العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

المواطَنة ... وإمكانية المقاومة والنصر

نجيب نصير
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 
New Page 1

المواطَنة ... وإمكانية المقاومة والنصر ... وضع الحصان أمام العربة

في مقارنة أولى بين ما حصل في آخر حربين قامت بهما جيوش الأطلسي على دولتين هما يوغوسلافيا والعراق، نلمس الفارق الحقوقي الواضح في التعامل مع الشعوب تحت الاحتلال من قبل المحتل، حيث يمكننا إرجاع هذا النوع من التعامل، ولو جزئياً إلى الحالة الحقوقية لشعب هذه الدولة أو تلك إلى ما قبل الحرب، لتبدو هذه الحالة قادرة على فرض مستوى أخلاقي، لا يستطيع الاحتلال تجاوزها أو تبريرها في حال حصولها، فالمستوى الحقوقي يفرض نوعاً من احترام للذات القومية والمجتمعية، تجعل من المقاومة أمراً حتمياً ولكنه من نفس المستوى الحقوقي الأخلاقي للشعب المحتل، من هنا يمكننا عقد مقارنة، ليس حول مفهوم المقاومة فحسب، بل حول أدواتها ووسائلها وأساليب تنفيذها، لتبدو المسألة برمتها كدائرة مغلقة يتعلق مستواها الحقوقي الأخلاقي بنتائجها، ولعل (النضال) العراقي وتحولاته ومآله، بالمقارنة مع النضال (اليوغوسلافي) يعودان (ولو جزئياً كما قلنا) إلى الحالة الحقوقية قبل الاحتلال، فالشعب الذي لا كرامة له ولا حقوق قبل الاحتلال، ينظر إليه كذلك من قبل المحتل، لذلك يبدو أن إيغال أي محتل في غيه ما هو إلا نتيجة لهوان العقل الذي لم يصل إلى الحد الأدنى من تفهم وقبول الحقوق الإنسانية كما اصطلحت عليه الإنسانية في هذا العصر. هذه الحقوق التي تجعل من احترام الذات قاعدة انطلاق لمقاومة تعي مطالبها وأساليبها وأخطائها، ليصبح النضال ضد الاحتلال هو نفسه نضالاً للارتقاء بالمستوى الحقوقي للإنسان، وبالتالي عدم الوقوع في شبهة الإرهاب الساذجة، ليبدو الشعب الواقع تحت الاحتلال يستحق ما حل به.

قد تكون هذه المقدمة بعيدة بطريقة ما عن موضوع الحرب الأخيرة، والتي يخطئ الكثيرون في اختصار خصوصيتها على تجربة حزب الله في بقعة جغرافية محدودة هي الجنوب اللبناني، لتصبح أسباب هذه الحرب محصورة بأسر جنديين، ونتائجها محصورة بتدمير البنية التحتية للبنان، ومفاعيلها هي انتصار يمكن تأويله، أودحضه، أو تأكيده في مستويات كلامية لا ترقى إلى مستويات الحوار المجتمعية، والتي تعزل تجربة حزب الله في محاولته البنائية للعودة بالكائن البشري المستباح إلى معيار (ستاندرد) حقوقي يحترم ذاته بناء على إنجاز حقيقي على الأرض، يمكن نظرياً الدفاع عنه. كما أنه يدافع عن الجزئيات بـ الروح نفسها المدافعة عن الرئيسيات، حيث ينتفي الفارق بين الجزئي والرئيسي عند الكائن البشري المعرف حقوقياً، لتصبح المسألة برمتها مسألة إنتاجية بنائية، حتى لو عبرت الخراب والدمار والدماء، ومن هنا يبدو الخوف وعدم التصديق والاستكثار، ومحاولات تفسير هذا النوع من النصر ـ كمساجلات كلامية تريد الابتعاد عن هذا           (الستاندرد) الحقوقي الذي يحاول تكريسه، والذي يتعاكس تماماً مع الإقطاعية السياسية، والاستعراضية النضالية، والاستثمارية الزعامية، ومع الاستبدادية الشعاراتية ...إلخ، ليتجاوز ويفضح كافة النماذج التقليدية والمجربة من الأداء الاجتماعي، والسياسي هو جزء من هذا الأداء، على الرغم من عدم وصوله إلا إلى الحدود الدنيا من هذا الستاندرد الحقوقي، من هنا يحق لنا أن نسأل... ماذا لو أن حزب الله استطاع أن يحقق مستويات حقوقية عالية؟؟؟

