العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

وطن أبعد من بئر العبد ومارون الراس

سعيد مبشور
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

وطن أبعد من بئر العبد ومارون الراس

مخاض العدوان على لبنان، وميلاد الشرق الأوسط "العنيد"

انتهى العدوان الصهيوني على الأراضي اللبنانية، بفشل ذريع للنهج الدموي الذي هو اختيار أصيل في سياسات الدولة العبرية إزاء دول وشعوب المنطقة، وانطوت بذلك صفحة مريرة من تاريخ الشعب اللبناني البطل، واجه فيها أسوده المقاومون أعتى الجيوش والآليات بشجاعة نادرة، برهنت على أن الخائفين من فزاعة التفوق الإسرائيلي واهمون، وأن الخوف الكامن من هذا التفوق مجرد حالة ذهنية ونفسية تكونت إثر الإخفاقات المتتالية التي عاشها النظام الرسمي العربي في مواجهة المشاريع الصهيونية المدعمة بالخلفية الاستراتيجية الأميركية.

وأشّرت نتائج الحرب على معطيات جديدة في أدوات الصراع وخلفياته، إذ أن المعركة هذه المرة اندرجت بشكل واضح ومباشر في سياق الفوضى الأميركية "الخلاقة"، الهادفة إلى إعادة ترسيم خارطة العالمين العربي والإسلامي، وفق معادلة قوامها السيطرة الكاملة على كل ما فوق الأرض، وتحت الأرض، من خيرات ومقدرات وطاقات بشرية وطبيعية.

وخلصت الحرب إلى عنوان كبير، مفاده أن المشروع الصهيوني برمته قد آل إلى الهاوية، فلا الوطن القومي اليهودي قد أرسى قواعده بشكل نهائي، ولا أرض الميعاد الفلسطينية تصهينت، ولا أهل النيل قد سلموه، ولا ضفاف الفرات بسهلة المنال، مهما تعددت الجيوش والتحالفات، ومهما انخرط في ذلك الخونة والمرجفون والمتآمرون.

وبرهنت صواريخ المقاومة، وآليات الردع العسكرية المحطِّمة لأسطورة الجيش الذي لا يقهر، على أن أي توازن عادل في المنطقة، لا يمكن أن يمر دون وجود جيوش عربية قادرة، تمتلك أسباب وإرادة القوة والمواجهة، تشكل المقاومة الشعبية إحدى روافعها ودعائمها الأساسية، وإن السيادة الحقيقية والاستقلال التام لا يمكن أن يتحقق دون المرور على درب التحدي والصمود و"المغامرة".

وشكل العدوان البربري على الشعب اللبناني، إيذاناً رسمياً باستحالة الحديث عن أي عملية "سلام" مزعوم في ظل الظروف والتوازنات الإقليمية القائمة، ووقع أمين عام الجامعة العربية السيد عمرو موسى على شهادة وفاة كل العمليات والمبادرات الرامية إلى فرض "سلام القطعان"، ضداً على إرادة الأمة واتجاهاتها الشعبية. 

وأثبتت مجريات المعركة تماسك الجسد الثقافي العربي والإسلامي وحيويته، رغم كل ما عاناه المثقفون من عقود القمع والرقابة والمصادرة، وخرج المثقف العربي عن صمته واستحيائه، عائداً إلى ذاته، كأداة تنوير وتثوير، وعنصراً "مستنيراً clairvoyant" في المجتمع، كما سماه المفكر الإيراني الراحل علي شريعتي، يؤدي دوره في "قيادة الحركة في المجتمع المتوقف"، كما وصفه بذلك السيد محمد حسين فضل الله، ويقوم بوظيفته في "تحويل الوجع إلى طاقة"، في تعبير دقيق للشاعر العربي الكبير محمود درويش.

فيما كان رجال ونساء الصحافة والإعلام في مقدمة الجبهات، ينقلون تفاصيل العدوان، وحقيقة ما يجري على الأرض، وأعادت قنواتنا وصحائفنا إلى أسماعنا مرة أخرى تعابير مثل "الكيان الصهيوني"، ومفردات العداء لأميركا وأذناب وأتباع وحلفاء أميركا.

وشكل الموقف الإيجابي من استبسال رجال حزب الله، إجماعاً استثنائياً، توحدت حوله كل القوى السياسية والاجتماعية باختلاف مشاربها، وخرجت القيادات والقواعد اليسارية والاشتراكية والقومية والإسلامية جنباً إلى جنب، في تضامن غير مشروط مع الشعب اللبناني، وفي دعم عفوي للمقاومة الإسلامية بأرض الجنوب، تهتف بصوت موحد مع الجماهير الشعبية العريضة، استنكاراً للعدوان الصهيوني، وشجباً للموقف العربي الرسمي، واستنهاضاً لروح المقاومة والفداء التي كان بعض بريقها قد خبا على إيقاع مشاريع التصفية والتسوية الغير متوازنة.

