العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

شرق وغرب: الشرخ الأسطوري العظمة لا يمكن إلا أن تنذر بأفول وشيك

الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

(شرق وغرب: الشرخ الأسطوري) عنوان يظهر على الغلاف ذي الوظيفة العضوية، والذي يضم صورتين متنافرتين إلى أبعد الحدود، وبالثنائيات (خلفية سوداء لصورة المسلم - سماء زرقاء وخضرة وبناء جميل خلف رجل غربي)، (غطاء رأس أو عمامة كبيرة وثقيلة، ووجه بلحية كثة - غطاء رأس خفيف مع شعر مهذب ووجه حليق)، (نظرة ساهمة لا تدل على داخل صاحبها - نظرة عميقة وواثقة ومتفائلة)، (خنجر كبير يضعه في حزامه - يد تحمل صليباً ووردة وريشة للكتابة).

صور كأنها طالعة من ألعاب الفيديو وأفلام الخيال العلمي، مفرونة بمشاهد من وسترن توراتي يليق به عنوان: طلبان أو شغف الرعب المقدس. هكذا يصف الدكتور قرم رمزية الصور التي أنتجتها الأحداث منذ اعتداء الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. لقد أفرز الاعتداء صورة حادة في تناقضاتها: نحن والآخرون،.. نحن المتحضرون وهم البرابرة. وهناك من يظن أن هذا الشرخ تمت السيطرة عليه في القرن السابق، من خلال الحديث عن عالم متطور وآخر متخلف، لكن طروحات شبنغلر وتويني التي أعلنت موت الحضارة الغربية، أو عبرت عد حدس بشأن المستقبل القاتم للغرب، ستجد مصداقية في صور الحادي عشر من أيلول / سبتمبر.

ومن هنا يدعو الدكتور قرم إلى النضال من أجل الإبقاء على الحس النقدي والسخرية، والإبقاء على المثالية، والفصل بين المهمات البوليسية التي تحارب محاولات زعزعة المجتمع، والمهمات الفكرية الهادفة إلى بناء عالم أفضل، ذلك أن الجمع بين هذين النوعين. تعزيز للمخاوف والهواجس التي أثارها جورج أورويل في روايته (1984).

الشرخ الوهمي

حاصر الإسلام أوروبا مرتين، الأولى باحتلال إسبانياً غرباً، والثانية عند بلوغه مشارف فيينا شرقاً (العثمانيون). كما حاصرت أوروبا، بدورها، الشرق مرتين، أولاً مع حملات الصليبيين، وثانياً مع الغزو الأوروبي الاستعماري، من المغرب حتى آسيا الوسطى المسلمة. لكن هذا الشرخ بين الشرق والغرب لا يقتصر على الشرق المسلم، فالخطر الأصفر هو، أيضاً، عالم غريب بالنسبة للغرب، وأن تراجع هذا الشرخ مع النجاحات الاقتصادية المذهلة للعرق الأصفر.

أما مصدر النظرة التحقيرية الغربية فهو عجز العرب عن صد الغزو العسكري منذ غزو نابليون لمصر عام 1798، إلى الغزو الصهيوني لفلسطين، إلى حرب الخليج الثانية 1991، ومن ثم الثالثة عام 2003.

وكان الأكثر خطورة هو الأيديولوجيا الآرية، والخرافات الجرمانية التي استعادها الموسيقي رتشلرد فاغنر كشكل أعنف لمعاداة السامية، وقد سعت النازية إلى إثبات الشرخ الوهمي في الواقع الفعلي. وفي السنوات الثلاثين الأخيرة جرى دمج اليهودي في الثقافة الغربية على حساب إقصاء متعاظم للإسلام، وتكريس لدولة إسرائيل، مع تثبيت وهم أن العرب واليهود لا يمكن إلا أن يتفاهموا في فلسطين لأنهم أخوة في العرق السامي، وهذه الفكرة الأخيرة يراها الدكتور قرم في مسار فرنجة كل الثقافات.

ويكفي أن نسأل هنود الأميركيتين، يقول قرم، عن رأيهم في الحرب الدينية والأخلاقية، التي صيرتهم، باسم المسيحية، كتلة من التعاسة والشقاء.. فهل كان هناك في أميركا شرق وغرب؟.

