العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

الآثار المستقبلية للعدوان الإسرائيلي على لبنان

محمد أحمد النابلسي
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 
New Page 1

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

تلقى لبنان العدوان الإسرائيلي الأخير بعد قائمة مطولة من التهديدات الإسرائيلية والأميركية. وكان المدخل لهذا العدوان الإعلان الدرامي عن عودة إسرائيل إلى الساحة اللبنانية، فهي استُبعدت خلال الحرب الأميركية الافتراضية التي بدأت مع / أو باغتيال الحريري والتي استهدفت الدور السوري في لبنان. فقد جرت التعمية ومعها الخلط بين الوجود العسكري السوري وبين الدور السوري.

هو خلط استوجب استنفار كل الخطط والحملات الإعلامية الأميركية المطبقة في لبنان. وكانت النتيجة خروج سوري، وانتظار عودة إسرائيلية، كنتيجة طبيعية للعرفان بدور الصديق الأميركي صانع لبنان الجديد. خاصة وأن الانسحاب الإسرائيلي اقتضته ظروف الضغط على سوريا ومعها تجنيب جماعة 14 شباط تهمة التعاون مع إسرائيل، التي كان اختفاؤها ضرورياً في حينه. وبعد مضي الفترة اللازمة، وتعمق الساسة الجدد في مقاعد سياسية، عادت إسرائيل بصورة درامية عبر اغتيال الشقيقين مجذوب في صيدا. ولم يتحرك ساسة لبنان الجدد لهذه العملية قدر ممانعتهم لعملية حزب الله الأخيرة.

من الواضح أن الجدد يرون التغاضي عن قيام دولة عدوة بعمليات اغتيال وتجسس وغيرها. لكنهم لا يتساهلون مع اختطاف جنديين إسرائيليين. والواقع أن إسرائيل لم تعتدى على أحد ينتمي إلى هؤلاء الجدد بل على معارضيهم.

الآن، وقد وقعت الواقعة، وأخطأ حزب الله خطأً لا يمكن تخيل الجدد يرتكبونه: ماذا نفعل؟.
فلنبدأ بتعريف العدو، وهو حاجة. فقد سمعنا من قادة الجدد أن إسرائيل لم تعد عدواً؟. وقال فريق منهم أنه يحب إسرائيل، وأكد أن إسرائيل هي خياره. وهي إعلانات متكررة نقلتها الصحافة الأجنبية عن قواد تظاهرات 14 شباط المتتالية. كما رأينا معارضة سوريا من قبل الجدد تصل إلى حدود إعلان العداء والتصفية الجسدية للعمال السوريين على طريقة النازيين الجدد. فحُقَّ لنا التساؤل عن العدو.
بدايةً، تعايش أصحاب الخيار الإسرائيلي مع معاديه مسألة غير واردة إلا بفعل إبادة. وإذا أصر هؤلاء على صداقة إسرائيل، فإن لذلك معنى واحداً، هو الابتداء بحرب أهلية جديدة. فإذا ما اكتفينا بالتكاذب القائم والمعلن عن اتفاق على اعتبار إسرائيل عدواً، فإن على جميع اللبنانيين أن يقفوا ضد العدوان الإسرائيلي.
تعريف العدو:

يكون العدو محدداً بدقة في الحروب وهو الذي يمارس فعل الاعتداء. ويحصل أحياناً، ونتيجة للحرب النفسية، أن تحصل انحرافات في هذا التعريف. وصولاً إلى التوحد بالمعتدي، ومحاولة تقمصه لدرجة ترديد طروحات العدو وتوجيه العدوانية نحو عدو بديل تحدده وتوحي به الحرب النفسية. وفي الحالة اللبنانية الراهنة ينعكس الانقسام السياسي بانقسام الموقف من العدو، فنلحظ المواقف التالية:

1- موقف يحدد العدو بدقة، وهو إسرائيل المعتدية.

2- موقف يحيد العدو، ويعتبر أن العدوان موجه نحو الفئة التي رفضت التوحد بالمعتدي، وبالتالي فإن هذه الفئة تحيد نفسها، وتعتبر أنها غير مقصودة بالعدوان الإسرائيلي، حتى لو أصابها ودمر لبنان. وبذلك ينحرف مفهوم العدو، من إسرائيل إلى الفئة المقاتلة لإسرائيل.

 3- موقف يعتبر إسرائيل حليفة، وهو موقف أصحاب الخيار الإسرائيلي من اللبنانيين، وعددهم متزايد في الفترة الأخيرة. ويزداد إرباك تعريف العدو عند جمهور اللبنانيين مع اختلاف المواقف العربية المتوزعة بين معارضة حادة لعملية حزب الله، وبين نقدها من جهة، وبين تأييدها بصورة إطلاقية من جهة أخرى.

