آليات النهضة في زمن العولمة

العدد 3 - أيلول 2005 : د. ميلاد السبعلي
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 
ضمن نشاطات جريدة " تحولات " قدم الدكتور ميلاد السبعلي محاضرة تضمنت تضمنت دراسة نقدية مطولة لآليات النهضة في زمن العولمة . ونظراً لأهمية المحاضرة نوجز أهم محاورها النقدية . للأطلاع على نص المحاضرة الكامل راجع الملف المرفق في أخر هذه الصفحة .

أولاً ــ مقدمة: تشكل النهضة الشاملة والمستدامة بمفاهيمها وآلياتها وإنجازاتها إحدى أهم المواضيع وأكثرها إلحاحاً في العديد من المجتمعات في عصرنا هذا، خاصة النامية منها. كما يحيط بها الكثير من الغموض والفوضى في المفاهيم والترهل في الآليات، والضحالة في الإنجازات. لذلك فإن الخوض في هذا الموضوع دونه صعوبات وتفصيلات يضطر الباحث فيها إلى توخي الحذر في التحليل والاستنتاج. والموضوع قديم ومطروح منذ زمن، ويهدف في الأخير إلى النهوض بالأمة إلى مصاف الأمم المتحضرة. إذن هناك عملية تغيير جذرية في المجتمع، بدايتها واقعه وسقفها واقع العالم المتحضر في زمنٍ معين. بالتالي فإن البداية والهدف لعملية التغيير متغيران مع الزمن.

وقد يكون من أخطر أنواع التعامل مع حركة النهضة والتغيير المطلوب في مجتمعٍ معين هو تجميد مفاهيمها وآلياتها عبر الزمن، فيصيبها الهرم والوهن والتشوش، وتتبخر الإنجازات. ورقة العمل هذه هي محاولة أولية لمقاربة هذه الإشكالية في مجتمعنا، آخذين حركة النهضة القومية الاجتماعية كنموذج. وهي موجهة لأصحاب الفكر القومي الاجتماعي والملمين به. وبعد عرضٍ سريع للعصور المختلفة التي مرت على الإنسانية وخصائصها وتأثيراتها على حياة الشعوب، يتناول هذا البحث موضوع النهضة الشاملة من موقعين زمنيين يفصل بينهما قرن كامل، في محاولةٍ لاستخراج أولويات وآليات النهوض في كل منهما، للوصول إلى نموذج عصري لآليات النهوض في زمن العولمة.

ثانياً ــ تطورات العصر الحالي: تدرّجت الإنسانية على مر السنين بمراحل حضارية مفصلية كان لها التأثير المباشر على مستوى وطريقة حياة الشعوب وعلاقاتها مع بيئاتها وفيما بينها. وقد طبعت هذه المراحل المتعاقبة الحضارة الإنسانية المستمرة بمزايا وقيم وخصائص توارثتها الأجيال والأمم لقرونٍ عديدة، وساهمت في تجديدها وتطويرها، حتى وصلنا إلى العصر الحالي القائم على التواصل والتفاعل الصاخب بين شعوب الأرض، إيجاباً وسلباً، حضارة وانحطاطاً، سلماً وحرباً.

وقد كانت السمة المشتركة للألفيات المنصرمة هي تفاعل الجماعات الإنسانية مع بيئاتها الطبيعية المباشرة ومع جيرانها، وصولاً إلى تشكيل دورات اجتماعية اقتصادية (كاملة أو ناقصة) استطاع فسم منها التوحد وتشكيل أمم واضحة المعالم، فيما بقيّ البعض الآخر عاجزاً عن ذلك مفتتاً لأسباب ذاتية وموضوعية. وقد تأرجحت الأنظمة السياسية ــ الاجتماعية من أشكالها البدائية إلى الدولة المدينة ثم الدولة القومية التي اتخذت أشكالاً مختلفة، ثم مؤخراً إلى عصر التكتلات الإقليمية العابرة للقوميات والأمم.

وقد حصلت تطورات اجتماعية واقتصادية مهمة طبعت عصوراً مختلفة بخصائص محدَّدة كان لها تأثيرها المباشر على حياة الإنسان وثقافته وعاداته وقيمه، يمكن تصنيفها على الشكل التالي:

آ ــ العصر الزراعي: شهدت بلادنا أولى مدائن العالم بعد أن استقرت شعوبها في حواضر اجتماعية ثابتة تمحورت في البدايات حول مصادر المياه في المناطق الخصبة. ومع الوقت، ازدهرت تجارة المحاصيل الزراعية، وقامت مجتمعات أعمال وخدمات بدائية في المدن ومناطق التجمع. وكان من سمات ذلك العصر: 1 - الإنتاج الزراعي والمخزون والمشتقات والتجارة، وهي عناصر حيوية استراتيجية للاقتصاد. 2 - التواصل والتفاعل داخل البيئة الواحدة وبين الشعوب، القائم على التجارة والخدمات. 3 - نسبة تحكم الإنسان بالبيئة ضعيفة مما يبقي الإنتاج عرضة لعوامل طبيعية غير مضمونة. 4 - نسبة القياس مرتبطة بزمن الإنتاج، أي ل[شهر والأيام والمواسم. 5 - المحرك الأساسي للإنتاج هو اليد العاملة. وقد استمر هذا العصر لآلاف السنين، وشهد تطورات تقنية وعلمية متعددة أدت لاحقاً إلى ظهور للآلة وبزوغ عصر الصناعة.

