العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

فصل الدين عن الدولة بين النظرية الراديكالية والنظرية الليبرالية

د. عادل ضاهر
الجمعة 15 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

تتداخل في إشكالية فصل الدين عن الدولة اعتبارات شتى، منها ما هو إبستمولوجي، ويتعلق بطبيعة المعرفة العلمية من جهة، وطبيعة المعرفة الدينية من جهة ثانية، على افتراض إمكانها. ومنها ما هو معياري، ويتعلق بطبيعة القيم السياسية، بخاصة. ومنها ما هو مفاهيمي، ويتعلق بطبيعة الدين وطبيعة السياسة. وقد تناولت في عدد من مؤلفاتي السابقة كل هذه الاعتبارات، بكل تداخلاتها. بالطبع لا يسمح الوقت المخصص لمحاضرتي بإيفائها جميعها حقها من البحث.

سأركز في حديثي إليكم هذا المساء على قضية واحدة أساسية، ديموقراطية حقة، لا أفترض هنا أن هناك علاقة منطقية بين الديموقراطية وفصل الدين عن الدولة. موقفي هو أن العلاقة بين الديمقراطية الحقة والعلمانية هي علاقة موضوعية(1). وهذا يعني أن هناك اعتبارات واقعية شتى تتعلق بالطبيعة البشرية وطبيعة المجتمع الإنساني، وبنظرة البشر إلى عقيدتهم الدينية وما يعنيه كل هذا، عملياً وواقعياً،.. هذه اعتبارات تجعل من المتعذر تعايش الديموقراطية مع اللاعلمانية. إذن، التحدي الذي يواجه الديموقراطية جراء عدم فصل الدين عن الدولة هو تحدٍ لا يجوز مطلقاً الاستخفاف به.

كثيرة طبعاً هي التحديات التي تواجه الديموقراطية، ولكنها جميعها تهون إزاء التحدي الذي يمثله تسييس الدين لغرض إقامة دولة دينية. اللامبالاة، مثلاً، قد تضعفها، إذ تحول دون تحولها إلى ديموقراطية مشاركة. ووجود العديد من الجماعات ذات المصالح الجزئية المتعارضة قد يشكل الجسم السياسي، إذ يؤثر على فعالية المؤسسات الديموقراطية، وآليات صنع القرارات الجمعية بصورة سلبية، ووجود أكثرية إثنية، أو دينية، مصرة على الاستئثار بالسلطة، قد يمسخ النظام الديموقراطي، فينتج عن تطبيق مبدأ حكم الأغلبية، ما دعاه توكفيل طغيان الأكثرية. وغياب العدالة الاجتماعية، كما نعرف من خلال تفحصنا للأنظمة الديموقراطية في الغرب الرأسمالي، قد يدفع بالديموقراطية في اتجاه ما يماثل الأوليغاركية، إذ يعطي لقلة من أصحاب المال والنفوذ وزناً سياسياً يفوق بما لا يقاس ما يتناسب مع مستلزمات العدالة السياسية، ولكن أين هذه التحديات من التحدي الذي يمثله تسييس الدين لغرض إقامة دولة دينية، حيث الدين الذي يجري تسييسه لهذا الغرض هو دين الأكثرية؟ فكل تحدٍّ من التحديات السابقة يشكل، في أسوأ حال، تهديداً لمقوم أو آخر من مقومات الديموقراطية. أما التحدي الذي يمثله تسييس الدين، فإنه، لو تحقق الغرض منه، لا بد أن ينتهي، عملياً وواقعياً، إلى تقويض كل مقوم من مقومات الديموقراطية، أو القضاء على أي أمل، في مجتمعات غير ديمقراطية، كالتي بين ظهرانينا، في إقامة نظام ديموقراطي حقيقي.

 

دين ودولة

 

يتخذ هذا التحدي مغزىً خاصاً.، ونظراً لتسييس الدين، الذي يقوم على النظر إلى الإسلام على أنه دين ودولة، صارت هذه النظرة إلى الإسلام شبه مسلّمة، حتى من قبل أفراد لا تربطهم بالإسلام السياسي أي رابطة. والأسوأ من كل هذا أن الذين يتبنون هذه النظرة، ويعملون بوحيها، صار لهم تأثيرهم الواسع في المجال العام، وصاروا يشكلون في بعض أقطارنا البديل للأنظمة الأوتوقراطية القائمة في هذه الأقطار. فبدل أن يكون البديل الحقيقي لهذه الأنظمة الأوتوقراطية القائمة نظاماً ديموقراطياً يقوم على الإرادة العامة، فإن هذا البديل يكاد أن يكون نظاماً لا علمانياً، لا تقيد فيه الحريات السياسية فحسب، كما هو الحال في الأنظمة الأوتوقراطية القائمة بين ظهرانينا، بل تقيد فيه كل الحريات، بما في ذلك الحريات الشخصية، مما ينتهي إلى تحقيق شبه تماهٍ بين المجالين الخاص والعام.