من المؤكد أن تصبح مسألة إلغاؤه أو تحجيمه مسألة يتفق عليها الجميع في الداخل والخارج، حيث شكل أداؤه الذي  كشفته الحرب حقوقاً تترتب على الحزب، أو القائد السياسي، تجاه المواطن، يحققها عن طريق الدولة ليعود الحزب أو الزعيم السياسي، مكلفاً، وليس مشرفا بموقعه القيادي، مكلفاً ليس بأداء الحقوق إلى أصحابها فحسب، بل بتطويرها والاتقاء بها، من هنا تبدو كافة محاولات تفريغ النصر هي محاولات للاستمرار بالأداء السياسي التشريفي، الذي يعني تماماً الإقطاعية والاستعراضية والاستبدادية والاستثمارية، حيث تبدو عمليات التفريغ هذه لا تقتصر على العداء المماحك الصريح، وإنما تمتد إلى الشعاراتية الأهزوجية، كوصف الصمود بالمعجزة، والتي تحيلنا إلى ما بعد حرب الـ 67 حيث تمدد الفكر الخرافي ليجعل من حاجتنا للخوارق حاجة طبيعية ترافقها مجموعة من الطقوس والمعتقدات هي السبيل الوحيد للخلاص من المعيقات التي تفصلنا عن احترامنا لذاتنا، فتم استغراقنا تماماً في الشأن الديني الطقوسي الماورائي وأنتج هذا الاستغراق تحركات من المرتبة الحضارية لهذا الاستغراق، وأتى صمود المقاتلين في معركة 2006 وكأنه تتويج لهذا الاستغراق، فتم تفسيره على أساس المعجزة، ولكن الحقيقة التي لم يخبئها حزب الله (على الرغم من طاقته الإيمانية الكبرى) هي أن العقلانية العلمية، والعمل على تحويلها آلة عقلانية معرفية كانت وراء هذا الصمود، الذي يمكن تسميته انتصاراً بالقياس إلى تاريخ الصراع وميزان القوى، فالمسألة لم تكن معجزة بتاتاً، وإنما الهوان الحضاري، ومنه الحقوقي بشكل أساسي، جعلنا لا نصدق أن هناك إمكانية لدحر العدو بالطاقة الاجتماعية، والتي لا يمكن الحصول عليها من خارج القياس العلمي/المعرفي (مع الاحترام العميق للمسألة الإيمانية ومقدرتها على دعم هكذا أداء) وهو الذي حصل من خلال ممارسة حداثية استمرت لأكثر من عشرين عاماً، وأثبتت خلالها خطأ الممارسات السياسية، باعتمادها الأخلاق الحداثية، من صدق، وأثرة ، ونظافة كف،ودقة،ومبادرة،واحترام إمكانيات الفرد المجتمعي، واستفادة من التجارب، وقبول النقد وحتى الانتقاد، وممارسة الأمان الاجتماعي، وممارسة الماسة في الفعاليات الاجتماعية، ما بدا مثالياً بالمقارنة بما يحصل على الأراضي السياسية العربية التي تعاني من انهيار حضاري، استتباعاً للانهيار الحقوقي المواطني، لتصبح محاصة حزب الله للدولة منطلقة من قيامه بواجباتها، وهنا ليس المقصود الأداء الفيزيائي، وإنما الأداء الحقوقي، الذي يقود تربوياً إلى احترام مفهوم المواطن وقيم المواطنة المؤجلة حتى ساعة إعداد هذا النبأ. ومع كثافة العمل الذي قامت به كوادر حزب الله، وهو عمل عقلاني علمي، كان هناك عمل عقلاني وعلمي ذاتي، انصب على الكوادر ذاتها فهذه الكوادر بشر، وليسوا بملائكة، والالتزام الأخلاقي في جوهره هو التزام حقوقي يصبح فاعلاً بسبب التربية، وبسبب الضبط الحقوقي للمؤسسات، بالإضافة إلى الاعتقاد بالجدوى الحضارية لهذه المؤسسات، حيث بدا أن هذا الحراك قد خلا من الفساد والتربح والاستبداد (بالمعنى العام) ويعد بارتقاءات متوالية، لتصبح الثقة بهذا الحراك ليست مجرد تعاطف خيري، وإنما مشاركة موضوعية فاعلة، وهذا كله عكس المعجزة، إلا إذا صدقنا أننا فاشلون لا نستطيع القيام بحراك شريف وبناء وناجح، ومن هنا نحتاج إلى معجزة، ولكن الحقيقة أن حزب الله (بغض النظر عن الاختلاف الأيديولوجي، العقلاني هو الآخر) استطاع بالعمل والتخطيط أن ينجز انتصاراً على مستوى البنية الاجتماعية، البنية الاجتماعية المكلفة أصلاً بإحراز الانتصارات في حال تم احترامها، وصولاً إلى احترامها لذاتها.

