العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

وطن بطابقين وحزب بمقاومتين

سركيس أيو زيد
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

وفي ذكرى التحرير، أيضاً، انقسم اللبنانيون على العيد، منهم من احتفل بحماسة، ومنهم من بقي مشاهداً. ومع وصول طاولة الحوار إلى موضوع استراتيجيا الدفاع، انقسم اللبنانيون أيضاً،. تعددت السجالات في دور المقاومة وفاعليتها وسلاحها وتنسيقها مع الجيش. كما كثرت الآراء والنظريات في قوة المقاومة وضعفها. طرح الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله استراتيجيا المقاومة بأسلوب مقنع ومشوّق ودقيق. ورأى أن "قوة المقاومة في موضوع التوازن الناري، منطلقة من سرَّيَّتها. وهي منطلقة من كونها حالة مغلقة ومقفلة". وهذا صحيح لأن العدو الإسرائيلي لا يعرف شيئاً عن هذه القوة: عن انتشارها ومواقعها وعتادها وتحرك رجالها، "وهذا من أهم أسرار هذه القوة".

لكن الصحيح أيضاً أن هذه "القوة المقفلة" هي نقطة ضعفها إذا تحولت المقاومة إلى "طائفة مغلقة" او منطقة معزولة، ما يسهل جرها إلى مستنقع الحروب الأهلية، والفتن الداخلية. تواجه المقاومة اليوم، وفي المستقبل، خطراً واحداً ذا بعدين: الأول خارجي (دولي / عربي / لبناني) يعمل على توفير الظروف والمعطيات من أجل عزل المقاومة في طائفة معينة ومنطقة محددة، ما يسهل ضربها، أو تصغير حجمها. والثاني داخلي (طائفي / حزبي) يعمل على التجاوب مع الظروف الموضوعية، أو التخوف من المعطيات الدولية، من أجل تحصين عزلة المقاومة، في طائفة ومنطقة، بهدف حمايتها ودعمها.

التحدي الكبير هو كيف تحافظ المقاومة على "القوة المقفلة"، وهي سر نجاحها، دون أن تتحول إلى طائفة / منطقة، منعزلة / مغلقة / مقفلة...

السؤال الاستراتيجي الكبير عن علاقة الجيش بالمقاومة أجاب عنه بإسهاب السيد حسن نصرالله. لكن من يجيب عن السؤال المصيري الأكبر، وهو كيف نفعّل المقاومة، في ظل تجذر نظام طائفي ومجتمع طائفي وجمهور طائفي؟

الحالة الطائفية لا تولّد إلا حروباً أهلية مستمرة، وفتناً متواصلة، وانقسامات دائمة. المقاومة المدنية الشاملة (القطاعات والمستويات والوسائل المختلفة) ضرورة لمواجهة مشروع الهيمنة الأميركية - الإسرائيلية على المنطقة. لكن المقاومة هي في مكان محدد، وزمان معين، وهي تمارس دورها على إيقاع الزمن الطائفي، والمكان الطائفي، على مفترق طرق الأزمات، وساحة الصراعات، حيث مخططات التقسيم والتجزئة. ولبنان هو أكثر من وطن جميل، هو نظام أمني / طائفي / فاسد. فكيف تستمر المقاومة في ظل نظام كهذا، وبنية كهذه؟

وإلى أي مدى تقدر "القوة المقفلة" للمقاومة على مواجهة إغراءات محاصصات النظام الطائفي، ومكاسب مؤسسات المجتمع الأهلي الطائفي، وتعبوية الغرائز الشعبوية الطائفية.

لا شك في أن "المقاومة الملتزمة العاقلة الخلوقة، التي لا تنافس الدولة في السلطة" هي مقاومة مخلصة لقضيتها، و"هدفها واضح ومحدد، وهو مواجهة العدو" على حد تعبير سيد المقاومة. لكن ألا تنافس المقاومة الدولة، وأهل السلطة، والطبقة السياسية الحالية والسابقة، في النفوذ؟

الآن، كيف يتم تجاوز المنافسة بين المقاومة والدولة، ما دامت المقاومة إسلامية، والدولة طائفية؟ هل التنسيق ممكن من دون تغيير بنية السلطة الطائفية، ومن دون بناء نظام مدني ومجتمع مدني ومواطن حر؟ ويا للأسف، نحن نعيش في وطن بطبقتين: واحدة للمقاومة، وأخرى للسلطة. وطن بطبقتين: واحدة للطائفيين، وأخرى للعلمانيين. ولا يمكن، تالياً، رسم استراتيجيا دفاعية لوطن هو منزل بطبقات مقفلة. عندما يصبح الوطن واحداً لمواطنين موحدين، عندئذ يمكن وضع خطة وطنية على قاعدة الوحدة الوطنية ووحدة المجتمع. الوطن اليوم منزل بطبقات مقفلة. المقيمون فيه يتجاورون ولا يتفاعلون ولا يتضامنون، يتساكنون جنباً إلى جنب، ولا يتفاعل بعضهم مع بعض على امتداد دورة الحياة في المجتمع الواحد. ولأنه يستحيل اليوم وضع خطة واحدة لمنزل غرفه مقفلة، وسكانه يفصل بينهم جدار عال، فالمقاومة معرضة باستمرار للانزلاق في اتجاه جحيم الانقسامات المذهبية، والفتن الطائفية، وأوحال الفساد.

للمقاومة قوتان: "قوة مقفلة" لمواجهة العدو، و"قوة منفتحة" لمواجهة النظام الطائفي التقسيمي.

قوة المقاومة تكمن، أولاً، في ببناء نظام مدني عادل، ونسج شبكة أمان في مجتمع مدني موحد ومتضامن، ثانياً، وتعتمد أساساً على إنسان حر.

قوة المقاومة من قوة المجتمع، قوة المقاومة من إرادة التحرير (وهي "قوة مغلقة" لضرورة سرية النضال) ومن فعل الحرية (وهي "قوة منفتحة" متفاعلة لضرورة وحدة المجتمع).

الأولى عبّر عنها بنجاح "حزب الله"، وأما الثانية فتنتظر فجر "حزب المجتمع المدني". حزب يقاوم العدو الإسرائيلي، وحزب يقاوم العدو الطائفي، ولِمَ لا؟ حزب بمقاومتين.

كتبت هذه المقالة في 6/6/2006

وبعد انتصار المقاومة على العدوان الاسرائيلي ضد لبنان، ما زالت المعركة نفسها مستمرة من أجل بناء دولة بمقاومتين: دولة تقاوم العدو الاسرائيلي من خلال قيام المجتمع المقاوم ودولة تقاوم الطائفية والفتن الاهلية من خلال قيام مجتمع مدني موحد.