لن أتعرض هنا للنظرة إلى الإسلام، التي تجعل السياسة شيئاً في صلب عقيدته، إذ تعرضت لها في العديد مما نشرته سابقاً، محاولاً إظهار فسادها وتناقضاتها(2). ما يعنيني هنا هو أن أبين أن العلمانية شرط لا غنى عنه لبناء نظام ديموقراطي سليم. ولذلك سأبدأ بتناول مفهوم الديموقراطية والمبادئ التي ينطوي عليها، لأعمل من ثم على تبيان التعارض بين هذه المبادئ ومستلزمات الموقف اللاعلماني.

لا يجوز الاستنتاج من كلامي أن الأنظمة العلمانية أنظمة ديموقراطية بالضرورة. إن موقفي لا يتضمن أكثر من القول إن الأنظمة اللاعلمانية هي أنظمة غير ديموقراطية بالضرورة. فالعلماني قد يذهب إلى حد المطالبة بعلمنة تامة للمجتمع، كما حصل في الاتحاد السوفييتي، مثلاً، مما يعني إقامة نظام تقيد فيه، بل تلغى عملياً، حرية الاعتقاد الديني. ولا أظن أن نظاماً كهذا، حتى وإن لم يتجاوز إلغاء حرية كالأخيرة، يمكن أن يعد بحق نظاماً ديموقراطياً. ولكن حتى لو لم تمس حرية الاعتقاد الديني في النظام العلماني، فإن هذا النظام قد يكون نظاماً كلياً، أو نظاماً ديكتاتورياً، كما نعرف من مثالي النازية والفاشستية(3). ولكن من الواضح أن النظام العلماني قد يكون ديموقراطياً، خصوصاً إنْ لم يتجاوز علمنة السياسة، بكل ما يعنيه هذا من تقليص لدور الدين في المجال العام. ولكن لا يمكن للديموقراطية، كما سأبين، أن تتعايش حتى مع تفشي النزعة في المجال العام نحو جعل الاعتبارات الدينية، لا ما صار يعرف بـ"العقل العام"، المعيار لتقويم السياسات والتشريعات - هذه النزعة التي تترجم عملياً إلى حركة سياسية مبتغاها تأسيس الدولة على الدين.

 

الديموقراطية والعدالة

 

من المسائل التي ينبغي التنبيه إليها في البداية مسألة أن النظام اللاعلماني قد لا يتعارض مع الديموقراطية بمعناها الإجرائي، ولكنه حتما يتعارض مع إقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة. التركيز هنا هو على عدالة المؤسسات، إذ لا يبدو أن هناك علاقة مفهومية بين الديموقراطية والعدالة، مما يعني أنه يمكن من حيث المبدأ أن تكون دولة ديموقراطية وغير عادلة. ولكن، بحسب فهمي، الديموقراطية، غير مقرونة بالعدالة، وإن كانت قابلة للتصور، إلا أنها ديموقراطية في الشكل لا الجوهر. إنها، في أفضل حال، ديموقراطية إجرائية. ولذلك ما أريد التركيز عليه هنا هو السؤال، هل تسييس الدين، بما ينطوي عليه من أغراض، يتفق ليس فقط مع مستلزمات الديموقراطية، بمعناها الإجرائي، بل مع مستلزمات الديموقراطية، بمعناها الجوهري، أي من حيث كونها تتجسد في مؤسسات عادلة؟ لن أتناول العدالة هنا سوى بمعناها السياسي، لأن ليس ثمة شيء في الغرض من تسييس الدين، أو إقامة نظام لا علماني، ما يتعارض بالضرورة مع العدالة الاقتصادية.

لا بد، إذن، أن نبدأ بإبداء بعض الملاحظات حول معنى ومستلزمات المؤسسات الديموقراطية العادلة. من المفيد التركيز الآن على ما يكمن في صميم هذه المستلزمات، وأعني التعددية. كثيرة هي النظريات التي تعالج التعددية، ولكن سأكتفي بتناول ثلاثٍ منها باختصار، وهي: النظرية الكلاسيكية في التعددية، والنظرية الراديكالية، والنظرية الليبرالية. يركز التعدديون الكلاسيكيون، من أمثال روبرت دال Dahl وسيمور مارتن لبست Lipset، على الصراع بين الفئات ذات المصالح المتعارضة في المجتمعات الحديثة(4). ولكن هذا يصدق أيضاً إلى حد كبير على التعدديين الراديكاليين، من أمثال شنتال موف Mouffe، وأرنستو لاكلو Laclau وكلود لوفور Lefort ووليم كونلي Connolly(5) ما يميز بين هذين الفريقين من التعدديين هو أن الكلاسيكيين يجدون في الصراع مشكلة لا بد للديموقراطية من مواجهتها. وما يشكل محور اهتمامهم، لذلك، هو إيجاد طريقة لتحقيق الاستقرار في المجتمعات التي تجري ضمنها شتى الصراعات بين الفئات ذات المصالح المتعارضة. أما الراديكاليون، بالمقابل، فإنهم لا يجدون في الصراع مشكلة للديموقراطية، بل فضيلة من فضائلها، ومأسسة هذا الصراع، في نظرهم، هي من العوامل التي قد تضمن عدم تحول النظام الديموقراطي إلى نظام أتوقراطي.

