كيف ينظر المثقفون السوريون الى الأحزاب ؟

العدد 3 - أيلول 2005 : استطلاع بادية ونوس
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 
يقول الحزبيون: لقد خرج المثقفون من معاطف الأحزاب، فنحن صنعنا أهم الأسماء الشعرية والأدبية. يردد المثقفون : لقد تكلست الأحزاب، ولم تعد قادرة على التطور..

أنا والأحزاب

خيري الدهني

يقول الحزبيون: لقد خرج المثقفون من معاطف الأحزاب، فنحن صنعنا أهم الأسماء الشعرية والأدبية.

هذا كلام صحيح بنسبة 95% في سورية، وكوريا، والاتحاد السوفياتي، وكل البلاد التي سيطر فيها حزب واحد على الحكم لزمن طويل، فتقمص دور المجتمع كاملاً بكل نشاطاته، حلّ الحزب محتكراً محل الناشر، والموزع، ومعلق الصحيفة، و المروّج، ومانح الجوائز. وحارم غير المرضي عنهم من كل إضاءة إعلامية، ومحل المانح والمانع، والواهب والحاجب فصار معظم الكتاب والصحفيين والناقدين خريجي بيوت الحزب البلاستيكية بأوامره يأتمرون وبنواهيه ينتهون، ثم لم يكتف المنتفعون من كتاب وصحفيين وإداريين بتنفيذ طلبات الحزب، فسرعان ما صاروا يلعبون لحسابهم الخاص فيمنحون من يطريهم، ويمنعون عمن لا يمدح ما ينتجون، وصار كل ديك على منبر من صحيفة أو مجلة، أو فتحة نشر الأول والآخر وسيد الكتابة ومبدعها، والمانّ عليها بكتاباته إلى آخر ما يستطيع منافقو كل فترة حرجة كهذه أن يبدعوا.

في أوائل الستينات صدر قانون يحرم كل مثقفي وصحفيي وإعلاميي ما قبل حركة آذار من حقوقهم المدنية، ومن وظائفهم ومن العمل في الحقلين الثقافي والإعلامي بتهمة أنهم انفصاليون وضاع في هذه الموجة كل من أمسك قلماً قبل ذلك القرار ثم أعيد بعضهم بعد تقديم الاعتذارات والتوسلات والوعود بأن يكون من أفضل منفذي ما يريده سادة النظام الجديد، واختفى الكثيرون ما بين العواصم العربية والعالمية لتبدأ صفحة جديدة.

هذه الصفحة ملأها النظام الجديد حين استدعى مثقفيه من حلمة الثانوية ودار المعلمين وزجّ (ولننتبه إلى هذا المصطلح الذي سيستخدم كثيراً فيما بعد، وهو مصطلح عسكري بدءاً) بهم إلى الصحف والإذاعة والتلفزيون، ثم إلى الجامعات، وكان على هؤلاء المزجوجين أن يتعلموا البيطرة..، وقد تعلموها، فليس من محاسب، وليس من قارئ يراجع، وليس من ناقد يعترض، فأنا الأول والآخر، بي بدأت السياسة والثقافة، وكل ما سبقني لا شيء.

طبعاً، ومن حسن حظ الثقافة السورية أن خيمة الحزبيين المهيمنين لم تحتو الجميع. فنبتت أعشاب برية خارج البيت البلاستيكي، هذه الأعشاب البرية هي التي تحمل همّ الثقافة والأدب والإعلام السوري وهي المعوّل عليها في رفع الراية ولو أن الخيمة هيمنت تماماً كخيمة رواية سنة 1984، لخرجت سورية من التاريخ.

وعلى أية حال، فإن أسماء كبيرة كسعد الله ونوس وهاني الراهب وممدوح عدوان وحيدر حيدر ونبيل سليمان استطاعت أن تقف صامدة بمواهبها الشخصية، وكان يمكن لها أن تقف بصلابة حتى دون البيت البلاستيكي.

