العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

الحرب السادسة انتصار لنا .. استثمار في الحقد لهم

علي العائد
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 
New Page 1

وحده، الاستثمار في الحقد، يعطي نتائج مضمونة.

 نتيجته، أو نتائجه، أقلها الثأر، الذي يُولد ثأراً، ودماً يستسقي دماً، بدوائر تدوَّم حولها دوائر،.. إنها الحرب، وأية حرب! الحرب السادسة، صاحبة النتائج الاستراتيجية للعرب، أمماً وأفراداً، إن استغلت نتائجها كما يمكن للوعي بالانتصار أن يكون.

وللحرب قوانينها أيضاً.

 ليس بالدم والنار فقط، بل بكل تفاصيل يوميات الحرب، من اقتصاد ودموع وخوف وخسارات وانهيار!

ألا يعتبر كل ذلك نوعاً من الاستهلاك، أو استهلاك لا يشبه الاستهلاك، كما اعتاد أي بشر يأخذ حيز جسده الكامل في أرض الله، وهواء الله، وأفق الله!

نعم، يستطيع صاحب الحديد استثمار كل طلقة، مدفع، دبابة، طائرة، إنسان.

 والإنسان آخر هذه السلسلة مهما طالت. والإنسان المعُد للقتل سيقدر أرباحه وخسائره، والفرص الضائعة، والاستثمارات المستقبلية، بل والخوف المستثمر في الميديا المرعبة، التي تفوق إمكانياتها كل خيال.

إستثمر في الحرب تزدد ثروة ، ويزدد الاستهلاك. فمنتجات الحرب، من تكنولوجيا وبارود وإنسان وأيديولوجيا صدامية، تدخل في دورة (الإنتاج- التوزيع- الاستهلاك).

 لسنا هنا، إذاً، في طور الحديث عن اقتصاد منزلي أو محلي، أو صيغة اكتفاء ذاتي، بل إنتاج واستهلاك وتصدير واستيراد، وبكل الصيغ والتفاصيل التي ألمحنا إليها،..ولنأخذ مثلاً من مجريات الحرب على لبنان، الحرب العربية -الإسرائيلية السادسة، كحرب شاملة (فالرقم قد يتضاعف مرات إذا عددنا كل الاعتداءات الإسرائيلية، من الحروب على الإنتفاضة، والحروب التكتيكية في لبنان على مدى ربع قرن).. في هذه الحرب ، هناك قنابل ذكية تأتي مستوردة من الولايات المتحدة، وهناك نشاط للمصانع العسكرية الإسرائيلية، كتعويض لمخزون الذخيرة الحربية للجيش الإسرائيلي، وتخفيفاً للخسائر الاقتصادية التي تتعرض لها إسرائيل نتيجة شلل المراكز الاقتصادية،.. هنالك أرباح، ومساعدات غير ممنونة، وتعاطف توراتي صهيوني، وغباء إعلامي، وقصدية خبيثة لايمكن إلا أن يؤسس عليها تاريخ من الحقد لاينتهي،.. ليس بمعنى النهايات، وإنما عدم إمكانية إيجاد فرصة لنسيان ماحدث، والبدء من جديد، بعد إعادة الحقوق والتسامح، على الأقل وفق خيارات الأنظمة التي سارت في عملية مايسمى بـ (السلام) دون أن تملك ورقة تفاوضية حقيقية، سوى مايدعى بقرارات (الشرعية الدولية).

الآن، ماالذي جعل من إسرائيل قوة على الأرض تفرض بالقوة شروطها؟

.. فإلى سعيها إلى امتلاك القوة العسكرية غير المحدودة، وتطوير ذلك بدعم عضوي أيديولوجي صهيوني هولوكوستي عالمي، فإنها تغذي الخوف لدى مواطنيها العسكريين أولاً، هي الثكنة التي سعت إلى صنع شعب كي تبرر العسكرة وفكرة الدفاع عن الوجود،.. لكن التباطؤ والفشل العربي والتسويف وتأجيل المواجهة الحقيقية من قبل الطرف العربي، لستة عقود، أفاد العرب من حيث لايدري العرب أو الصهاينة، فالوفرة الاقتصادية التي حققها الإسرائيليون أصبحت مكسباً وفر مزيداً من الخوف والرفاه، جعل من الهدف الذي قامت من أجله إسرائيل هدفاً ثانوياً،.. فما يقال عن قرب أفول العظمة الأميركية يقال عن قرب أفول العنجهية الإسرائيلية، ليس فقط للارتباط العضوي (الاستعماري الطفيلي)، بل لأن حركة التاريخ وزوال

العصبية إيذان بزوال دولة، وقيام دولة أرقى بالمقياس نفسه، وهنا يمكن أن يكرر التاريخ نفسه بلا نهاية، وإن اختلفت الفواصل الزمنية، حسب جدنا إبن خلدون.