إذا كانت النظرية الكلاسيكية تفهم هذا الصراع فهماً هوبزياً (نسبة لتوماس هوبز)، فإن الراديكاليين، بالمقابل، يستعينون بشكل واضح بمفهومات مستمدة من فلاسفة ما بعد حديثين، من أمثال ليوتار Lyotard وفوكو Foucault ودريدا Darrida. ولكن على الرغم من الفرق بينهما، فإن النظريتين تزوداننا بفكرة مشتركة من الصعب إغفالها، ألا وهي أن المجتمعات الحاضرة، مهما كانت متجانسة، مخترقة بالتعددية على شتى المستويات، إذ نجدها منقسمة داخلياً على أساس طبقي، وطائفي، وجنسي، وإثني.... إلخ.

النظرية الليبرالية في التعددية هي، على نحو أو آخر، محاولة لتسويغ وضع قيود على السلطة السياسية، بحيث يضمن ذلك المحافظة على الحريات الأساسية، كحرية الضمير، وحرية الفكر والشعور، وحرية الرأي، وحرية الفرد في أن يختط بنفسه الطريق التي يراها مناسبة لحياته، وفي أن يجتمع مع سواه لأي غرض مشروع. ما هو مشترك بين الليبراليين، على مختلف توجهاتهم الفلسفية، هو إصرارهم على ضرورة وضع حد فاصل بين المجال العام والمجال الخاص. ولكن قد تنشأ شتى الخلافات بينهم حول أين يجب وضع هذا الحد الفاصل، وما ينبغي استبعاده أو عدم استبعاده، من فئة الحريات الأساسية، وما إذا كان فهم الحرية ينبغي ألا يتجاوز فهمها سلبياً(6). ولكن ثمة فكرتين أساسيتين مشتركتين بين الليبراليين المعاصرين، وهما، أولاً، فكرة وجود رباط حميم بين الليبرالية والديموقراطية، ثانياً، فكرة كون التعددية من طبيعة القيم.

لنتناول، أولاً، الفكرة الأخيرة، فما يمكن اعتباره موقفاً معقولاً هنا، من وجهة نظري، بدون الحاجة إلى احتضان موقف شكوكي إزاء القيم، كما هو الحال بالنسبة للعديد من الليبراليين، هو أن هناك عقائد شاملة ذات طبيعة ميتافيزيقية، أو دينية، تشمل منظورات قيمية مختلفة، وتنطوي، بالتالي، على تصورات مختلفة للخير. قد لا يوجد تناسب بين هذه التصورات المختلفة، كما يعتقد أشعيا برلين، مما يعني أنه لا يمكن المفاضلة بينها على أساس عقلي. ولكن حتى لو لم نجارِ برلين في اعتقاده هذا، فإن ما يمكن تسويغه هنا هو أن العقائد الشاملة المعنية في هذا السياق لا يخضع الاختيار بينها لاعتبارات عقلية، وأن الوصول إلى اتفاق حول أيُّها صحيح غير ممكن إلا عن طريق انقلاب فكري جماعي، أو "وثبة إيمان" جماعية، وإلا فإنه يكون نتيجة فرض جماعة موقفها على الجماعات الأخرى، التي لا تشارك السابقة اعتقادها. بمعنى آخر، إن اتفاقاً كهذا، إن حصل، فإنما يحصل إما بأعجوبة، وليس نتيجة تفاعل حواري يقوده العقل،أو يكون مفروضاً. وما ينبع من هذا هو أن القيم التي تنطوي عليها أي عقيدة من العقائد الشاملة، لأنها جزء متمم للنسق المفاهيمي لهذه العقيدة، تتخذ طابعاً غير عقلي (ولا أقول لا -عقلي) شأن هذه العقيدة الشاملة نفسها.