1- اغتيال الحريري يوجه فرضيات العدوان: صدمة اغتيال الحريري طرحت عدواً افتراضيا جاهزاً هو سوريا. ومن المعروف أن العدو الافتراضي الجاهز يجلب خطر تشجيع آخرين على ارتكاب الفعل، لسهولة تحويله إلى العدو المفترض. وهكذا جرى انتخاب سوريا كعدو، ودعم ذلك بحملات إعلامية ضخمة، حتى بات المتعرضون لحملات غسيل المخ بمناسبة الاغتيال يبحثون عن دور سوري في الحرب الإسرائيلية الحالية، حيث يصعب على جمهور مصدوم ملكية مرونة تحويل مفهوم العدو. والإرباك الحالي ينجم عن رغبة الحفاظ على مكاسب تعويضية عن اغتيال الحريري، ومعها رغبة تجنب العدوان.

2- تدرج العدوان: العدوان الإسرائيلي لا يمارس بالقوة نفسها على الفئات اللبنانية، حيث تروج الدعاية الإسرائيلية تحييد فئات معينة من اللبنانيين من عدوانها. وبغض النظر عن تلوينات لبنان الداخلية، فإن الصدمة تطال اللبنانيين بصورة متدرجة، حيث يمكن تصنيف الفئات المتعرضة للعدوان كالتالي:

1- فئة مستهدفة بشكل أساسي، وهي تحديدا سكان الجنوب اللبناني بكافة أطيافها.

2- فئة مستهدفة وفق ضرورات الحرب .

3- فئة تعتقد بكونها محصنة، وتتعرض فقط للضرر المادي. وهذه الفئات تختلف في كل مظاهرات الصدمة، من الشعور بتهديد مباشر للحياة، ولغاية مشاعر الذنب لدى الناجين.

3- تراكمية الصدمة: تعرض اللبنانيون إلى كم متراكم من الصدمات المتلاحقة، بدءاً من الفوضى الأهلية عام 1958، مروراً بالحرب الأهلية الطويلة ،ولغاية الاعتداءات الإسرائيلية المتلاحقة. ثم يأتي العدوان الأخير بعد صدمة الحريري، التي ترافقت مع حرب نفسية جعلت اللبنانيين يشكون في عمقهم الاستراتيجي العربي والإسلامي. ومن المعروف أن الصدمة التكرارية تحمل معها مجموع أثار الصدمات السابقة إضافة للصدمة الحالية.

4- الشيزوفرانيا اللبنانية: يأتي العدوان الحالي على أرضية شيزوفرانيا لبنانية ناجمة عن حرب نفسية انطلقت مع اغتيال الحريري ولمّا تنته بعد. حيث تفكك المجتمع اللبناني على محاور متعددة، من مؤيد لسوريا، ومعارض لها، ومن توزيعات طائفية ومذهبية، ومن دعاة الأمركة ومعاديها، ومن متمسكين بالهوية العربية الإسلامية، ورافضين لها. وتبدت هذه الشيزوفرانيا قبل العدوان بالتباسات انفصامية، كمثل المواقف من حماس، ومن احتلال العراق، ومما يجري في المنطقة عموماً. ثم جاء هذا العدوان ليكرس هذه الانفصامية.
5- مستقبل الصدمة: على المدى القريب، سوف يضطر اللبنانيون إلى استشعار مصدر التهديد المباشر لحياتهم، وبالتالي إلى حصر مفهوم المعتدي بإسرائيل وحدها، وخاصة مع استمرار العدوان لفترة أطول. كما أن خسائر الحرب ستضع اللبنانيين أمام تقسيم حاد وخطير للفئات اللبنانية. وسيدفع الفئات الأكثر تضرراً إلى المطالبة بمميزات في حال عودة لبنان إلى وضعيته الأساسية. أما في حال حدوث متغيرات فإن المتضررين سيلجأون للإنتقام من الفئات الأقل تضرراً بوصفها متسببة بالكارثة. أي أن العدوانية ستتحول الى الداخل بعد نهاية العمليات.

أما عن العلائم العامة لصدمة العدوان الحالي فنستطيع تمييز العلائم التالية:
1- تهديد غريزة استمرار النوع لدى الفئات اللبنانية المختلفة، وهو تهديد مصدره إسرائيل للبعض، وسلاح حزب الله للبعض الآخر.

2- تهديدات الحرب التقليدية: وهي أكثر انتشاراً بين سكان الجنوب، كونه الأكثر استهدافاً.
3- تهديد الحياة الفردية المباشر.

4- مشاعر الذنب لدى الناجين من الكارثة.

5- الخسائر المادية والمعنوية.