تفوق أوروبا

رأى ماكس فيبر أن تقدم الرأسمالية الغربية ارتبط مباشرة بالبروتستانتية، كما رأى رينان أن تخلف الشرق ناتج عن بلادة الذهن السامي. من البديهي أن الرد على ذلك يأتي من استحالة فهم النهضة دون غرتنبرغ، ومايكل أنجلو، وميكافيللي، وسبينوزا، وديكارت، وغاليليه، وغيرهم، وهم أبعد ما يكونون عن البروتستانتية وفوراتها الأصولية المسعورة في المراحل الأولى الثورة الصناعية، آل بها الأمر إلى أن تصبح القوة العظمى في أوروبا،.. والنهب الاستعماري لا يفسر وحده ازدهار أوروبا، فسبب انحطاط إسنانيا، الذي جعلها أفقر بلدان أوروبا، كان النهب الاستعماري، والدماء التي أراقتها فرنسا من دماء بعض الشعوب لم تجن منها فرنسا فائدة اقتصادية حقيقية.

لكن الفكر الغربي لا يتورع في كل مناسبة عن الاستنجاد بالدين والقيم الدينية لشرح كل كبيرة وصغيرة في حياة الشعوب، والغرب هو نفسه أول من نجح في الخروج من الرؤية الدينية للعالم والفكر الميتافيزيقي. ويتساءل الدكتور قرم فما بالنا، إذا، بخلط الدين أو العرق بكل كبيرة وصغيرة.

فردانية الغرب والهوية

ترجع مصادر الفكر الغربي التقدم الذي أحرزه الغرب إلى المبادرة الفردية، والرشدانية الغربية، التي أنتجت النظام الرأسمالي، وقد نسيت ذاكرة الغربيين خمسة عشر قرناً من جبروت الكنيسة، عندما كان الفصل بين الديني والزمني لا وظيفة له إلا تأكيد أسبقية الديني على الزمني.

فالديني المسيحي
-  اليهودي في الحضارة الغربية حاضر دائماً، وخاصة في البروتستانتية، وقد دشن توما جفرسون عام 1805 ولايته الثانية بابتهال إلى إله إسرائيل.

وعلى المستوى السياسي ينظر إلى الشرق كقنبلة ديموغرافية ستحاصر الغرب المسيحي الذي يتناقص عدداً. فهذا الغرب الغارق في البلوى والنعيم، المتأرجح بين ما يدعيه من رشدانية، ومن قدسية رسالته، هو الغرب المحصن ذو السراديب الفكرية المخيفة التي افتضحت بعد الحادي عشر من أيلول / سبتمبر. وانظروا إلى سيرج موسكوفيتشي يقول ها هي القوة (أي قوة العرب) محاصرة بالمشاعر نفسها التي يثيرها الديني من إجلال وخشية!.

كما أن الثقافة الغربية تقول، بسهولة قل نظيرها، الشيء ونقيضه في آن. ويستطيع مفكرو الغرب الكبار أن يرفعوك إلى قمم المعرفة والفكر، كما يمكن أن يرموك في مثالب الأفكار المسبقة الزائفة والمبتذلة. فالثقافة الغربية تقوم بعمل دؤوب ومستمر لبناء، ومن ثم تفكيك ما تنتجه.

وهنا لم تفلح إضافات علم التحليل النفسي، والأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، إلى الفكر النقدي، في مجال دراسة الظاهرة الدينية والعرقية، في فرض مناخ علمي موضوعي يقلل من شأن المد الجارف للخطاب النرجسي للهوية المتداول في الغرب كما في خارجه. وهذا ما يطرح التساؤل عما إذا كانت إعادة الاعتبار القوية لدور الدين في الأبحاث والتحليلات انتصاراً للثقافة الأنغلوسكسونية المطبوعة بالبروتستانتية، وتمسكها بالنماذج التوراتية الأساسية، أم أنها ليست إلا نتيجة رسوخ سوسيولوجيا فيبر حول أهمية الأديان في الأذهان، أم مزيجاً من الاثنين معاً؟

