العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

حرب من نوع جديد

غسان يوسف
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

اختلفت التسميات للحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان في تموز وآب 2006 اعتبرها لبعضهم: هجوماً إسرائيلياً على لبنان، آخرون: الحرب العربية الإسرائيلية السادسة، وآخرون: عدواناً إسرائيلياً، وآخرون: حرباً بين إسرائيل وحزب الله. إذا كانت التسميات السياسية موضع تباين بين المتابعين لهذه الحرب، فإن التوصيف العسكري يحتمل نقاشاً واسعاً حول ماهية تلك الحرب. هل هي حرب هجومية من قبل إسرائيل، ودفاعية من حزب الله؟ أم هي حرب احتلال من قبل إسرائيل، ومقاومة من قبل حزب الله. هل مارست المقاومة الدفاع التقليدي، أم حرب العصابات، وهل التزمت إسرائيل بمبادئ الهجوم العسكري التقليدي، أم أنها اعتمدت أسلوباً خاصاً في القتال، وما كانت ميزات أعمال المقاومة؟

نبدأ من المقاومة، فقد اعتمدت تحضيرات دقيقة وكثيفة ومستمرة، من أجل خوض معركة الدفاع عن الأراضي اللبنانية في الجنوب، وخصوصاً تلك الواقعة في محاذاة الخط الأزرق، وهو خط انسحاب القوات الإسرائيلية عام 2000. إن صمود المقاومة لمدة 33 يوماً تمكنت خلالها من منع العدو الإسرائيلي من التقدم إلى داخل الأراضي اللبنانية، على الرغم من التفوق الكبير في القوات الجوية والقوات الأرضية بشكل عام. هذا الصمود كان محط دراسة معمقة من جميع الباحثين، وأول ما يستوقف في هذا المجال هو استمرار عمل القيادة والسيطرة طوال وقت الحرب وهو ما لم يكن في حرب 1967 على الجبهات العربية، الثلاث حيث أدى فقدان القيادة والسيطرة إلى هزيمة وتشرذم للقوات العربية. أما في حرب الـ 33 يوماً، فقد استمرت منظومة القيادة والاتصال في العمل بشكل واضح رغم التفوق التقني الإسرائيلي في مجال اعتراض الاتصالات والتشويش الإلكتروني. كان من الواضح أن القيادة هي مركزية في إطلاق الصواريخ التي لاحظنا أن وتيرتها وكميتها كانتا تتحددان حسب الموقف العسكري والسياسي فيما كانت القيادة على الأرض للوحدات المدافعة لامركزية، حيث تنحصر المهمة في صد اختراقات العدو من أية جهة. وتطلب ذلك إعطاء حرية المبادرة لقادة الوحدات التي تتصدى للقوى الإسرائيلية المهاجمة.

إن استمرارية وسائل الاتصال بين قيادة المقاومة ووحداتها، كانت في غالب الظن بالاستفادة الشاملة من كل ما يتوافر من وسائل اتصال متطورة وبدائية، بدءاً من الخطوط الهاتفية الثابتة، والخليوية المحمولة، وأجهزة الاتصال اللاسلكي ذات المدى القصير، والهاتف الحقلي، واستخدام الشيفرة في الإعلام والسعاة.

من وجهة النظر التكتية، بدا واضحاً أن المقاومة اعتمدت أسلوب المجموعات الصغيرة، المزودة بأسلحة مضادة للدروع، والتي تقوم بمناورات محدودة على محاور ضيقة ضمن القرى ومحيطها. واستطاعت هذه المجموعات استغلال طبيعة الأرض على أفضل وجه، والقيام بنصب كمائن، واعتماد التمويه للتخفي والخداع، بما في ذلك ما نشر عن ارتداء عناصر المقاومة لبزات عسكرية إسرائيلية أدت إلى بلبلة وذعر في صفوف القوات الإسرائيلية المهاجمة، وأوقعت بهم خسائر فادحة.

ما أجمع عليه المراقبون، بمن فيهم المراسلون الصحفيون الذين غطوا، وبحرية واضحة، سير العمليات العسكرية في الجنوب، هو عدم تمكنهم من رؤية، أو تصوير، أي مقاتل من المقاومة، ولا أي مركز، أو منصة إطلاق صواريخ،.. هذه السرية العالية جاءت نتيجة دقة كبيرة في التحضير والتدريب.