وفيما يخاف كثير منا من الاستغراق في نشوة النصر، وعدم استغلال الوعي بتخبط المهزوم، والتأسيس على الحالة الواعية لتحضير مزيد من المفاجآت، والسعي إلى توسيع دائرة المواجهة، بأي معنى أردنا فيه إكمال المعركة، فإن للعدو خبراته في إدارة القوى الدولية،.. ولذلك على المقاومة، أولاً وأخيراً، أن تبقي السلاح صاحياً، فهو الضامن، وهو النصر الذي أتى، والنصر الآتي، على اليهود، وعلى يهود الداخل في لبنان والعالم العربي. كما أن على اللبنانيين، والعرب، الخروج، مرة واحدة، من أحادية ( حق لايموت) فالقوة وحدها تعيد الحق وتحافظ عليه، والقوة وحدها تبني، وتعلم، وتزرع، وتصنع.

نحترم وجهة النظر التي قالت بالتكوين العقائدي لمقاتلي حزب الله، فهي كانت ضرورة لتحقيق النصر، لكن هذه العقيدة كانت متوافرة في الحروب السابقة مع إسرائيل، ولم تحقق لنا نصراً عسكرياً، تكتيكياً أو استراتيجياً، سوى بعض النتائج السياسية المحدودة عام 1967 ، والمعنوية من خلال المبادرة عام 1973 . وإذن، فسرُ انتصار المقاومة اللبنانية كان في العلم والتخطيط والتكتيك والسلاح الصاحي، وبالصاروخ الذي ثمنه واحد من ثلاثة آلاف من ثمن دبابة، كانت الدبابة كتلة من لهب. تلك هي المعادلة التي خلخلت أسطورة موازين القوى التي أعطت إسرائيل في الماضي انتصاراتها، ومنحتنا هذا النصر الذي سيؤسس لأسطورة خوف العدو من مواجهة اللحم العربي المحمي بإيمان بالحق والنصر، تعلوه جماجم تعتز بالعلم، ولاتحط من شأن إنجازها العسكري، بل تعليه سابقة ودليل عمل في حركة التحرر العالمية كلها.

 الآن، ماالذي ربحه صاحب اللحم العاري، المذبوح دائماً بسيف الخوف، أو الغدر، أو ضيق ذات اليد، أو التخاذل، أو الظل الذي يتبعه حتى تحت جفنيه،..؟

 نعم، ربحنا. فهل يمكن أن تؤسس المقاومة، صاحبة الحق الأول في الانتصار، أو الوحيد، على ذلك مايدعى اقتصاداً منتجاً أساسه الرأس المرفوع، .. أليس الإنجاز دافعاً للإنجاز التالي، بدافع نفسي يؤسس لتراكم الخبرة القتالية، تمهيداً للدفاع، أو البناء؟          

ربح، ربحنا، ربح كل من يريد أن يربح، مايمكن أن يدعى، بكل بساطة، أو تعقيد، الكرامة..، ولكل من يريد يستطيع أن يكون لبنانياً بالإنتماء إلى الكرامة، التي لاتحتاج إلى جواز سفر، أو بطاقة هوية يمكن لأصغر  موظف على الحدود أن يشكك بها.

 نعم، يمكن للنصر، أو الانتصار، أن يؤسس لحالة آمنة، لحالة مدنية، تؤسس عليها المقاومة، بما هي، وبما يمكن أن تكون، حالة، قد تمثلها دولة تمتلك المبادرة.. تقول وتفعل، أو أفراد يؤمنون بالوطن، وبالمبادرة الفردية المضمونة من دولة تحمي حق الفرد والأمة، وتعطي من تصرفات قادتها مثلاً لما يمكن أن يكون عليه الطموح المنذور للحق، الذي يضحي كل فرد بما يملك من أجل حمايته. نعم، المقاومة كانت دائماً حالة، لكنها، اليوم، حالة وفعل تؤسس لما بعد 12 تموز.

نعم، نحن اللبنانيين، ننتمي إلى وطن وجد طريق كرامته التي لم يفقدها يوماً، لكنّا قبضنا على كرامتنا بكل مجاميع قلوبنا وعقولنا، وهيهات أن يفلت من أيدينا ماتضمه قلوبنا، أوعقولنا.

الآن، الكرامة وطن حصين في قلوب رجال الله.