العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

بسط سلطة الدولة على الأجواء اللبنانية

بقلم يوسف فرح
الخميس 14 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

خاضت المقاومة اللبنانية أشرس وأطول المعارك مع الجيش الإسرائيلي المهاجم، وتمكنت من الصمود في مواقعها لنحو 33 يوماً، وكبدته خسائر فادحة، ومنعته من تحقيق أهدافه، في موقف أذهل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وبشكل لم يتوقعه أحد، لا في العالم العربي، ولا في الولايات المتحدة الأميركية وهذا الأمر طرح تساؤلات عن السر الكامن وراء هذا الصمود، وماذا يفيد لبنان من هذه المقاومة، وكيف يمكن تطويرها لمصلحة لبنان، وسط طروحات تتراوح بين نزع سلاح حزب الله، وجعل المقاومة قوة للدولة.

لقد انطلقت المقاومة من عدالة قضيتها، وقدسيتها، وتسلح المقاومون بمعنويات عالية، وإيمان صادق وعميق، وليس من المغالاة أبداً أن المقاومين يعشقون الشهادة، ولهذا لم يفكر أحدهم بالتراجع مهما كانت الأسباب، وطغت قدسية المهمة على غريزة الحياة، ومن الواضح أن المقاومين اكتسبوا مهارة كبيرة في استخدام الأسلحة، وخصوصاً الصواريخ أرض أرض، التي أصابت أهدافها بدقة واضحة والصواريخ المضادة للدبابات التي أحدثت مجزرة للميركافا، جعلت ثلاث دول هي تركيا والهند وتشيلي تلغي صفقات مقررة من هذه الدبابة، بعدما تكشف ضعفها أمام نيران المقاومين. وأحدث تدمير الميركافا، والإصابات البشرية العالية الناجمة عنه، ذهولاً في إسرائيل، ولم تستطع قوات النخبة من لواء غولاني، والنحال، أو الإيغوا، أو مغاوير البحر، أن تحقق إنجازاً واضحاً ضد المقاومين، الذين استمروا، خصوصاً في الأيام الأخيرة للحرب، بإطلاق صواريخهم على أهداف في شمال إسرائيل، وفي صيد الدبابات والآليات الإسرائيلية.

إن سلبيات الحرب الأساسية كانت فقدان الدعم الجوي، حيث لا قوى جوية لدى لبنان، وطبعاً لدى المقاومة، بإمكانها تقديم أي دعم جوي، بل والأسوأ من ذلك أن لا قوى جوية ولا دفاع جوي يستطيع التصدي للطائرات الحربية الإسرائيلية، التي استباحت الأجواء اللبنانية طوال أيام الحرب، وقصفت ودمرت البنى التحتية، وأحياء سكنية، وقرى، في مختلف المناطق اللبنانية، وخصوصاً في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، وصولاً حتى عكار،.. هذا الانكشاف الخطير للأجواء اللبنانية أدى إلى وقوع خسائر كبيرة، ناهزت الألف قتيل، وأربعة آلاف جريح، وأضرار مادية تتراوح قيمتها بين مليارين وأربعة مليارات، حسب التقديرات المتفاوتة.

لقد أبلى المقاومون بلاءً حسناً في الميدان، وتمكنوا من منع العدو من التقدم إلى الداخل اللبناني، حتى إلى المناطق التي أعلن عنها مرة بإدعائه الوصول إلى الليطاني، ومرة أخرى إلى 6كلم، ومرة الإحتفاظ بعشرين قرية...

إن المسألة التي يجب أن تطرح أمام كل النخب والمثقفين والساسة والمعنيين بالشأن الوطني العام هي ما حدث في الأجواء اللبنانية من استباحة واضحة، وكيف يمكن وقف هذه الاستباحة، ذلك أنها هي أساس كل ضرر لحق بالبلاد من بشر وحجر. وبدلاً من التفكير بهذه المسألة، سارع البعض إلى طرح نزع سلاح المقاومة علَّ إسرائيل تشفق علينا، وتعزف عن العدوان، بينما طرح البعض ضم المقاومة إلى الجيش، واستخدم كثيرون شعار بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

إن سلطة الدولة في هذه الحرب كانت موجودة على كل الأراضي اللبنانية، من خلال المقاومة الوطنية التي منعت العدو من التقدم، وأوقعت به الخسائر، ومن خلال الجيش اللبناني والقوى الأمنية في الداخل. كيف تكون سلطة الدولة إذا لم تكن بمنع العدو من الدخول إلى أراضينا، والتصدي لعدوانه وردعه بالقوة، هل سلطة الدولة تكون بوقف المقاومة، وفسح المجال للعدو بإدخال سلطته إلى لبنان، دون مقاومة، أو تصدًّ؟

إن المعنى الأساسي لسلطة الدولة تحقق بواسطة المقاومة، لكن سلطة الدولة كانت فعلاً غائبة في الأجواء الوطنية، لماذا لا نبحث في بسط سلطة الدولة على الأجواء اللبنانية، لأن الضرر يأتي من استباحتها، إنه ليس حلماً، إنه يتحقق كما تحقق الدفاع عن الأرض. يمكن للنخب اللبنانية أن تبحث جدياً في إعداد دفاع جوي لبناني لحماية الأجواء اللبنانية. إنه قطعاً ليس عملاً عدائياً ضد أحد، وليس موجهاً ضد أية دولة، بما في ذلك إسرائيل لمن يهمه الأمر، المطلوب هو حماية الأجواء اللبنانية، والقضية المركزية المتداولة اليوم يجب أن تكون بسط سلطة الدولة على الأجواء اللبنانية.