ب ــ العصر الصناعي: بدأ هذا العصر في منتصف القرن الثامن عشر في أوروبا، وتزامن مع نهضة ثقافية وقومية واسعة النطاق، بل أنه كان من إحدى مسبباتها. وقد أدى استعمال الآلة ليس فقط إلى تطوير الزراعة ومكننتها لزيادة الإنتاج والنوعية، بل أيضاً إلى ظهور المصانع الضخمة والمنتجات الصناعية الثقيلة التي استعملت في مختلف مجالات الحياة المدنية والحربية وغيرها، مما أحدث تغييراً جذرياً في وسائل وعلاقات الإنتاج ونشوء فئات اجتماعية جديدة غير فئات المزارعين والتجار. وقد امتد هذا العصر على مدى ما يقارب القرنين ونصف القرن تميزت بالتطور المستمر والمتسارع في العلوم والتقنيّات، حيث تكوّنت خلالها الخصائص التالية:

1 - تعديل البنى الأساسية للاقتصاد ونشوء تكتلات الصناعية متطورة تحتكر المعرفة والتقنيّات والخبرة الصناعية الحديثة، مقابل شعوبٍ تخلفت عن الركب، مما أدى إلى اتكال الثانية على الأولى وتسلط الأولى بالثانية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

2 - كان على الدول أو المجموعات التي تمتلك المعرفة والخبرة والتقنيّات أن تؤمن العناصر الأساسية للمنافسة في الإنتاج، وهي: توفر المواد الأولية بأسعار منافسة، واليد العاملة الرخيصة، والأسواق الوفيرة.

3 - أدّت التطورات الصناعية على مدى عشرات الأعوام إلى نشوء عادات وتقاليد وقيم وأساليب حياتية حديثة استطاعت أ تبث روح العزم والديناميكية والتطور لدى الشعوب عوضاً عن العادات الزراعية التي اتسمت بالخمول والاستكانة والانتظار.

4 - مع ازدياد كميات الإنتاج وتسارع وتيرته، تقلصت نسبة قياس الوقت إلى الساعات والدقائق لتتناسب مع سرعة الإنتاج والتسويق.

5 - كان للتطور التقني الأثر الكبير في تطوير مجالات الحياة كافة، وخاصة في مجالات الاتصال والتواصل، مما أدى إلى تنشيط حركة التفاعل داخل المجتمعات (ولو بسرعات متفاوتة) وتعزيز وتكثيف الدورات الاجتماعية الاقتصادية الجزئية وربطها ببعضها البعض. وكان من نتائج ذلك ازدياد في الشعور القومي، واتجاه لدى الجماعات والشعوب إلى إقامة دولها القومية على كامل دوراتها الاجتماعية الاقتصادية.

6 - تطورت أشكال الدول في أوروبا لتصل إلى الدولة القومية أو الأمة ــ الدولة التي هي وحدة قومية واجتماعية واقتصادية تامة ومستقلة. ومن هنا أصبح امتلاك التقنيّات الحديثة وتطبيقاتها المدنية والعسكرية من جهة، وتأمين مستلزمات الاقتصاد الصناعي من موادٍ أولية ويد عاملة رخيصة وأسواق وفيرة من أهم الأهداف الاستراتيجية للأمم ــ الدول، التي تريد أن تنمو وتزدهر.

7 - اتسم هذا العصر بدورٍ قويّ مركزي للدولة في رعاية وتخطيط الاقتصاد وتحقيق النهوض والتنمية.

8 - أدى التنافس بين الدول الصناعية إلى الصراع على المستعمرات لتأمين المواد الأوليّة والعمالة والأسواق، مما أدى إلى حربين عالميّتين طاحنتين. كما أن من أهم أشكال التنافس احتكار أسرار التكنولوجيا، واحرص على إبقاء الدول العدوة أو المستعمرة في العصر الزراعي.

9 - في تلك الحقبة من العصر الصناعي، وبينما لا تزال بلادنا غارقة في العصر الزراعي وأساليبه واقتصادياته، جاء "أنطون سعادة" بالفكرة القومية الاجتماعية، وأنشأ حركة نهضة شاملة للارتقاء بالأمة السورية إلى مصاف الدول المتقدمة، ونقلها من عصرٍ زراعي متأخر إلى عصرٍ صناعي حديث. وقد طبعت دعوته بمستلزمات تلك المرحلة على المستويّات القومية والاجتماعية والاقتصادية.

