستعمله للتعريف بنفسه وبأهدافه، لأن الساخر لا يعتقد أن مفردات قاموسه أقرب إلى الواقع من مفردات قاموس غيره. وهذا ما يدعى liberal - ironism.

إلا أن العميد نصّار عرف رورتي بشكل شبه حصري بأنه يدعو إلى «السيادة المطلقة لمبدأ الحرية في الحياة الخاصة، مع اعتبار التضامن في الحياة العامة». وسؤالي لِمَ لا يكون العكس؟ ولِمَ لا نعتمد التضامن في الحيّز الخاص والسخرية في الحيّز العام!؟ هنا لابد من التذكير أن رورتي ربيب تيار براغماتي تشهد له الفلسفة الأميركية. فإن طالب ببعض التضامن في الفضاء العام ذلك أنه في بلد فيه فائض من الحرية ونقص في التضامن.

أينطبق طرح رورتي هذا على المجتمعات العربية؟ أميل إلى قول لا. فنحن في مجتمعات متضامنة على المستويين الخاص والعام. إن المزيد من التضامن في الحياة العامة يشكل خطراً داهماً، وقد يقود إلى تثبيت التعاضد القبلي والوحدة الغرائزية على حساب الفكر الحر الطليق المشكك. وهنا لا يسعني إلا أن أستنجد بـ Michael Polanyi، الذي على انطلاقه من التمييز بين المجالين الخاص والعام، وصل إلى نتائج مُغايرة. وصل بولاني إلى قناعة أن الأنظمة التعاضدية (ماركسية ـ لينينية أو غيرها) لم تتعرض للحيّز الخاص، بل على العكس أفلتت له العنان، لكي تتمكن من إحكام قبضتها على الحيّز العام. مقارناً بين روسيا الشيوعية في ظل ستالين وبريطانيا في ظل الملكة فكتوريا. يلفت بولاني نظرنا إلى أن هامش الحرية الجنسية كان أكبر بكثير في الاتحاد السوفياتي مما كان عليه في انكلترا، هذا على الرغم من أن النظام الليبرالي البريطاني كان أقرب إلى الحرية المتوحشة. ذلك أن الأنظمة الكلية قامت، باسم التعاضد وتأمين سعادة الشعوب، باحتكار المجال العام من سياسي واقتصادي ومجتمعي، وتركت متعة الحيز الخاص للاجتهاد الشخصي.

بالتالي كما أن للحرية أمراضاً كذلك فإن للتضامن عللاً. وكما تكون الحرية متوحشة، كذلك يكون التضامن متوحشاً وميليشياوياً وطائفياً ومذهبياً وطبقياً. وقد يؤدي ذلك إلى ما وصفه العميد نصار بفئات «جماهيرية منتظمة في التقاليد ومحتشدة في الخوف، لا تزال تنظر إلى كل دعوة إلى الحرية بعين الريبة».

إنساني، إنساني بامتياز

الحق يقال إن العميد نصّار وقف موقفاً معاكساً للتيار الجامح الذي انجر وراءه معظم مثقفي جيله. فهو لم يمطر العولمة بالشتائم بل دعا إلى تعامل خلاق معها (الفصل الثالث)، في محاولة لإعادة بناء حقل الحرية على ضوء مستجدات هذه العولمة. لم تدفعه الديماغوجية إلى الدمج ما بين الحرية والأمركة والليبرالية والعولمة. إنما بالمقابل لم يجعل من الحرية تابو tabou أو صنماً «يسجد له ويمجد». لم يكن همه المركزي الحرية بقدر ما كان هاجسه الإنسان، والإنسان العربي تحديداً. وبالنتيجة يقول إن الحرية في خدمة الإنسان وليست على حسابه.

فبعد أن أوضح أنها، أي الحرية، شرط أصلي للفعل، أثبت التلازم بين الحرية والمسؤولية، فهو من دعاة التضامن الاجتماعي الذي يفرض التوفيق بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.

رب حرّيوي libertarian يطعن بالتراث، تلك اللعنة التي أفسدت الحداثة، ورب منتقد يدعو إلى القطيعة ويرفض التوفيق الذي أنتج حرية «ملطّفة»، ورب معترض على مشروع العميد نصار بحجة أنه إنساني وإنساني بامتياز أي:

Humain, trop humain

جوابنا: ما عاب هذا المشروع أنه إنساني بل هذا ما يشرّفه، ولذا ندعو إلى المغامرة بالتوفيق مهما كانت المخاطر.