وأحيت الحرب دور العلماء المسلمين في الوقوف ضد كل محاولات القضاء على ملامح الهوية الإسلامية، فأجمعوا على وجوب نصرة المقاومة، ووقفوا ضد كل الأصوات التي انبرت بالفتوى - بوعي أو بدونه - لخدمة مشاريع الاحتلال وحلفائه.

 وفي استدارة استراتيجية لافتة، حققت معركة لبنان، اختراقاً لكل محاولات تفتيت الأمة، وتشتيت وعيها التاريخي والسياسي، عندما توحدت قلوب المسلمين من شيعة وسنة، حول شرعية المقاومة، وانمحت بذلك كثير من آثار المشروع الأميركي في المنطقة، والقائم أساساً على التقسيم الطائفي للمجتمع العراقي، كمقدمة لتصفية أي إمكانية للوحدة بين مكونات الأمة الواحدة، مهما كانت الخلافات في التفاصيل التاريخية والعقدية الموجودة بينها.

بل إن هذه الحرب أعادت التأكيد حتى على انتفاء الفوارق بين العرب، مسلمين كانوا أم مسيحيين، لأن طائرات العدو وقنابله العنقودية لم تفرق بين مسيحي ومسلم، أو غيرهما، عندما كانت تقصف المباني والمدن والأحياء والبنى التحتية والمرافق الحيوية، التي هي ملك كل الطوائف والأعراق والانتماءات اللبنانية.

وأفرزت الوقائع لدى حزب الله مفردات جديدة، لم يكن يستخدمها من قبل في الصراع، أو استخدمها على سبيل الضِّمن والإيحاء، وهكذا وجدنا قيادة الحزب تنقل المعركة في طفرة واحدة، إلى عموم العرب والمسلمين، إذ أن الحرب هذه المرة، وككل مرة، ليست حرباً بين طرفين أو أطراف إقليمية، بل إنها حرب كل العرب وكل المسلمين، ضد كل الصهاينة وكل المعتدين، وبذلك يكون حزب الله قد راوح خطابه الوطني، ووسع من دائرة المعركة، لتشمل الوطن بمفهومه القومي والوحدوي والإسلامي، وتواجه أي عدوان من خارج هذا الوطن، ومحيط تلك الدائرة، واضعاً بذلك معادلة جديدة للصراع، قد تقود إلى الاستنتاج بأن ثمة اتجاهاً إلى توحيد المواجهة على مستوى الجبهة العالمية، خصوصاً وأن هناك فرقاء آخرين يخوضون الحرب نفسها، وإن كانت بصيغ ومشاريع ومفاهيم وأدوات مختلفة، مشكَّلين من قوى وتيارات أخرى ليست بالضرورة عربية ولا إسلامية، تتناقض مصالحها مع مسالك السياسات العسكرية والاقتصادية الأميركية، والغربية على العموم، ورغم الاختلاف البيِّن بين مشاريع هذه التنظيمات، كما قلنا، فإن موانع تحالفها الموضوعي تتضاءل وتتقلص، أمام حقيقة التقائها على أكثر من هدف وسبيل ومحتوى.

وهو تحد، قد يدخل حزب الله في دائرة لا متناهية من الضغط الإقليمي والداخلي، حول طبيعة أهدافه ومراميه، وصدقية انتمائه الوطني، وحدود مشروعه التحرري، ورؤيته الأممية، ومدى تأثير مسلكه النضالي في مختلف الحركات الإسلامية العاملة في المنطقة، وشبابها المتحمس للتغيير والإصلاح وحتى للمواجهة.

فحزب الله ينفرد من بين مكونات حركات السياسة والمقاومة الإسلامية العربية، بكونه التنظيم الأكثر حفاظاً على محورية الخطاب الوطني في أدبياته وتحليلاته، ومواقفه وعملياته، ورغم أن الحزب يشكل امتداداً حيوياً للمشروع الثوري الإيراني في المنطقة، إلا أن قياداته استطاعت بفعل صيرورة التجاذب السياسي والثقافي في لبنان أن تنسجم مع طبيعة التنوع التي تسم ثقافة هذا البلد وعلاقاته المتشعبة، بدءاً بالفسيفسائية المركبة في المجتمع اللبناني، من تعدد مصادر الولاء والانتماءات، إلى وجوده داخل رقعة جغرافية لا يمكن معها لهذا البلد إلا أن يكون جزءاً من أي حل، أو أي مشكلة، في إطار الصراعات التاريخية والإقليمية الدائرة هناك، الشيء الذي يجعل من لبنان بلداً مركزياً داخل أي مشروع أو مخطط، ترنو إليه القوى المتحكمة دولياً في قرارات الحرب والسلم، وإعادة توزيع مناطق النفوذ.