10 - في النصف الثاني من القرن العشرين، ومع التطورات الكبرى في مجالات المعلومات والاتصالات والعلوم التقنيّة وتطبيقاتها في مختلف المجالات من جهة، ومع تخطي حواجز الأسواق القومية إلى آفاقٍ إقليميةٍ ودولية أوسع، بدأت تظهر تكتلات اقتصادية إقليمية مكوّنة من عدة دول ــ أمم، تزيل الحواجز فيما بينها لتسهيل انتقال الأشخاص والبضائع دون عوائق، مما عزز الصناعات الإقليمية عبر توسيع السوق المحلي المستقر والوصول إلى المواد الأولية واليد العاملة الرخيصة المتوفرة في الإقليم الأوسع، مما يعزز التكامل بين الصناعات وقدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.

11 - إن الازدهار والبحبوحة الاقتصادية في الدول الصناعية الكبرى أديّا إلى ارتفاعٍ في مستوى الحياة ونوعيتها، وبالتالي ارتفاع في كلفة الإنتاج، مما اضطر كل من هذه الدول إلى نقل جزء من صناعاتها (خاصة التي تعتمد بشكل أساسي على المواد الأولية أو اليد العاملة) إلى دولٍ مجاورة أقل كلفة، لتحافظ على قدرة إنتاجها على المنافسة في الأسواق المعولمة، بينما احتفظت بلدانها بالصناعات التي تعتمد على العلو الحديثة والأسرار التكنولوجية المتطورة. وقد خلق هذا الواقع اعتمادية من قبل الدول المتطورة على الدول الأقل تطوراً، وحرصها على استقرارها والحد الأدنى من الانتعاش الاقتصادي حفاظاً على مصالح شركائها. كما أدى أيضاً إلى نشوء الشركات المتعددة الجنسيّات ذات الميزانيات الضخمة، التي اندمجت لاحقاً فيما بينها بحيث صار من الصعب تحديد انتمائها.

12 - لذلك أصبح من مصلحة الدول المتطورة الاندماج اقتصادياً مع تلك الدول وتشكيل مناطق اقتصادية حرة وأسواق مفتوحة، مثل انفتاح أوروبا الغربية على الشرقية وتوسيع الاتحاد الأوروبي، وانفتاح أميركا الشمالية على الوسطى والجنوبية ومنطقة المحيط الباسيفيكي، واليابان على شرق وجنوب شرق آسيا. وتجدر الإشارة هنا إلى الغياب الكامل للمنطقة العربية وأفريقيا عن هذه الخريطة الاقتصادية العالمية، برغم امتلاكها مصادر الطاقة. ويعود ذلك إلى التفتت والتشرذم الذي تعيشه المنطقة العربية، مما عطل تكوّن سوق محلية واسعة تجتذب الصناعات وتنّميها، وشرذمة سوق العمل، وصعوبة التنقل فيما بينها، وتمركز القدرة الشرائية العالية في دويلاتٍ قليلة السكان وانعدامها في الدول الكبيرة سكانيّاً.

13 - في هذه الأثناء، بدأ بزوغ عصر جديد قائم على العلوم التكنولوجيات الحديثة وتطبيقاتها المتعددة في مختلف الميادين الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وخاصة في مجالات الاتصالات والمعلوماتية، مما سهل الوصول إلى المعرفة والتفاعل المباشر والفوري بين الشعوب. وقد سميّ هذا لعصر الناشئ بعصر المعرفة، الذي من أهم أهدافه بناء مجتمع المعرفة التي نادى به "أنطون سعادة" منذ مطلع القرن العشرين بقوله "المجتمع معرفة والمعرفة قوة". وقد سقط الاتحاد السوفيتي الذي كان متوغلاً في العصر الصناعي، لكنه تخلف عن ركب عصر المعرفة، فتآكل من الداخل اقتصادياً ثم اجتماعياً وانهار سياسياً، مما أدى إلى خللٍ كبير في النظام العالمي، وأدى بالتالي إلى ترافق عصر المعرفة والعولمة الاقتصادي مع أحادية سياسية دولية تهدد العالم وتستبيح حقوق الشعوب.

ج ـ عصر المعرفة: حصل الانفجار المعلوماتي الذي أخذ بالاتساع مع نهاية القرن العشرين وظهور تطبيقاته المختلفة، في شبكة الانترنت وثورة المعلومات وتغير مفهوم الإنتاج لصالح الإنتاج المعرفي التكنولوجي وفي سهولة الوصول إلى المعلومات والمعارف، وفي تطوير الصناعات التقليدية وزيادة فعاليتها وانتاجيتها، وفي تحديث العلوم والأبحاث وتطبيقاتها في مختلف مجالات الحياة، من الطب إلى الزراعة، وفي بلورة مفاهيم ومعايير الجودة في الخدمات وتقديم معظمها عبر الشبكات، من الحكومة الإلكترونية إلى التعليم الإلكتروني إلى الاستشفاء والإدارة.

كل ذلك أدى إلى تغيرات جذرية في المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية أعطت هذا العصر الناشئ مجموعة من الخصائص الجديدة المختلفة كليّاً عما سبق:

1 - أصبح الإنسان والطاقة البشرية والعقلية هو المحرك الأساسي والرأسمال الأول في الاقتصاد.

