العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

الجرائم الإسرائيلية من مديان وأريحا، إلى قانا

سهيل رستم
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

إن ما جرى في لبنان ما بين الثاني عشر من تموز، والثالث عشر من آب، من قتل وتدمير وتخريب ليس مستغرباً، وليست المجازر التي ارتكبت في قانا، والريحانية ومرجعيون، والقاع، الضاحية، وغيرها من القرى والبلدان اللبنانية، وتكراراً لما حدث في التاريخ من إبادات جماعية في مديان وأريحا، وحصرون، وكل المدن والبلدات والقرى في فلسطين، ولكل الشعوب القاطنة فيها، والكنعانيين واليبوسيين، والمديانيين وغيرها... ومما ارتكبه قادة أميركا من بداية استيطانها، من قتل، وتدمير، وحرق، ومن ثم ما فعلوه في فيتنام، وأفغانستان، والعراق. وبقراءة لتاريخ اليهود عبر (توراتهم)، وتاريخهم، ومنذ نشأتهم، ولتاريخ القيادات الأميركية، وأفكارهم، نجد أن ما جرى هو تعبير عن ثقافة متجذرة ومتأصلة فيهم.

إن هذه الحروب التي يصفها اليهود، وقادة أميركا هي بالدرجة الأولى تعبير عن ثقافة، وأخلاق، وقيم، ونظرة إلى الآخر. ولست متجنباً، فكلاهما - اليهود، وقادة أميركا، يعتبر نفسه (شعب الله المختار). وإنه وحده المهيأ لقيادة العالم وحكمه، وإن كل ما يفعله هو بأمر من إلههم، وهداية منه(1) وإذا ما استعرضنا بعض الأمثلة من تاريخ اليهود المدون في توراتهم، وتاريخ القادة الأميركيين المدون بأقلام مؤرخين وكتاب أميركيين وسواهم، نجد أن ما جرى في لبنان متطابقاً مع ذلك التاريخ، ومعبراً عن ثقافة استمرت موالية له. ففي الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر العدد في كتاب التوراة، نقرأ: وكلم الرب موسى قائلاً، انتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين، ثم تُقم إلى قومك، فكلم موسى الشعب قائلاً، جردوا منكم رجالاً للجند فيكونوا على مديان ليجعلوا نقمة الرب على مديان،... ويتابع، فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر. وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم.... وسبوا نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم ومساكنهم وجميع حصونهم بالنار. وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم وأتوا إلى موسى والعازر الكاهن وإلى جماعة بني إسرائيل بالسبي والنهب والغنيمة إلى المحلة، إلى عربات موآب التي على أردن أريحا.

فخرج موسى والعازر الكاهن وكل رؤوساء الجماعة لاستقبالهم خارج المحلة، فسخط موسى على وكلاء الجيش القادمين من جند الحرب. وقال لهم هل أبقيتهم على أنثى حيّة، إن هؤلاء كنّ لبني إسرائيل، حسب كلام بلعام، سبب خيانة للرب في أمر ففوّر، فكان الوباء في جماعة الرب، فالآن اذهبوا أقتلوا كل ذكر من الأطفال،.. وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر اقتلوها، لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيّات.(2).

وكما حصل في مديان حصل في أريحا، فتقرأ في الإصحاح السادس من سفر يشوع ... قال الرب ليشوع انظر، قد دفعت بيدك أريحا وملكها جبابرة البأس... وصعد الشعب إلى المدينة... وأخذوا المدينة، وحرموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة. من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف. واحرقوا المدينة بالنار مع كل ما قبلها (3)

وكما فعل اليهود في مديان وأريحا، فعلوا في كل مدن وبلدان فلسطين وقراها، وهكذا فعلوا أيضاً بعد إعلان دولة لهم على أرض فلسطين 1948، وفي مدن وبلدات عدة. في دير ياسين، وكفر قاسم، وقبية، وغيرها....

وكما فعل اليهود، ومنذ بداية تاريخهم، هكذا فعل قادة أميركا، الذين ارتكبوا المجازر بحق الشعوب التي كانت تسكن أميركا قبل استيطانهم، ففي حرب المستوطنين على الهنود (السكان الأصليين) أبيد ما يزيد على المليون هندي، وفقدت القبائل معظم أراضيها.(4) 

ويوم عيد الشكر عام 1868، هاجم المستوطنون قرية هندية وقتلوا (153) رجلاً، وعدد غير معروف من النساء والأطفال.(5)

وهكذا فعلوا في كل قرى ومدن القبائل الهندية، وأتلفوا محاصيلها وحيواناتها، واستمرت هذه الإبادات الجماعية إلى ما بعد عام 1900.