وليتواجد حزب الله وجود حقيقة، لا وجود مجاز، في هذا المحيط، لا بد له أن يكون طرفاً فاعلاً فيه، إذ إن الوضع السياسي في لبنان يفرض على أي توجه كان، إما أن يكون لاعباً أساسياً في الساحة، يساهم في تحريكها، ويؤثر فيها تأثيراً مباشراً، وإما أن ينزوي ويتراجع إلى المواقع الخلفية، لاعباً احتياطياً في ميدان سياسي شديد الحركة والتفاعل، كما وقع للعديد من الشخصيات والحركات.

وحزب الله هو جزء من الحركة الإسلامية، بامتداد جذري في التاريخ الإسلامي، يستمد أصالته من الانتماء إلى مدرسة آل البيت، التي هي مدرسة الفداء والجهاد والتضحية، قبل أن تكون مدرسة التقوقع والتعصب والشقاق، وهي مدرسة أعطت عبر تاريخها كماً هائلاً من العلوم والمعارف، وكذا ملاحم التضحيات والإباء.

ويستمد الحزب أصالته، أيضاً، من كونه حركة شعبية، جمعت بين مسلكين، قلّما نجحت في التوفيق بينهما حركة مماثلة، على الأقل في التاريخ الحديث، وهما مسلك الوجود السياسي الاجتماعي القائم والفاعل والمؤثر، ومسلك مقاومة الاستعمار بكل أشكاله، ومناهضة الوجود الأجنبي على أراضيها والأراضي المحيطة بها، خصوصاً والأمر يتعلق بخصم وعدو ونقيض استراتيجي، لا يمثل خطراً على حزب الله وحده، وإنما هو كيان يشكل تهديداً إقليمياً لدائرة البلدان المستهدفة من مشاريع ومخططات القوى الكبرى، ويشكل كذلك تهديداً للأمن والسلام العالميين، باعتباره بؤرة لزرع الفتن والحروب والخلافات بين مختلف المكونات في إطار العلاقات والمصالح الدولية.

وقد مكنته أصالته، وشرعيته هذه، من تبوأ موقع القاطرة، بالنسبة لمختلف قوى التصدي والممانعة في العالمين العربي والإسلامي، وهو الحزب الذي شكل الصراع مع العدو الصهيوني مادة وجوده الأساسية، إذ أن إعلان ولادته ارتبط أصلاً بهذا الصراع، فنما وترعرع في أجوائه الساخنة، وبالتالي فلا يمكن أن تنتعش حركته، وتتبلور مسلكيته النضالية، إلا من خلال ممارسته لدوره في المقاومة والفداء، وهي ممارسة تزيده ارتباطاً وتلاحماً بشعبه الصغير والكبير، ووطنه الأبعد من بئر العبد ومارون الراس، ولذلك فإن من يراهن على القوة لإخراج حزب الله من المعادلة السياسية والعسكرية في المنطقة، وإحراج حلفائه المتواجدين فيها، أو المحيطين بها، يكون قد وقع في وهم شديد، يقود حتماً إلى صراع عبثي وطويل الأمد، تؤول حتماً نتائجه وانتصاراته إلى أصحاب الحق الأصليين، شأن "حزب الله" في هذا، شأن كل حركات المقاومة والتصدي المتجذرة في أعماق الأرض قبل الإنسان.

لقد أدخلت حرب الثاني عشر من تموز المنطقة والعالم العربي والإسلامي برمته في منطق علائقي جديد، قوامه الممانعة والمجابهة والتصدي، ضداً على كل مشاريع الهيمنة والتركيع والتفتيت، وعكساً لكل ما حيك ويحاك من إجراءات، وما يُهيأ من أجواء، لبناء كيان مشوَّه تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد"، ولم يبق لقوى الشر والاستكبار من سبيل، سوى استخدام أدواتها ودُماها المتحركة في لبنان والمنطقة، من أجل تحويل النصر التاريخي المؤزر، إلى هزيمة فادحة، وإفساد ثمرة الدماء التي سالت على مزارع الكاتيوشا، وتصوير المسألة وكأنها كارثة عظمى حلت على الديار، ينبغي معها إلقاء سلاح المقاومة، واستغلال نتائج المعركة في بورصة الخذلان والصفقات، تمهيداً لتحقيق نصر موهوم لأطروحة أميركا وإسرائيل، يكسر شوكة العزة والكرامة، بعدما أثبت شهر المقاومة في لبنان الصامد أن العدوان الصهيو أميركي المتواصل، لم يتمخض سوى عن ولادة شرق أوسط "عنيد"