العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

الامتحان العسير والمواجهة

منصور عازار
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

 جاء الاعصار التموزي على لبنان ليهدم بنيانه، فلم يوفر الحجر ولا البشر، واجتاح كل المناطق بوسائل حربية همجية أدت إلى شل الحياة، وتقطيع شرايين التواصل لمن بقي معزولاً في قريته، أو متّحده الصغير، أو في أحياء مدنه الكبيرة.

 

إنها ظاهرة متوحشة لأحدث وسائل الحروب العصرية، التي لم ينقصها إلا القنبلة الذرية، لأن استعمالها يؤدي حتماً إلى واحدة من أقوالهم المعروفة :

 

علي وعلى أعدائي يا رب

 

وهذا الرب اليهوهي هو الشريك والحامي، وقاتل الأعداء عند الحاجة، وهو الذي أوقف الشمس عن غيابها، ليكمل بني صهيون القتل والتدمير، ومحو الوجود عن مدينة أريحا في التاريخ القديم.

ومنذ ذلك الحين، وهذا المرض العضال، المستعصي على إرادة التطور في مواجهة شعوب الكون ، يكمل الفتك والدمار، وتختلف أساليبه وفق الأمكنة والأزمنة، ولا دواء له، إذ أن الإجرام دخل في تلافيف تكوينه، ونما في جيناته، وجعل الإنسانية جمعاء، ضحية تعاليمه وأوهامه، التي يزرعها في عقل الإنسانية، ويتعهد بعنايتها ورعايتها، من أجل أن تستمر وتنتقل من جيل إلى جيل، مكملة هذا الدور الخطير في إخضاع الإنسانية كلها لهذه الإرادة الشريرة، التي لا تهدأ ولا تتوقف، طالما أن الصراع قائم في هذا الكون بين تعاليمها وبين المدارس الفكرية والعقائدية والفلسفية والدينية، التي واجهت وتحدت شرورها عبر الأجيال والدهور.

 

ومن أهم وأخطر ضحايا هذا التجمد النفسي والفكري عبر التاريخ هو السيد المسيح الذي واجه أعمالهم وأفكارهم بالقوة الذاتية والإلهية، النابعة من روحه وإيمانه العظيم بأن القضاء على هذه الجرثومة الخطرة هي دعوته ورسالته إلى العالم أو ليس هو القائل : لعنتي عليكم وعلى أجيالكم

 

أليس هو من قال عنهم : القبور المكلسة وهو الذي دعا الناس أن أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم ، ولهذا فقد استحق التعذيب والصلب ، فهل يعود كل مسيحي من هذا العالم إلى مسيحيته الحقيقية، لكي يكافح هذا الوباء الخطر من الحقد والإجرام على البشرية كلها ؟ .

 

وهل يعي مسيحيو هذا الكيان اللبناني المعذب، الطالع من تحت الدمار والأنقاض أنهم ضحية جهل مسيحيتهم الحقيقية، وأنهم يركضون وراء الأوهام التي ستوصلهم حتماً إلى فم الذئب الجائع ؟؟ .

 

ما نقوله لشعبنا، مع عودة " تحولات " إلى قرائها هو أننا نؤمن بالحقائق، ولهذا نحن نكتب ما نكتب ، فهذه الأحداث الخطيرة التي فصلتنا عنكم أكدت بكل أبعادها ونتائجها أننا أمام خطر كبير محدق بنا وبالمنطقة كلها وبالعالم ، وأن الصراع الحقيقي هو صراع السيطرة على مواردنا الغنية، هذه الموارد، من نفط ومواقع إستراتيجية وبشرية، وغيرها، التي هي هدف هذا الصراع الدموي الخطير، ولا ينقذنا من هذا الإعصار الجارف الذي تقوده أميركا، ومعها إسرائيل وباقي العالم، خصوصاً بعض العالم العربي والأوروبي .

 

 أمام كل هذا، على المجتمع اللبناني أن يكون صلباً في وحدته الداخلية، مؤمناً بمصيره الواحد الموحد، واقفاً في وجه تمزقه المجتمعي الداخلي، وهذا ما أكدته الأحداث المجرمة الأخيرة، فإن الصراع الحقيقي الذي خاضه حزب الله مع هذا العدو المفترس، عز نظيره في التاريخ، فكأن وقوف مقاتليه في وجه الاجتياح عملاً بطولياً نادراً، ولأول مرة في تاريخ هذا الكيان الغريب، يشعر أهله بالخطر الحقيقي حتى أن أحد شيوخه التاريخيين، شيمون بيريز أعلن أمام شعبه والعالم " أنها معركة موت أو حياة " .

 

أن وحدة اللبنانيين قد تجلت، بكل عمقها وحقيقتها، عندما استقبلوا أبناء وطنهم النازحين في قراهم ، ومنازلهم ، ومدارسهم ، ودور العبادة ، وأمنوا لهم كل وسائل الراحة والاطمئنان، فلم يحصل أي إزعاج، ونشأت وحدة روحية واجتماعية مما أكد أن هذا الشعب واحد، لا تفرقه الطائفية أو المذهبية ، وأن هذا الاختبار، الخارج من قلب المأساة أكد أن الفتنة لم يعد لها مجال في قناعة الشعب ووجدانه ، وعلينا أن نعزز هذه الظاهرة الاجتماعية الصحية، وتستمر هذه العلاقة بين أبناء الشعب الواحد، وقد لاحظنا بفرح وارتياح كم أن الفراق بين النازحين العائدين ، وبين مضيفيهم كأن مؤثرا ، وكأن الوداع على أمل اللقاء المتواصل هو الكلمة التي تبادلها المواطنون العائدون، وقد أصبحوا أهلاً ، سيستمر التواصل بينهم في مناطقهم وقراهم إلى ما لا نهاية .

 

إنها ظاهرة صحية تريح الإنسان الذي يراقب هذه الأحوال الصعبة ، وقد خرج من أعماقها، ومن قلب المعاناة، حالة صحية جديدة، تؤكد لنا، وللعالم، أن وحدة اللبنانيين قد صمدت، وأنه علينا جميعاً أن نرافق هذا الصمود، ونتعهده كي لا يقع في نكسات قد تكون قاتلة في هذه الظروف الصعبة .

 

وإذا كان لنا من عبرة نستخلصها، فلنـر مـا حصـل، وما يحصـل الآن في ( غزة ) ، فبعد حصارها وتطويق وجودها من البحر والبر والجو ، أصبحت خاضعة لحصار مميت، تعيث إسرائيل فيه فساداً وتستبيح كل حرماته، فتقتل من تقتل، وتدمر ما تدمر، وتخطف من تخطف ، وإذا برئيس الهيئة التشريعية في المجلس النيابي الفلسطيني المنتخب من الشعب، ومعه عدد من الوزراء والنواب، مكبل الرجلين بالأصفاد الحديدية، يقف أمام محكمة الأبالسة، متهما بإيمانه، وعقيدته ، ووظيفته ووجوده ، وأنه مجرم كونه فلسطينياً، ومن حماس .

 

فلنعتبر بما هو حاصل أمامنا، ولنحافظ على وحدتنا الداخلية، وعلى مدانا الحيوي العربي، لأن بدونه نختنق، ونصبح بلا عزاء ولا أمل، ذلك أن الحياة تصبح مستحيلة في هذا السجن الكبير الذي يعدونه لنا، فلنعتبر ونواجه .

 

 

بيت الشعار في 25/8/2006

  منصور عازار