2 - تجذر مفهوم عولمة الاقتصاد عير انفتاح الأسواق أو فتحها بالقوة بواسطة المنظمات الدولية الناشئة حديثاً مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها. وكان لهذه العولمة آثاراً كارثية على الاقتصاديات الاستهلاكية ذات الصناعات الضعيفة أو المحمية. كما حملت فرصاً جديدة للدول المتخلفة عن الركب (حتى التي لم تستطع ولوج العصر الصناعي) من تحديد مواطن قوتها وتطوير مواردها وتحديث أنظمة تعلينها وتدريبها والعمل على تحرير اقتصادياتها والمنافسة في السوق العالمية.

3 - أدت عولمة العلم وحرية وسهولة الوصول إلى المعرفة (باستثناء المعارف الحديثة جداً ونتائج الأبحاث الأخيرة) إلى إعطاء فرص جديدة (غير مقصودة) للشعوب الحيّة ذات الديناميكية والفعالية الإنسانية لانتزاع مكان لها في هذا العالم المعولم.

4 - حصل تحول كبير في مفهوم الدولة الراعية ذات الأنظمة المركزية والقطاع العام الضخم، إلى الدولة المسهلة لحركة القطاع الخاص والضامنة لعدم جموحه وتحوله إلى رأسمالية متوحشة، مع تخفيض في حجم القطاع العام وإفساح المجال أمام القطاع الخاص للاشتراك في تقديم الخدمات العامة التي كانت تعتبر حكراً على الدولة، مثل التربية والصحة والبنى التحتية وغيرها من الخدمات (المواصلات، الكهرباء، المرافق العامة).

5 - أصبح من غير الممكن للاقتصاديات المنغلقة المنعزلة عن العالم الاستمرار في هذا النهج. وبنفس الوقت، فإن الانفتاح على الاقتصاد العالمي بوضعٍ اقتصادي مهلهل يؤدي إلى الانحلال التام كما حصل في عددٍ من الدول. فكان لا بد للدول النامية من أن تخطط لاندماجها التدريجي في الاقتصاد العالمي، عبر القيام بتكتلات إقليمية أولاٍ للتحصن في دورة اقتصادية مستقرة، ثم الانفتاح تدريجياً على العالم.

6 - أصبح من الضروري لكل دولة (أو تجمع من الدول) أن تجد لنفسها قطاعات اقتصادية محددة تستطيع المنافسة فيها عالمياً، فتسعى إلى إعادة تمحور اقتصادها حول هذه القطاعات وتنميتها وتوفير البنى التحتية والتشريعية والموارد البشرية والاستثمارية اللازمة لذلك بهدف تكبير حجم الاقتصاد (كماً ونوعاً) ورفع مستوى الحياة الإنسانية والقدرة الشرائية للمواطن، حتى يستطيع تحمل خدمات غير مجانية بجودة عالية، عوض أن يبقى اقتصادها صغيراً يحتضر، وقدرة شعبها الشرائية متدنية، بينما تقدم له خدمات مجانية لكنها متدنية الجودة، فتكون بذلك إنما تقوم بتوزيع الفقر عوضاً عن توزيع الغنى.

7 - تغيرت شروط التطوير الاقتصادي القاسية التي سادت العصر الصناعي مثل توقر المواد الأولية أو الأسواق المحلية الكبيرة أو كثافة اليد العاملة الرخيصة. فأصبح المطلوب تنمية الرأسمال البشري المتخصص واختراق الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية بمنتجات وخدمات منافسة وبناء بنى تحتية مالية حديثة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.

8 - أدى هذا التحول في المفاهيم الاقتصادية إلى تحول سياسي في المشروع السياسي الإسرائيلي مثلاً، من نظرية بيريس ومسعاه إلى التطبيع في منتصف التسعينات، لجعل إسرائيل قاعدة صناعية متطورة وحديثة ومفتوحة أمامها الأسواق العربية لتصدير المنتجات وتوريد المواد الأولية والعمالة الرخيصة (وهي مستلزمات عصر الصناعة) إلى قيام شارون ببناء الجدار العازل وإلغاء مسألة التطبيع واستبدالها بموضوع الأمن، حيث يقوم الاقتصاد الإسرائيلي الجديد على تأمين مساحات آمنة للعقول اليهودية لتقوم بالإنتاج المعرفي وتصدره إلى السوق العالمي، بعد أن قامت بنهضة علمية جديدة واستفادت على مدى السنين الماضية من آخر نتائج الأبحاث الأميركية والأوروبية ومن هجرة الأدمغة اليهودية السوفيتية. وسوف يستغرق هذا العصر وقتاً ليس بقليل قبل أن تزول أو تذوب عناصره الرئيسية، خاصة مع الاشتراك الفعلي والديناميكي لشعوب وحضارات أخرى في عملية التفاعل العالمي لإنتاج ثقافة إنسانية عامة لونها لون الشعوب المشاركة في إنتاجها.