في ندوة تلفزيونية في تلفزيون دمشق كنت قد طرحت مشكلة الثقافة في سورية حين عرضت لذلك الجيل الذي ظهر في الستينات من حاملي الثانوية ودور المعلمين الذين أمسكوا فجأة بمقدرات البلد الثقافية والإعلامية والذين كان أحدهم يجلس في المقهى ويضع ساقاً على ساق، ثم يقول: مالي ولتلك الكتب الصفراء العفنة المتفسخة إلى آخر ما يمكن له أن يجود علينا به من صفات.. ما لي وللجاحظ والأغاني وألف ليلة وليلة. ومن هو المبرّد؟ من التوحيدي. هؤلاء أناس نشروا عفنهم، وماتوا منذ زمن طويل. وظهر لدينا جيل جديد من المثقفين الذين قطعوا، بقناعة إيديولوجية كاملة ـ مع التراث ولما كانت مناهجنا التعليمية أضعف من تعليم أبنائنا لغة أجنبية تقرب إليهم ما ينتج العالم من إبداع وثقافة وفكر. ولذلك انقطع المتعلمون والمثقفون الجدد عن التيارات العالمية وإنجازاتها فظهر جيل لا علاقة له بالتراث، ولا بالمعاصرة، واكتفوا بقراءة بعضهم البعض، وقراءة ما تقدمه لهم مطابع لبنان والقاهرة من مترجمات. وللترجمة حكاية أخرى، فهي ليست مشروعاً بنيوياً يعرف ما يطلب وما يريد، بل تتم الترجمة حسب الموضة الرائجة.

ترجم سهيل إدريس كولن ويلسون، فصار رائد الثقافة العالمية بالنسبة للقراء السوريين، وصار معروفاً لدينا أكثر من معرفة البريطانيين به.

ترجموا سارتر، فصار كتابنا وجوديين، وكان غوركي قد ترجم من قبل، فصار إنجيل الكتاب رواية الأم، وصار حلم الكتاب أن يصنعوا رواية كالأم، وظهر لدينا من حاول معارضتها بأكثر من شكل، ثم فجأة ترجموا ماركيز، فصار معظم كتابنا يكتبون الواقعية السحرية، وأخيراً ترجموا كونديرا، فصار الجميع كتاباً أيروتيكيين، وكأن كونديرا ليس إلا كاتباً أيروتيكياً.

ما بين البيت البلاستيكي، وما بين إدارة ظهرنا للبحر المتوسط وغرقنا في رمال الصحراء صرنا ما نرى، وصار يحق للحزبي شبه الأمي أن يقول ما يقول، وهو على حق، فالخيل التي تحرم من المضامير والعلف لا بد أن تتحول إلى كدش وأحصنة جر.

أنا لم أكن يوماً على علاقة بأي حزب، وهذا أمر أنا شديد الفخر به فما حققته حققته بذراعي، وما أخفقت به فأنا المسؤول الوحيد عنه.

وليد معماري: المثقفون هم من صنع الأحزاب

سأغض النظر عن السؤال المرتبك الذي وجه إلي.. فالمثقفون هم الذين صنعوا الأحزاب، وليس العكس.. أي أن الأحزاب كانت تالية على الثقافة.. وبذلك هم لم يخرجوا من معاطف الأحزاب، بل الأحزاب هي التي خرجت من معاطفهم.. والأمثلة لدي كثيرة.. وليس صحيحاً، أن الأحزاب صنعت أهم الأسماء الأدبية والشعرية.. بل الأسماء الأدبية والشعرية، بعد تبلور الخط الفكري، والسياسي لكل حزب، انضوت طوعاً تحت ألويتها، كل حسب حسه الطبقي، ووعيه.. وربما دون هذا الحس، أو الوعي.. فمحمد الماغوط (قبل مرحلة وعيه الفكري)، وحسب شهادته، انضم إلى القوميين السوريين، لأن مقرهم في مدينة سلمية كان يحوي مدفأة شتائية.. بينما مقر الحزب الشيوعي، لم يكن يملك مثل هذا الترف آنذاك.

وقد ورد في سؤالكم أن المثقفين يرددون قولهم: لقد تكلست الأحزاب، ولم تعد قادرة على التطور.. وهذا غير صحيح.. ففي حزبنا الشيوعي، ما تزال المدارس الحزبية، على أقصى درجات من بث المعرفة العامة، بما في ذلك أسس الفلسفة اليونانية، وبما في ذلك الفهم العقلاني للشريعة الإسلامية.. ناهيك عن المنهج الماركسي ـ اللينيني.. الكلي الصحة.