وكما فعلوا بالهنود، فعلوا في الفيتنامين، ففي أواخر عام 1967 أشرفت وكالة المخابرات المركزية الأميركية على عملية إبادة أطلق عليها اسم (عملية العنقاء). وتم فيها قتل ما يزيد على عشرين ألفاً، ووصفت بأنها أكبر برنامج للقتل الجماعي المنظم.(6)

وفي آذار عام 1968 قام جنود الجيش الأميركي بمجزرة في قرية (ما لاي) الفيتنامية، وقتلوا فيها (347) شخصاً، بينهم أطفال رضّع، وأحرقوا البيوت والأكواخ بما فيها البشر.(7)

وهذا ما يفعله قادة أميركا في أفغانستان والعراق الآن، وربما يستعينون في خبرات يهودية.

من هذه الأمثلة القليلة، نرى أن الحرب التي شنت على لبنان في الثاني عشر من تموز من قبل اليهود المستوطنين في فلسطين، وبدعم قادة أميركا، لم تكن عملاً غريباً.

وربما هناك دول أخرى ارتكبت مجازر مشابهة، إلا أن ما يميّز اليهود، وقادة أميركا، هو أن ما يقومون به هو نهج مستمر، من بداية تشكل ثقافة كل منهما، ويشكل سمة، ومواصفة لكليهما، ولكل منهما، إذ أنهما يشتركان في ثقافة واحدة، وفي موقف واحد من الآخر.

في هذه الحرب التي استخدموا فيها أسلحتهم المتقدمة، التي قتلت الناس، ودمرت المساكن، وهدمت الجسور، والمزارع، والمرافق الحيوية، لاقوا رداً من المقاومة اللبنانية الوطنية، أذهل العالم، وكانوا عاجزين عن كسر إرادة المواطن المؤمن، الصابر، الصامد في أرضه، فإنني أرى فيها الانتصار الكبير على العقلية اليهودية المتغطرسة، بعد الانتصار الذي حققه نبوخذ نصر عليها، وسأستعير من رفيق وصفه للسيد حسن نصرالله بأنه (هنيبعل هذا القرن).

إن دقة التنظيم، ووضوح الهدف، والإيمان عند المقاومة، ومواقف المواطنين، وصبرهم، وتضحياتهم رغم التدمير الوحشي، والقتل العشوائي، رسخ فينا الإيمان بأن في هذا المجتمع قوة لو فعلت لغيرَّت وجه التاريخ.

وإن ما عبر عنه المواطنون هو دليل على النفسية الراقية التي يتسم بها مجتمعنا. فالتضحية والفداء، ووقفات العز هي من سمات مجتمعنا عبر التاريخ، من تضحيات البحارة الكنعانيين الذين كانوا يغتدون مجتمعهم بإغراق أنفسهم في البحر حتى لا يكتشف البحارة الآخرون خطوطهم البحرية(8) إلى تضحيات أهل صور وبطولاتهم عند حصار الإسكندر لها، إلى تضحيات وبطولات أهل قرطاجة، إلى يوسف العظمة، وجول جمال، وسناء المحيدلي ورفقائها الاستشهاديين، إلى هذه البطولات والتضحيات التي شهدناها ، وشهدها العالم كله.

إن الانتصار النفسي، والمادي، الذي حققته المقاومة، وعبر عنه مواطنون، سيشكل نقطة ارتكاز جديدة، لإعداد حالة أكثر تنطيحاً، وأشد دقة، وأشمل عملاً، لمواجهة ربما تكون أعنف، حقق فيها أعظم انتصار لأعظم صبر في التاريخ

 

الشــام - سهيل رستم

 

1-   حق التضحية بالآخر. منير العكش - دار رياض الريّس. طبعة أولى. حزيران 2002.

2-   التوراة - سفر العدد - الإصحاح 31.

3-   التوراة - سفر يشوع - الإصحاح 6.

4-   الجريمة على الطريقة الأميركية - فرانك براوننغ ، جون جيراسي - ترجمة فؤاد جديد.

5-   الجريمة على الطريقة الأميركية.

6-   حق التضحية بالآخر.

7-   حق التضحية بالآخر.

8-   من حضارتنا - جورج عطية.