الاستكثار، أو التفريغ الثاني، الذي واجه هذا الانتصار، هو تشبيه  السيد حسن نصر الله بعبد الناصر، ولكن لا السيد في وارد تشبهه بأحد، ولا عبد الناصر بالمثال المناسب، فالسيد رفض في كل تصريحاته وأدائه تحويله إلى زعيم واحد أحد تتبعه القطعان البشرية طوعاً أو إجباراً (على الرغم من ردود فعل الناس المعتادون على هكذا نوع من الولاء) وإنما أراد أن تكون العلاقة على قاعدة حقوقية معاصرة، لأنها الوحيدة القادرة على الإنتاج والإنجاز، حيث أنه لم ينس أنه يعيش في القرن الواحد والعشرين، الذي ينتفي فيه العقد الاجتماعي المتضمن الولاء مقابل الجنة (كما في حالة الأحزاب الدينية)، أو العقد الاجتماعي الولاء مقابل الوعود والشعارات (كما في حالة الأحزاب الثوروية الاستعراضية) من هنا جاء الأداء السياسي لحزب الله والسيد جزء منه (يقول، دوماً، نحن في حزب الله) وعلى الرغم من صدقه المناقبي، جاء أداء معاصراً معقلناً يعرف حسابات الممكن، وتكتيك توزيع الإمكانيات، بواقعية غير متهورة، أو مبهورة، أو متسلطة، ولا متهاونة، والأهم لا تبحث عن تفاسير في تحوير الكلام (مثل تحويل الهزيمة إلى نكسة، ومن ثم إلى انتصار) من هنا يبدو أي تشبيه للسيد حسن نصر الله، على الرغم من عدم فرادة تجربته، وإن نجحت بشكل مفرد، يبدو تشبيهه بأي كان هو محاولة لتمييع التجربة، بحيث تضعه في موقع من ينتظر المكافأة، مع أنه ينتظرها، ولكن على صعيد وطني وقومي يتناسب مع الغايات التي طرحها، ومن جهة عبد الناصر، فإن التاريخ وأدبيات تلك المرحلة أثبتا أنه زعيم في ظروف مختلفة، ومن نوعية مختلفة تماماً، لتبدو النسبة لعبد الناصر كعودة إلى الزعامة في نوعها التقليدي، غير المضبوطة بتعاقدات حقوقية يخضع لها المتعاقدون، على عكس حالة السيد، المستعد دوماً، للقيام بواجبه تجاه هذا العقد، ودفع الثمن السياسي المترتب، لتتحول حالة الزعامة، أو ما يمكن تسميته حقوقياً ـ تسليف ثقة ـ إلى حالة ممارسة عملياً، تبحث وتعمل على النجاح في تسديد التزاماتها، دون البحث في وعن ذرائع التملص من هذه الالتزامات، من هنا يبدو السيد حسن نصرالله كزعيم طبيعي، وليس استثنائياً تصنعه الديماغوجيا، أو صيحات الموالاة المصنعة خصيصاً لكل زمان ومكان وزعيم.

من هنا تبدو الحاجة إلى ميزان نقدي جديد للتعامل مع المقاومة أداء وانتصاراً وزعامة، وهذا الميزان ليس جديداً بالمعنى الزماني، وإنما جديداً بمعنى تفعيل المنطقي للقيم والمفاهيم المعلومة من قبلنا، ولكنه مصادرة لصالح  مبدأ إدارة الأزمات في منطق الاستقرار، أو الهروب إلى الأمام عند السياسيين، فالمقاومة ليست وليدة أخذ العلم بالاحتلال، أو أخذ العلم بقلة العدالة والمساواة، إنما هي نتيجة المعرفة بالمواطنة وحقوقها وواجباتها، وهي واجبات وحقوق دنيوية تماماً، تنطلق من مفاهيم فلسفية معاصرة وقابلة للتطبيق، عبر التخطيط والعمل والإنتاج، وليس من الطبيعي التعامل معها نقدياً انطلاقاً من مقاييس بالية تشبه البنية السياسية الناتجة عن البنية الاجتماعية البالية (حقوقياً على الأقل) هي الأخرى، في محاولة لإعادتها إلى العقلية الاجتماعية التقليدية، وفي محاولة لتفريغها تحت ذريعة محاولة الفهم والإفهام، ليبدو الاختلاف هنا على قاعدة النوع، وليتحول الحوار هنا إلى حوار طرشان ناتج عن التعليب المسبق لفكرة المواطَنة ودرجاتها، حيث تبدو في الطرف التقليدي مشروطة تماماً، بما يتعاكس مع حقوق الإنسان، وبالتالي خضوعها لعقد اجتماعي عبودي و مطاط وحمال أوجه، وفوق كل هذا مؤجل إلى ما بعد انتصار المقاومة الموعود، والى حينه فكل شيء مباح من الفساد حتى القتل، ليظهر أن كل ما اجترحته المقاومة سياسياً واجتماعيا وعسكرياً ما هو إلا وضع الحصان أمام العربة، وهو الذي لم يخطر على بال أحد.