الاستشراق

يفترض نقد الخطاب الاستشراقي وجود عداء إرثي الطابع بين الشرق والغرب، ما يعني صعوبة تكفيك الأسطورة المنسوجة حول الشرخ بين الشرق والغرب، فهذا التفكيك لا يهدف إلى تأجيج العداء، بل الحد منه، وإظهار أثره المشؤوم في اللاوعي الجماعي الذي يرتوي، رغم التطور المزعوم للعلمانية، من معين النماذج التوراتية الأولى، وهذا ما أظهره ادوارد سعيد في كتابه (الاستشراق).

وفي ما يتعلق بتفسير ظاهرة الانفتاح التي ميزت الحضارة الإسلامية الأصلية، فالسبب الأول هو احترام النبي للتاريخ التوراتي، حيث لم يشكل إسلام النبي محمد قطيعة مع الأديان التي سبقته، بل كان استمرارية واستكمالاً لفكرة التوحيد، ومحاولة لتعزيزها بعد أن أخفق كل من اليهود والمسيحيين في الحفاظ على الفكرة التوحيدية على أكمل وجه.

والسبب الثاني لانفتاح الإسلام هو عدم وجود إكليروس (طبقة رجال الدين) في الإسلام.

لكن الإسلام بعد ما حدث في الجزائر، خاصة، وازدياد عدد وحجم الجاليات الإسلامية في أوروبا، أصبح يثير مخاوف الغربيين، فهو قنبلة ديموغرافية تحاصر الغرب. ماذا يفعل الغرب، إذن، حيال ذلك؟

جزء من الإجابة موجود في المسار المستقبلي لتطور الفكر الغربي والسياسة الدولية. فالثقافة الغربي لا يمكن توقع ردود فعلها، لأن طابعها الأساسي هو بعدها الجدلي والتناقضي، وصعوبة إيمانها بقناعات ثابتة، وكذلك طابعها النضالي والأيديولوجي الذي اتسمت به منذ عصر النهضة: خطاب نرجسي للذات وتحقيري للآخرين.

 النظام الدولي

مر الغرب بحروب أهلية وقومية ودينية سبقت الحرب الباردة، من المجازر التي تعرض لها الغجر إلى الإبادة التي تعرض لها هنود أميركا، إلى إنشاء دولة إسرائيل.

ثم زالت الفقاعة الاقتصادية لنظام العولمة، وانتقلت إلى خارج الغرب: المكسيك (1994)، جنوب شرق آسيا (1997)، روسيا (1998)، تركيا والأرجنتين (2000)، فقط كانت الصين والهند خارج المعادلة، فالهند حافظت على نظامها الديموقراطي، والصين بقيت مجتمعاً معقداً ومرشحاً لمزيد من الفروقات الاجتماعية والمناطقية.

هذا بينما تلقى الشرق والإسلام نار انفجارات الغرب ما بعد أحداث أيلول، فالغرب الذي يهوى إطفاء الحرائق بعد إشعالها يخترع الذريعة التي تسمح له بلعب دول المنقذ، فكيف إذا تجرأ أحدهم على اختراق حدود نفوذه!. وهكذا حل محور الشر محل إمبراطورية الشر المنهارة (الاتحاد السوفياتي).

إذاً، فالشرخ بين الشرق والغرب هو أسطورة أو وهم، فلا أحد يستطيع الإجابة على السؤال: أين حدود الشرق وحدود الغرب، وهل للشرق والغرب سمات أبدية، سرمدية، لا تتغير؟.

يقع هذا الكتاب في سبعة فصول وخاتمة (215 صفحة).

والدكتور جورج قرم مفكر وكاتب وسياسي واقتصادي لبناني. خبير اقتصادي في من بيروت وباريس والجزائر. عين عام 1998 وزيراً للمالية اللبنانية في حكومة الدكتور سليم الحص. يهتم بالكتابة حول أزمة الهوية في كل من الشرق والغرب، وقد نشر العديد المؤلفات الفكرية والاقتصادية، والسياسية، التي ترجم بعضها إلى لغات مختلفة.