وإذا لم يكن باستطاعتي رسم صورة كاملة لمثقفين هجروا أحزابهم.. لكني أستطيع رسم صورة لمن عادوا.. وحتى الذين لم يعودوا، حلقوا ضمن السرب الأصل.. وهذا جواب على أنهم هاجروا إلى غير رجعة.. فالعمر.. (وظروف كثيرة أخرى).. تلعب دورها.. وأذكر من آخر كلمات محمد مهدي الجواهري، قبل وقت قصير من رحيله، قوله لي: أن لا أساوي فلساً خارج الحزب الذي صنع مجداً لي، وصنعت جزءاً بسيطاً من أمجاده.. (وأكتم بقية الحديث).. وأتساءل: لماذا بقي مواهب كيالي، وسعيد حورانية، وجبر علوان (فنان تشكيلي عراقي) وعشرات آخرين.. ومنهم عبد الرحمن منيف، (السعودي من أم عراقية)، وعشرات سواهم.. متمسكين بجذورهم الحزبية، لولا عباءة الحماية التي ألقيت عليهم في بلاد المنافي، بما فيها تأمين مصدر عيشهم.. وحمايتهم أمنياً..

من قال أن الأحزاب تكلست؟.. قل، هي لم تختر التكلس.. بل أجبرت.. في بداية عهد الوحدة المصرية ـ السورية على حل ذاتها، بذاتها.. ومن تمرد منها، قضى أعضاؤه فترة (استجمام في منتجعات سويسرية)، في السفح الثاني من جبل المزة!.. وقد استوردت لهم (الكلبشات، الستانلس ستيل)، وحمامات (الساونا) من ألمانيا الغربية.. عداك عن حمامات الأسيد في (البانيوهات) المفتخرة.

الأديب، الشاعر أو القاص، أو الروائي، أو عاشق الأدب.. هو بشر في نهاية المطاف.. قد يتحمل التعذيب حتى الرمق الأخير.. وقد يتحمله لسنوات.. أو يتحمله لساعات.. فلكل إنسان مقدرته، وظروفه.. كذلك الأمر، لا مع لقمة عيش الفرد، بل لقمة أطفاله.. فحينها سيضطر بعضهم، أو كثيرون منهم، إلى تمجيد اللات والعزى.. تحت يافطة (التقية).. والانحناء أمام العاصفة.. أو العض على التراب لأجل حليب أطفالهم.. ولا توجد مسطرة واحدة نقيس عليها سلوك البشر..

ما تكلس هو الشكل الاحترابي لتلك الأحزاب.. ففي زمن كان منفتحاً على صراعات فكرية ملتهبة (أواسط الخمسينات من القرن المنصرم)، كان هم الشباب، من كل الفئات، البحث عن حجج منطقية علمية، تصلح للعصر، أو حجج قال به السلف.. كي يثبت كل فريق حجته..

علاقتي بالحزب الشيوعي السوري، (فصيل خالد بكداش)، ما تزال مستمرة منذ ما يقرب من نصف قرن.. ولست من عبدة الأصنام.. فأنا عضو في حزب أعترض على مئات الموضوعات، ثن ألتزم بالخط الذي تقره الأكثرية.. وهذه هي الديمقراطية التي أومن بها.. وما عداها، فهو أضغاث أحلام.. وعلاقتي بحزبي علاقة متينة.. فأنا منه، وهو مني..

ولكن لن يفوتني القول أن المثقف هو جزء لا يتجزأ من البرجوازية الصغيرة، (بما فيهم أنا).. وهو يحمل كل أمراضها، وبعض المثقفين يرون حلاً لمشكلاتهم المعاشية في مغازلة السلطة، أو حلولاً بالانضواء تحت مظلة حاكميتها، كحل أسهل، وأكثر راحة، وأكثر مردودية مالية.. ومع عدم تشكيكي في نواياهم.. أراهم الرديف الأنقى (حين ترفع عنهم خيمة العسف)، بحيث يشكلون رديفاً حقيقياً خارج الخيمة السوداء..

.. نعم.. لقد صنع المثقفون أحزاباً.. لكن الكثير من الأحزاب صنعت مثقفيها.. ولا بد من تقريري أن أي منتسب للحزب الشيوعي السوري، يخضع لدورات تثقيفية، وضمن مدارس حزبية منتظمة، ومناهج مقررة.. وامتحانات لا بد منها.. وعدم النجاح فيها، يعني عدم قبوله في الحزب.. وتحويله إلى نصير.. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟!..