د ـ العولمة: كان من أهم نتائج التطورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية في العقد المنصرم نشوء فكرة العولمة. غير أن استغلال ذلك سياسياً وعسكرياً من قبل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، حوّلها إلى كابوس استعماري يهدد مناطق العالم النامية، فيدمر قدرتها على النهوض ويبقيها خارج الركب العالمي وتطوراته. وقد أعطيّ الصراع السياسي والعسكري والاستراتيجي ــ على تثبيت مصالح هذه الدول ــ بعداً ايديولوجياً حضارياً جديداً تمثل بأطروحة صراع الحضارات والصدام الحتمي بين الحضارة الإسلامية (السلفية برأي منظر هذا الطرح) والحضارة الغربية المتطورة الرائدة.

ثالثاً - مفهوم النهضة الشاملة.

يشمل مفهوم النهضة في مجتمعٍ معين محاور عدة تنطلق من الواقع السياسي والقومي والاجتماعي والاقتصادي لإحداث تغيير جذري في هذا الواقع من ضمن رؤيا استراتيجية للمستقبل وكيفية الوصول إليه، وإدارة عملية التغيير. بناءً على ذلك، فإن للواقع القائم تأثير كبير على مواصفات حركة النهضة التي تختلف مستلزماتها بالتالي من مجتمعٍ لآخر ومن زمنٍ لآخر. وتشمل محاور النهضة بعض أو جميع المحاور التالية:

آ ـ المحور القومي: إن الحديث عن مفهوم النهضة الشاملة في مجتمعٍ معين مرتبط إلى حدٍ كبير بالواقع القومي لهذا المجتمع، لجهة تحديد الهوية والانتماء والوطن والجغرافيا والتاريخ وحركة التشكل والجماعات البشرية وعلاقاتها فيما بينها وعلاقاتها الإقليمية. ومن المتعارف عليه أن المجتمعات المتأخرة في وعيّها القومي الصحيح، غالباً ما تكون مفتتة وغير قادرة على النهوض. لذلك فإن من مستلزمات النهضة في هكذا مجتمعات، هو تحديد الانتماء القومي بشكلٍ واضح، ووضع خطة سياسية مرحلية تقود هذا الواقع إلى مراحل مستقبلية مرتجاة، إضافة إلى تحديد وترسيخ مفهوم الوجدان القومي لتوليد حوافز التغيير القومي لدى أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع وجماعاته.

ب ـ المحور الاجتماعي: لا يمكن القيام بعملية التغيير الجذري المطلوب للنهوض بمجتمعٍ معين دون تصفية العلاقات وتنظيمها فيما بين أفراد المجتمع وجماعاته تأسيساً على المحور القومي. وهذا يتطلب خلق أرضية مشتركة للمواطنين في المجتمع، تتساوى فيها الحقوق والواجبات للجميع على قاعدة نظامٍ مدنيّ موحد يتناول مختلف جوانب الحياة. وقد يكون التغيير في هذا المحور صعباً للغاية، إذ يصطدم بعادات وتقاليد وتربية مدنية مجتزأة أو عتيقة، فيصبح من الضروري استبدال هذه بتقاليد وعادات وتربية جديدة. ويتناول هذا المحور إضافة إلى علاقة الفرد بالدولة، علاقته بمواطنيه ومعتقداتهم وعاداتهم وحقوقهم، وصولاً إلى مسائل أكثر تفصيلاً مثل نظرته إلى المرأة والعائلة والجيل الجديد والنظام الأبوي والحريات الأساسية وحقوق الإنسان والممارسة الديمقراطية وغيرها.

ج ـ محور التنمية البشرية: إضافة إلى تولد الوجدان القومي، وحدوث التحرر الاجتماعي، فإن من شروط النهوض والتطور في المجتمع هو تنمية موارده البشرية لتواكب علوم واختصاصات ومهارات العصر كي تستطيع أن تحدث التغيير والتحديث العلمي والاقتصادي القادر على رفد النهضة الشاملة، وبناء الطاقة البشرية، واختيار الاختصاصات المناسبة. إن هذه مسألة في غاية الأهمية، لأنها لا ترتبط فقط بالاختصاصات العلمية المتوفرة في العالم، بل أيضاً بحاجة المجتمع إلى اختصاصات مجددة لتنمية قطاعات تنافسية معينة. وتتغير متطلبات التنمية البشرية بشكلٍ مستمر وسريع. لذلك يجب تطويرها وتعديلها باستمرار لمواكبة حاجات المجتمع المتغيرة. وبالمقارنة مع المحورين السابقين، نجد أن مضمون المحور القومي يكون بشكلٍ عام ثابتاً لمئات السنين. فيما مضمون المحور الاجتماعي يتغير ببطء على مراحل تمتد لربع قرن، بينما يتغير مضمون محور التنمية البشرية عادة كل خمس أو عشر سنوات، حسب دينامية وسرعة التغيير والتطوير العام في المجتمع.

