العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

قانا الجليل 1996 - 2006 تكرار المجزرة

مازن يوسف صباغ / كاتب سوري
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

 

قال شاعر العرب الراحل الكبير نزار قباني:

دخلوا (قصفوا قانا)...

كأفواج ذئاب جائعة...

يشعلون النار في بيت المسيح...

ويدوسون على ثوب الحسين...

وعلى أرض الجنوب الغالية.

طوال ثلاثة أسابيع من الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، كثر الحديث والتحليل والمقابلة ما بين عدوان عام 1996 وعدوان عام 2006، وقد تنبأ العديد بأن العدو الإسرائيلي، وأمام الهزائم المتلاحقة التي تلحقها به المقاومة اللبنانية الباسلة في الجنوب لا بد أن يصب جام حقده على المدنيين اللبنانيين الأبرياء، فيما لم يشك أبناء الجنوب اللبناني الصامدون بأن إسرائيل بصدد تنفيذ مجزرة جديدة بحقهم، لكن استهداف قانا مرة ثانية كان المفاجأة - الفاجعة الكبرى.

لماذا قانا مرة أخرى؟ هل لتؤكد إسرائيل من جديد للبنانيين بأنها لن تسمح للبنان ولأطفال لبنان أن ينمو ويكبروا في سلام وأمان، فتعود لتقتل الجيل الذي ولد بعد المجزرة الأولى؟ هل لأن سلاح الجو الإسرائيلي لم يرض بأن يحتكر سلاح المدفعية سجل الجريمة الأكثر بشاعة، ويعود ليثبت أنه السلاح الأكثر إجراماً وفتكاً في ترسانة دولة القتل والإرهاب والتدمير؟ هل لأن المدينة التي أظهر فيها يسوع المسيح أولى معجزاته وأظهر مجده فآمن به تلاميذه([1]) هي الدليل الحي على تنكر اليهود الصهاينة لله وأنبيائه ورسله، فيجب تدميرها وقطع نسل أهلها؟

تعود قانا بعد المجزرة الثانية التي حلت بأهلها لتؤكد مع أخواتها في غيرنيكا([2]) وروتردام([3]) ولايبزغ([4]) أن تزويد السلاح لأناس يملأ قلبهم الحقد والإجرام يعني تزويدهم بالوسائل لتنفيذ المزيد من عمليات القتل والتدمير، وأن لا فرق بين من يطلق الصواريخ على الأطفال وبين من يزود المجرمين بتلك الصواريخ، ويعود الإسرائيليون ليؤكدوا أن ظمأهم لدم الأطفال، العرب لم يتوقف بعد مجازر قانا الأولى، ومدرسة بحر البقر([5]).

في اليوم التالي للمجزرة، يؤكد رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت - ولمرتين متتاليتين - أن إسرائيل لا تعتذر عن المجزرة، وذلك كأكبر دليل على تعمد القيام بها، ويوجه بذلك صفعة لكل من يحاول أن يعتذر بالنيابة عن إسرائيل ويبرر أفعالها، فإلى متى يمكن للعالم أن يستمر في السكوت على هذا السلوك الإجرامي؟ وإلى متى سيتعامى العالم عن حقيقة كون الصهيونية لا تقل إجراماً وعنصرية عن النازية والفاشية؟ وأن على العالم أن يتحد ليضع حداً لها كما وضع حداً للنازية والفاشية؟ وكيف يمكن لأميركا أن تنفي عن نفسها تهمة التواطؤ والتسهيل لارتكاب الجريمة بعد تزويدها لإسرائيل بالقذائف والصواريخ خلال العدوان - متجاهلة جميع القوانين والأعراف الدولية التي تقتضي إيقاف شحنات الأسلحة للدول المعتدية - وبعد ارتكاب إسرائيل للمجازر، فيما وزيرة الخارجية الأميركية تنام قريرة العين في ضيافة دولة القتل والعدوان.

وبعد الصور المروعة لأجساد 37 طفلاً دون السادسة تنتشل من تحت الأنقاض، و مئات الضحايا من الشيوخ والأطفال والنساء، هل هناك مجال لمزيد من الحرتقات والمناورات السياسية؟ إلى متى يستطيع الضمير الإنساني تحمل المزيد من القتل والتدمير، إلى متى يستطيع البشر النظر إلى صور الأطفال الـ 37 القتلى بلا مبالاة، والانطلاق في مزاولة حياتهم وأعمالهم كالمعتاد؟ أما آن الأوان للجم الوحش، وفرض قرار يوقف العدوان الإسرائيلي؟

طوال ثلاثة أسابيع يقاتل المقاومون العدو وجهاً لوجه، يوقعون الخسارة تلو الأخرى بنخبة قواته، ويذلون عنجهيته وكبرياءه، ويدفعون جنوده للبكاء أمام شاشات التلفزة، بعد يقينهم أنهم مهزومون.. طوال ثلاثة أسابيع والعدو يدمر البنى التحتية ويقصف المدنيين ويجهر المواطنين، ويقتل الأطفال، ويهدم البيوت والمساجد والكنائس والحسينيات والمدارس، يدمر ويهدم كل شيء، فيما المقاومة مستمرة، وأهلنا في لبنان صامدون يصيحون: النصر آتٍ آتٍ آت.

في قانا كانت أعجوبة السيد المسيح الأولى، وهناك دعا وعلم الناس المحبة، وفي قانا 1و2 وبقية قرى الجنوب، حّول الصهاينة الأطفال إلى أشلاء، وأكدوا للعالم مرة جديدة تمسكهم بالكراهية والحقد، ومبدأ القتل المستمر.. فهل نقبل أن تصبح هذه هي القاعدة، وأن يسيل الدم مع كل عقد من الزمان، أو جيل من البراعم؟

 

 الهوامش


[1] إنجيل يوحنا الإصحاح الثاني الآية 11

[2] مدينة في إسبانيا دمرها الفاشيون خلال الحرب الأهلية الإسبانية.

[3] مدينة في هولندا دمرها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية.

[4] مدينة ألمانية دمرها سلاح جو الأميركي بعد وقف إطلاق النار في الحرب العالمية الثانية.

[5] مدرسة ابتدائية مصرية دمرها الطيران الإسرائيلي.