6- صدمات التسامي: حيث الاستعداد للتضحية يصطدم بنتائج غير مطابقة لدوافع التسامي. وهي صدمة حاصلة حتى في حالات الانتصار. لأن التسامي ينطوي على شحنات انفعالية كبيرة ومتطلبة.
الأهم أن هذه الحرب تنطوي على جرعات كبيرة من العقائدية والإيديولوجيا، وعليه فإن علاج آثارها النفسية لا يقف عند حدود علاج آثار فردية، بل هو يتعلق بتقنين الآثار الايديولوجية والعقائدية التي ستترتب عليها.
لبنان بعد هذه الحرب:

تدخل حزب الله في توقيت هذه الحرب فأستبقها. إذ بات من المؤكد أن إسرائيل كانت تعد العدة لبدئها بحجة أو بأخرى. وحزب الله لم يقدم لها الحجة، بل فرض عليها التوقيت والحدود، ونزع عنها عنصر المفاجأة. وهنا يجب التذكير بأن إسرائيل لم تكن يوماً حريصة على لبنان. فهي دمرت بناه التحتية مراراً وتكراراً. وهي كانت تنتظر موسم السياحة في كل سنة لتقوم بحركات عدوانية لضرب الموسم (أقتضى التذكير لفقدان البعض لذاكرتهم).

لكن لبنان يدخل هذه المعركة وهو في أدنى درجات جهوزيته، فهو واقع تحت حكم الدولة المنتخبة. وهو المصطلح الجديد للأكثرية ال 14 شباطية. فكل ما في هذه الدولة هو أنها منتخبة، لا يهم متى وأين وكيف وفي أية ظروف، وعبر أية تحالفات وآليات تدخل الوصايات الأجنبية وشخصيات هذه الدولة المنتخبة. ولعل الرئيس السنيورة خير ناطق باسم هذه الدولة، التي تلجأ إلى الدموع المتأثرة على تهديد الوضعية الانتخابية. وهي وضعية جعلت الجدد يسوقون مرشحين رئاسيين على الطريقة التي أوصلتهم، وذلك وفق آليات التحكم عن بعد من قبل اللوبي اللبناني الصهيوني في أميركا. والوصفة السحرية للجدد باتت كامنة في زيارة لأميركا، وخلالها لقاء مع الصهاينة اللبنانيين، وبعدها يحق للرعاع الطموح. وخطأنا أننا لم نضع بعد قوائم الرعاع السياسي. وذلك بغض النظر عن نتائج الصراع الحالي.

الآن ماذا بعد الحرب؟ الجواب يرتبط بنتائج الحرب بطبيعة الحال، وتطرح، هنا، ثلاثة إحتمالات:
1- خسارة المعركة: وهي تستتبع حرباً أهلية غير ممكنة التجنب. والتدخل فيها يستطيع تحويلها من عقائدية إلى طائفية - مذهبة، على غرار ما يجري في العراق.

2- ربح المعركة: وهو يستتبع تصحيح الأوضاع الشاذة الناجمة عن الانتخابات الأخيرة، وأولها إحياء الخيار الإسرائيلي بإطلاق رمز الخيار سمير جعجع من السجن. بل أولها التخلص من الرعاع السياسي الواصل من النافذة المتصهينة. ومنها الخلاص من وضعية التسول، وانتظار موسم البنات والحمص اللبناني. فكسب المعركة يجب أن يقترن بتخليصه من وضعية الكباريه التي سعوا أليها. ومن يريد سياسة الكباريه فليمارسها خارج لبنان.

3- التسويات الوسطية: هي وعود بتوجيه البلد نحو أحد الخيارين السابقين.
التدخلات الأجنبية في لبنان:

الكيان اللبناني كيان مختلق، وهذا ما يفتح الأبواب أمام كل الطروحات الراهنة، من التقسيم إلى التدويل. ومنذ إنشائه يقف الكيان على قدم واحدة، تعرف بميثاق 1943، التي ضربها الطارئون الجدد في صميمها. وكان توازن الكيان مرهون بتفاهمات أربعة لاعبين أساسيين هم: سوريا وفرنسا وإسرائيل وأميركا ( بريطانيا قبلها). والفوضى الراهنة تعود للإخلال بهذه الموازنة، فقد تم إقصاء سوريا مع دخول لاعبين جدد، مثل السعودية وإيران، وزيادة متضخمة لحصص إسرائيل وأميركا في لبنان. فإذا ما أردنا العودة إلى القدم الواحدة، بديلة الكساح الحالي، فإن الأمر يقتضي إعادة توزيع الأدوار العادلة بين اللاعبين الأساسيين، واستبعاد اللاعبين الطارئين، والأهم تطهير السياسة اللبنانية من آثار الدولة المنتخبة. وهي حصيلة كل الفوضى التي أوصلت لبنان إلى الهاوية الحالية.

لكن تجاربنا السابقة مع سياسات القدم الواحدة لا تبشر بالاستقرار الطويل الأمد، ولا توحي باحتمال قيام دولة في لبنان. وعليه فان هذا الحل المؤقت لا يرضي طموحات اللبنانيين الساعين لإقامة دولة ينتمون إليها، وهي طموحات ستفجرها نتائج هذه الحرب، مهما كانت هذه النتائج.