د ـ محور التنمية الاقتصادية: إن طبيعة التنمية الاقتصادية تختلف بحسب الواقع القومي والاجتماعي والسياسي للمجتمع، أو لدولةٍ معينة. غير أن الهدف منها يبقى مواكبة آخر ما توصلت إليه التطورات والتحولات الاقتصادية. ففي بدايات ومنتصف القرن العشرين، أيام الدولة القومية المركزية التي تشكل دورة اجتماعية اقتصادية شاملة ومستقلة إلى حدٍ ما، كان من شبه المستحيل الحديث عن تنميةٍ اقتصادية في مجتمعٍ مفتت إلى كيانات سياسية ذات دورات اقتصادية مجزأة، لا تستوفي شروط هذه التنمية في ذلك العصر الصناعي ـ مواد أولية، أسواق، يد عاملة مدربة ـ.

في المقابل، ومع ازدياد دور القطاع الخاص في عملية التنمية، وخاصة بعد أفول عصر الصناعة وبزوغ عصر المعرفة، وتفوق الرأسمال البشري من حيث الأهمية على العناصر الأخرى، حيث أن معظم المنتجات التكنولوجية الحديثة في مجالات الاتصالات والمعلومات قد أنشئها أفراد أو شركات صغيرة جداً، قبل أن تتحول إلى مشاريع عملاقة باجتذابها استثمارات ضخمة بعد تبيّان أهميتها. لذلك أصبح من الممكن الحديث عن التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية المواكبة والمسببة لها حتى في ظل أوضاع قومية واجتماعية غير مثالية. وهذا لم يكن ممكناً أن يحدث بفعالية في القرن العشرين.

من هنا تغيرت آليات التخطيط والتطوير الاقتصادي من النظام المركزي من أعلى إلى أسفل، حيث يطبقه بشكلٍ أساسي القطاع العام إلة نظامٍ مرن بدءاً من حاجات المجتمع وسوق العمل، لتنمية مجالات معينة من قبل القطاع الخاص، بتوجيه عام من الدولة. وهذا يفسح المجال لتفاعل وتنافس حر في سوق العمل من ضمن ضوابط معينة حتى لا يخرج هذا التنافس عن المصلحة العليّا للمجتمع، مما يؤدي إلى تهميش فئات معينة أو سحقها. وقد تم التوصل إلى هكذا مفاهيم من خلال تطور أنظمة تقليدية مركزية اشتراكية باتجاه الانفتاح باتجاه اقتصاد السوق، حيث تم اعتماد الكثير من آليات اقتصاد السوق في الصين مثلاً، مع المحافظة على نوعٍ من التدخل من قبل الدولة لرسم استراتيجيات التطور الاقتصادي وضبط انعكاساته الاجتماعية، أو ما تم اعتماده من قبل حزب البعث السوري مؤخراً من حيث إطلاق مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي كهدف مرحلي لعملية التغيير الاقتصادية. كما تم ضبط أنظمة اقتصاد السوق المفرطة في ليبيراليتها بأنسنتها أكثر، كما يحصل في الكثير من الدول الغربية.

رابعاً - أولويات النهضة في مطلع ومنتصف القرن العشرين:

لا يمكننا الآن تحديد ما كانت عليه أولويات النهضة في بلادنا في مطلع ومنتصف القرن العشرين من دون التعمق في واقع المنطقة في ذلك الحين، وواقع الدول الصناعية المتطورة. عند ذلك يمكن تحديد الأولويات المنطقية لمواجهة الواقع، والنهوض بالأمة إلى مصاف الأمم المتحضرة. ومن ثم مقارنة هذه الأولويات مع ما دعا إليه "أنطون سعادة" عندما أسس الحزب السوري القومي الاجتماعي لإحداث النهضة في المنطقة. وقد كانت المنطقة في ذلك الحين ترزح في قاع العصر الزراعي وفي حالة تخلف وانقطاع عن التطورات العالمية، بينما أوروبا وأميركا واليابان تتوغل في أعماق العصر الصناعي الذي يزيدها تطوراً وقوة، ويزيد الهوة بينها وبين منطقتنا اتساعاً. لذلك كان على دعاة النهضة في بلادنا أن يعملوا جاهدين على ردم هذه الهوة قبل أن يزيد اتساعها

خامساً - أولويات ومستلزمات النهضة في مطلع القرن الحادي والعشرين. لقد انتقل العالم مسرعاً في العقد الماضي من عصر الصناعة بمراحله المتقدمة إلى عصر المعرفة. وقد سبق ذلك تغييرات جذرية في مفاهيم وخصائص العصر الصناعي منذ منتصف القرن الماضي. وقد أثر ذلك حكماً على الواقع العالمي على كافة المستويات. كما أن واقع الأمة شهد العديد من تغييرات في هذه الحقبة. وبالتالي فإن أولويات النهضة اليوم تنطلق من هذين الواقعين لترسم الخطط والآليات لتطوير الواقع المحلي ومواكبة الركب العالمي، وبالتالي النهوض بالأمة إلى مصاف الأمم المتحضرة في هذا العصر.