في مجال الأسلحة المستخدمة، فقد جرى استعمال بنادق مزودة بمناظير ليلية، وأسلحة مضادة للدروع روسية الصنع حديثة، أثبتت فعاليتها، وحققت ماإصطلح على تسميته بمجزرة الميركافا، حيث تشير المعلومات إلى تدمير نحو 120 دبابة ميركافا، خلال هذه الحرب. هذه الصواريخ هي من طراز ساغر، المطور، ويدعى كورنت، كما جرى استخدام قذائف آر بي جي 29 . إلى ذلك استخدمت المقاومة الألغام والنسفيات والأفخاخ ضد الأفراد والدبابات، وحققت نتائج ملموسة، وشكل استخدام صواريخ سيلكدورم المضادة للسفن، ونجاحها في إصابة ثلاث مركبات بحرية إسرائيلية مفاجآت هامة من مفاجآت الحرب، هذه النجاحات كان لها مفعول مدوٍ داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث أسهمت في سقوط القوة التي لا تقهر، وتزعزع الردع الإسرائيلي في المنطقة العربية، وتراجع الهيبة، إضافة إلى فقدان إسرائيل الكثير مما تعول عليه في اقتصادها، في مجال بيع العتاد العسكري، فقد ألغيت صفقات الأسلحة مع الهند وتشيلي، وباتت الميركافا غير مرغوبة، بل منبوذة.

على صعيد الحواجز والتحصينات، تبين أن عناصر المقاومة قد أنشأت تحصينات وأنفاقاً مريحة وتوفر الاستعمال الأمثل للأسلحة، من أجل التصدي لهجمات العدو، كما حققت المقاومة نجاحاً باهراً في مجال إخفاء مخازن الأسلحة والصواريخ، والتي لم تستطع إسرائيل تدمير أي منها، ولو كانت دمرت أحدها لرأينا الإعلام يتقاطر إلى المكان، والمحطات التلفزيونية تقطع بثها من أجل بث هذا الخبر، كما برز موضوع خزن المواد الغذائية والتموينية المختلفة، والإخلاء الصحي إلى مراكز خاصة، إذ لم يشعر المواطنون لا في الجنوب، ولا في البقاع، ولا في العاصمة، بوطأة الإخلاءات الصحية.

إن الحديث عن المعنويات العالية، والإيمان الصلب، يطول عند المقاومة، حيث عشق الشهادة ينتاب المقاومين جميعاً، لكن الملفت هو نوعية التدريب، من حيث التدريب التقني واستيعاب الرمي بالصواريخ المضادة للدبابات، والصواريخ أرض أرض، بمهارة واضحة، في ظل قصف جوي ومدفعي عنيف ومتواصل، إضافة إلى التدريب التكتيكي والبراعة في استعمال الأرض.

تبقى النقطة السلبية الأساسية لدى المقاومة، وهي فقدان الغطاء الجوي، ما جعلها تتعرض لآلاف الغارات ورغم ذلك استمرت في العمل بكل فعالية. إن انعدام الدفاع الجوي في لبنان أدى إلى استباحة الأجواء اللبنانية من قبل القوات الجوية الإسرائيلية، وقيامها بقصف وتدمير البنى التحتية، من طرقات وجسور ومنازل، وارتكاب مجازر بحق المدنيين، وبشكل مبرمج ومحدد، وفقاً لما قيل إنه بنك الأهداف. لقد نفذت إسرائيل أكثر من عشرة آلاف طلعة جوية خلال فترة الحرب، وهو رقم قياسي في هذه الحروب.

يبقى أن نتحدث عن البديهيات وهي التفوق الإسرائيلي، فليس سراً أن الطيران الإسرائيلي هو الأحدث في العالم، والأقوى بعد الولايات المتحدة الأميركية، كما أن قدرات الاستطلاع والمراقبة بواسطة الأقمار الإصطناعية والطائرات العادية وطائرات التجسس وطائرات الإستطلاع MK إضافة إلى الاستخبارات البشرية القوية، والتي تتمتع بخبرة وتراث في العمل داخل لبنان،.. كل ذلك يعطي إسرائيل تفوقاً كبيراً، إضافة إلى استخدام وحدات النخبة من غولاني ونحال وإيفوز ومغاوير البحر والمظليين، والتي زجت بهم في المعركة لسرعة حسمها، فإذا بها تفاجأ بمقاومة شرسة وقوية وعنيدة، والأهم أنها غير منتظرة، ولم يتوقعها أحد لا في إسرائيل، ولا في الدول العربية، ولا في الولايات المتحدة. لقد واجه المقاومون كل هذا التفوق، واستطاعوا وقف الهجوم الإسرائيلي ودحره في خطوة عسكرية مزلزلة سوف يكون لها حتماً ارتدادات سياسية وثقافية، ليس في لبنان وإسرائيل، بل في العالم العربي وسائر أنحاء العالم. إنها فعلاً حرب جديدة، بل هي حرب من نوع جديد.