وليد معماري mimari@scs-net.org

الابداع طيران حر

شوقي بغدادي

الإبداع الثقافي طيران حر في فضاء لا حدود له. والتحزب تحديد للمكان والزمان لا بدّ أن يخضع له المنتمي للحزب مما يهدّده بالتعصب لمواقف حزبه وأفكاره ويبعده بالتالي عن رؤية موضوعه من جوانب أخرى غير التي يؤمن بها حزبه. ومن هنا فإن المثقفين الكبار في التحليل الأعمق لمسيرتهم في الإبداع والتطور لم يخرجوا من معاطف أحزابهم بل من خلال نشاطهم الخاص بهم كأفراد موهوبين، أما الانتماء الحزبي فقد يساعد على الارتباط بالأرض والبشر وما يتعلق بهما من علاقات وأزمات، ولكنه لا يصنع المثقفين الكبار إلا إذا استطاعوا التحرر نسبياً من قيود التحزب. أقول هذا الكلام مستنداً إلى تجاربي الخاصة فلقد كنت مثلاً دائماً حراً في الاقتراب من الحزب الشيوعي أو الابتعاد عنه بالقدر الذي أعتقد فيه أن اختباراتي بعيدة عن التعصب وهذا ما ساعدني ـ كما أتصور ـ على أن أنجو من قيود الرؤية الواحدة للأشياء والأفكار. وهذا ما دفعني طوال حياتي إلى عدم الانتساب إلى الحزب بشكل نظامي بالرغم من تأثري البالغ بالفكرة الماركسية كي أحافظ قدر الإمكان على حريتي كمبدع ومن دون أن أقطع تماماً من الرؤية الماركسية.

عادل محمود : حزب الثقافة لا ثقافة الحزب!

الأحزاب في سورية منذ أولها إلى آخرها.. تتفاخر، تستطيع أن تتفاخر بوجود مثقفين ومبدعين في صفوفها الأولى. وأحياناً في اجتماع تأسيسها الأول.

وذلك لأن أي حزب يحتاج إلى نص أيديولوجي.. إلى مانيغستو وفكرة. إلى إعلام وطرائق تبشير تعتمد علم الاجتماع، وعلم النفس وعلم سكان، وإلى آخره. وتحتاج إلى شعراء ورسامين مركزيين وشعراء ضواحي.. والأمناء العامون لا يستطيعون وحدهم إنجاز ذلك على الرغم من مزاعمهم النبوية القادرة على الجمع بين الفصاحة والحصافة في وسام واحد مدى الحياة!!

لكن المثقفين والمبدعين لا يستطيعون إدامة التفاخر بانتمائهم إلى هذه الأحزاب.. ولا بها. لا سيما تلك التي ظهرت في فترة الانتداب الفرنسي والاستقلال وما بعده، إلى يومنا هذا.

وليس السبب في ذلك أن هذه الأحزاب لم تستطع إنجاز مهماتها وتطبيق برامجها، و إدامة كفاحها.. بل انقلبت على ظهرها وظهيرها وغيّرت الاتجاهات. والماء هو محترف تكذيب الغواصين! وها هي الأحزاب التي حكمت غرقت في شبر ماء الاستقلال والتنمية والخدمات. بل وخانت خيانة صريحة مهماتها. وها هي الأحزاب التي لم تحكم يقفز من بيت طاعتها المثقفون والعمال والفلاحون والحرفيون. ولم يبق في المنزل سوى الأثاث والملصقات وأفراد العائلة!!

المثقفون يهربون من الأحزاب لعدد من الأسباب.

أولها الحرية. ففي الأحزاب توجد تراتبية الطاعة، واستبداد الأغلبية.

وثانيها، خلط المهمات. حيث يطالب المثقف الحزبي بجلي صحون عشاء مجاملات الأمس وبتحضير تبّولة تحالفات الغد. وبالذي لديه قدّاحات الأفكار وشطحات الخيال!

وثالثها، ضعف بنية المجتمعات الصغيرة ذات المصالح الضيّقة والقطيعية، وانهيار منظومات القيم، وأمية المعرفة العليا، وكبت طلبات الحد الأدنى للفرق الفادح بين الإنسان والحيوان.

ثمة، في هذا الخليط شيء وراثي، أجيالي (إذا صح التعبير). فرأس الذئب المقطوع علّم فلسفة الحائط، الحين والتخاذل والممالأة، و.. الكسب غير المشروع أيضاً!

ولذلك.. لا نجد المثقفين المهمين، الجذريين والأساتذة في روحهم، في صفوف الأحزاب، ولا المبدعين الكبار. بل نجد هؤلاء الغافيّن على حواف أحزاب السلطة، وفي ضواحي أحزاب تجرّب حظها القليل في الوصول إلى السلطة بعد.. ألف عام.

الثقافة: حرية ذات وجه جمالي.

والأحزاب: معسكرات طلائع لا كهول.

أنا من حزب الثقافة.

لا من ثقافة الحزب.