ولو أجرينا مقارنة سريعة بين هذه الأولويات وأولويات مطلع القرن العشرين لأمكننا الخروج بالاستنتاجات التالية: 1- في مطلع القرن كانت المنطقة في طور التشكل، فكان لا بد من استغلال الوضع، ومحاولة التركيز على الجانب القومي أولاً لتهيئة المطالبة أو حتى فرض الوحدة القومية أو السياسية أولا، ثم تأتي بعد ذلك الإصلاحات الاجتماعية والأنظمة الاقتصادية ومستلزماتها. لكن ذلك لم يحصل، وكان أن بقيت أحزاب النهضة في حالة انتظار طال أمده، فتحولت مرحلة الفعل التاريخي إلى مرحلة المشاهدة التاريخية. 2- اليوم وبعد تجذر الكيانات السياسية على الخريطة الجيوسياسية، أصبح من الصعب بمكان المطالبة بالوحدة السياسية الفورية لأسباب عدة، وبنفس الوقت أصبح من الضروري والممكن المضيّ قدماً بالتنمية البشرية والاقتصادية حتى في الكيانات المتعددة كل على حدة، آخذين في الحسبان مسألة التكامل ومراعاة المحور القومي, 3- يمكن لأكثر من حزب أو جمعية أو مؤسسة العمل لتحقيق أولويات المحور القومي والمحور الاجتماعي. ولكن لا يجوز أن يقتصر مفهوم النهضة الشاملة على هذين المحورين، أو حتى على التبشير يهما دون القدرة على التأثير المباشر في مجرى الأحداث كما حصل سابقاً. 4- إن مسألة البناء القومي والاجتماعي وتحقيق أولويات النهوض الاجتماعي لا تتحقق بين ليلة وضحاها، ويجب أن تشمل أكبر عددٍ ممكن من أفراد الشعب وفئاته. غير أن لجيل الشباب والطلبة خاصةً، أهميةً كبرى في عملية التحول المطلوبة. لذلك، يجب إيلاء هذه الشريحة من المواطنين اهتماماً فائقاً، لترسيخ المفاهيم الجديدة لديهم، والتأسيس لمسلكية المسؤولية المجتمعية والوجدان القومي، وهذا ينعش بشكل كبير عملية التنمية البشرية. 5- إن ظروف العصر الحالي وواقع المنطقة يفسحان في المجال أمام دعاة النهضة الشاملة بالاشتراك ليس فقط في نشر الوعي القومي ومحاربة التفسخ الاجتماعي والاحتلال الأجنبي، بل أيضاً في عملية التنمية البشرية والاقتصادية، والتي لا تقل أهمية عن المحاور الأخرى، والتي لم تعد شرطاً لها كما كانت في القرن الماضي. أخيراً لا بد من التنويه أنه لم يعد جائزاً في هذا العصر أن تقوم مؤسسة حزبية واحدة (تمثل الدولة المركزية ـ القطاع العام ـ في القرن الماضي) بكل المهام لتحقيق النهضة. وقد أثبتت الوقائع ذلك. فهكذا مؤسسة بالكاد تستطيع تحمل أعباء المحور القومي وبعض جوانب المحور الاجتماعي (ومعظم الأحيان من مواقع المشاهد لا الفاعل). لذلك لا بد من قيام آليات حديثة للعمل النهضويّ في هذا العصر، ترتكز على مؤسسات مستقرة ومستقلة ومتخصصة ومتعاونة فيما بينها تجمعها وحدة الاتجاه العام.

سادساً - نموذج عملي لآليات النهوض في زمن العولمة. إن تحقيق النهضة الشاملة في هذا العصر لم يعد ممكناً بالطريقة المركزية القديمة التي ترتكز إلى مؤسسة واحدة تحتكر العمل وتديره من أعلى إلى أسفل. فقد سقطت كل نظريات الإدارة التي تعتمد على التخطيط المركزي المقفل والمبرم والذي يوزع للفروع لتنفيذه، ونشأت نظريات حديثة تعتمد على تحفيز القواعد وتسليحها ديمقراطياً وحسب الاختصاص بأحقية إنتاج الخطط وتنفيذها من أسفل إلى أعلى، بالاعتماد على حرية الأفراد وتحفيزهم على المبادرة والإبداع والتجديد من ضمن الاستراتيجية العامة للمؤسسات.

كما أن تحقيق النهضة لم يعد مقتصراً على نشر الوعي القومي والدعوة أو العمل للوحدة القومية أو الاجتماعية دون تأسيس بنية تحتية اقتصادية وبشرية ومعرفية تحتضن فكر النهضة وترسخه بالفعل لا بالقول، وتثبت بنيان النهضة حجراً حجراً من خلال تأسيس وإدارة وقيادة مؤسسات اقتصادية وتربوية وتنموية واجتماعية راسخة يكون لها أثر كبير في حياة الشعب وتجديدها، وفي المساهمة بإحداث التغيير المنشود والتنمية المستدامة. وحتى تحافظ على هذه المؤسسات على وحدة الاتجاه النهضويّ العام وتبقى مرتبطة ببعضها البعض، يجب الربط بينها بشكل عضوي دون المساس بالاستقلالية الذاتية لكل منها، ودون المساومة على التخصص والخبرة بالولاء والمحسوبيات.

من هنا نقترح ما يلي:

1- إعادة ترتيب أولويات النهضة وتوزيع أدوارها، بحيث يتم التركيز بشكل أساسي على محوري التنمية البشرية والتنمية الاقتصادية وجانب من المحور الاجتماعي، وإنشاء مجموعة مؤسسات مترابطة فيما بينها تعمل في المجالات التنموية المختلفة وتدين بثقافة وعقلية وتقاليد النهضة التي يفرضها المحورين القومي والاجتماعي.

2- التعاون الإيحابي مع كل المؤسسات والأحزاب التي تغنى بالمحورين القومي والاجتماعي سواء يشكلٍ كامل أو جزئي، لتحقيق أهداف التغيير في هذين المحورين.

3- إنشاء مركز للدراسات والأبحاث يقوم بتحديد مستلزمات تحقيق النهضة سواء في المحورين القومي والاجتماعي أو محاور التنمية من ضمن العناوين المذكورة أعلاه، مما يرفد عمل الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية والتنظيمات العسكرية ومؤسسات الدولة أو التي تنشأ لتحقيق أهداف النهضة.

4- اعتماد صيغة بنيّوية جديدة في العمل السياسي والاجتماعي تقوم على نبذ فكرة إدخال كل الشعب إلى داخل مؤسسة أو حزب واحد، واعتماد صيغة الطليعة الريادية القادرة على تجديد نفسها وطروحاتها لتكسب تياراً شعبياً يتنامى مع قوتها وحيويتها وتميزها وقدرتها على التجدد والمحافظة على التيار وتكبيره، وتتقلص في حال خنوعها واستكانتها. وتتوزع هذه الطليعة على مجموعة مؤسسات مستقلة ومستقرة تربط فيما بينها بشكلٍ غير ملموس وجدة الاتجاه، بحيث يكون كل عضو في هذه الطليعة متخصصاً ومنتجاً في مجال اختصاصه. 5- إنشاء أكاديمية "سعادة" كمؤسسة غير ربحية متخصصة بإعداد جيل الشباب ليس فقط لاستيعاب مستلزمات النهضة الشاملة، إنما أيضاً لتحضيرهم للمشاركة في تحقيق النهضة من خلال برامج خاصة بالقيادة الحديثة والريادة وإدارة التغيير والتواصل والمخاطبة والتفاوض والتخطيط الاستراتيجي والإدارة العصرية وتنمية الموارد البشرية. ويكون الهدف من هذه الأكاديمية تحضير قيادات المستقبل بعد إنهاء تخصصهم في مختلف المجالات، لرفد جميع المؤسسات بطاقات متجددة.

6- يقتصر العمل التبشيري على شريحة الشباب، ويستهدف الطلبة حصرأ، لتحضير خزانٍ مناسب من أصحاب الاختصاص والوجدان القومي لرفد المؤسسات الموجودة أو الدخول إلى مؤسسات عامة وخاصة قائمة، حيث يكون الفعل النهضوي الحقيقي هو بإحداث مجموعة العمل وليس التبشير والتنظير فقط. لذلك يجب إنشاء منظمة شبابية مستقلة تعمل لتحقيق هذه الأهداف في أوساط الجيل الجديد.

7- إنشاء مجموعة مؤسسات تربوية على كافة المستويات لإحداث تغيير جذري وسريع في بنية الرأسمال البشري في المنطقة.

8- إنشاء مجموعة مؤسسات اقتصادية في مجالات مختلفة حيث تعطى الأولوية للقطاعات ذات القيمة المضافة والتأثير الأوسع على الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

9- ربط جميع هذه المؤسسات الربحية وغير الربحية تحت مظلة واحدة من خلال إنشاء مجموعة قابضة مساهمة، تقوم بتمويل المشاريع والمؤسسات الأخرى والإشراف عليها. تتألف هذه المجموعة من مجلس إدارة يمثل كبار المستثمرين، ومجلس استشاري من كبار المفكرين يقدم المشورة والتخطيط الاستراتيجي لضمان وحدة الاتجاه وصحته، إضافة إلى فريقين (مالي وتقني) متخصصين لدراسة المشاريع الجديدة ومتابعة عمل المشاريع والمؤسسات المنشأة. ويتم التأكد من أن كل مؤسسة ربحية أو غير ربحية قادرة على المدى البعيد على تأمين الإيرادات اللازمة لتغطية مصاريفها الأساسية. كما يوافق جميع المستثمرين في المجموعة القابضة مسبقاً على تخصيص نسبة من الأرباح لدعم المؤسسات غير الربحية أو إنشاء مؤسسات مشابهة في مجالات متعددة أو تنفيذ مشاريع تنموية ذات منفعة عامة.

ختاماً، نحن لا ندّعي أن هذا المشروع سوف يغير وجه التاريخ بلحظة، بل نؤكد أنه خطوة في الاتجاه المطلوب على طريق الألف نيل. إن طريق النهضة الشاملة مضنٍ وطويل، وقد لا يستطيع جيلنا الوصول إلى آخره، ولكن يجب أن يكون له شرف تحديده والسير عليه بالاتجاه الصحيح.


محاضرة آليات النهضة في زمن العولمة