ما تنطوي عليه تعددية القيم هو أن القيم لا يمكن وضعها في هرمية منظمة ميتافيزيقياً. وهذا يعني أنه يمكن أن توجد عدة تصورات معقولة للخير، مما يفسر لماذا الحكم والاختيار الفرديان في مجال القيم هما من الأهمية بمكان، بحيث يصدق على الشخص الذي يحكم ويختار أنه يقترب من أنموذج الفرد المستقل بذاته، كما تصوره كنط في فلسفته الأخلاقية(7). إن هذا، ولا شك، يستوجب المساواة الأخلاقية بين جميع الأشخاص، من حيث كون كل منهم كائناً مستقلاً بذاته. ولا يجوز للدولة، في هذه الحالة، أن تخضع لنفوذ أي عقيدة من العقائد الشاملة المعنية، وأن تنحاز لتصور الخير الذي تنطوي عليه هذه العقيدة. فإن هذا لا يمكن أن يعني عملياً سوى مأسسة قيم الجماعة التي تتبنى هذه العقيدة، وفرضها على الجماعات الأخرى. وبهذا تنزلق الدولة نحو الأبوية paternalism متدخلة بصورة غير مشروعة في حياة الفرد، فارضة عليه أن يرى الخير كما تراه هي، وليس كما يراه هو بنظرته الخاصة.

 

النزعة الأبوية

 

من هنا نفهم إصرار الليبرالي على ضرورة التزام الدولة الحياد إزاء التصورات المختلفة للخير، ومعاملة الأشخاص على النحو الذي يستلزمه كون كل منهم ذاتي الاستقلالية يستوجب رفض النزعة الأبوية والنزعة الكمالية معها، فتبقى للفرد الحرية الكاملة في أن يختار قيمه، والحياد إزاء التصورات المختلفة للخير هو بالضرورة حياد إزاء العقائد الشاملة، التي تشكل الأساس لهذه التصورات المختلفة. وما يصدق على هذه التصورات لجهة كونها تخضع للحكم والاختيار الشخصيين، إنما يصدق بصورة أقوى على العقائد الشاملة هذه، فإذا كان يصدق على القيم أنه لا يمكن وضعها في هرمية مرتبة ميتافيزيقياً، فإن هذا يصدق من باب أولى على العقائد الشاملة. إذن، يمكن من حيث المبدأ وجود عدة عقائد معقولة كهذه.

لا يمكن، بالنسبة لليبرالي، فصل مبدأ الحياد، من حيث كونه ذا أهمية لمسألة التعددية، عن فكرة أسبقية الحق على الخير(8). فهذا المبدأ يفرض الفصل بصورة واضحة بين الخاص والعام، مما يستلزم ألا تخضع للسلطة السياسية سوى الأفعال التي يمكن أن تكون ذات نتائج تطال عدالة العلاقات الاجتماعية. وهذا يعني في المجال العام للقواعد المحافظة على العلاقات الاجتماعية الأولية على القواعد التي يعني التقيد بها تحقيق الخير، وفق تصور معين له، ولا يمكن، بالتالي، الإجماع حوله.

لا يقوم مبدأ الحياد على مبدأ احترام الاستقلالية الشخصية وحده، بل إنه يقوم أيضاً على مبدأ الاحترام المتبادل. يمكننا هنا وضع المبدأ الأخير على النحو التالي: على افتراض وجود عدة عقائد شاملة، حيث تكون الأسس لكل عقيدة منها غير شفافة للذين لا يعتتقون هذه العقيدة، فإن أصحاب كل عقيدة من هذه العقائد ملزمون باحترام السلطة المعرفية لأصحاب العقائد الأخرى في ما يخص ما يرونه بنظرتهم الخاصة على أنه حق، أو خير، أو ذو قيمة. إن هذا المبدأ يستلزم، إذن، المساواة المعرفية بين جميع الفرقاء، وينفي، بالتالي، أن يكون لأي منهم امتياز معرفي في المجال الذي يعنينا هنا. كل فريق، ولا شك، سيدّعي لنفسه امتيازاً معرفياً، وسيرفض التخلي عن سلطته المعرفية لأي فريق آخر، مما يعني أنه من غير المحتمل أن ينجح أي فريق في جعل سلطته المعرفية هي السلطة النافذة في المجتمع بأكمله، إلا عن طريق فرضها على جميع الفرقاء، على افتراض أن الفرصة متاحة له لفعل ذلك. من هنا يتضح أن الاحترام المتبادل هو البديل الوحيد العادل والمنصف، الذي ينبغي أن ينظم على أساسه تعامل الفرقاء بعضهم مع بعض(9)، ورفض هذا البديل هو بمثابة رفض مبدأ القابلية للكوننة. ما يثبته المبدأ الأخير هو التالي: بالنسبة لأي م (حيث م هو متغير يمكن أن نستبدل به فعلاً ما، أو طريقة ما في التعامل، أو سياسة ما)، إذا افترضنا أن مبدأ ما يكفي لتسويغ م، إذن يتبع من ذلك أن هذا المبدأ إياه يكفي أيضاً لتسويغ أي شيء آخر شبيه بـ م بالنسبة لكل المسارات المجردة لـ.م،.. ما يتضمنه هذا، في السياق الحالي، هو أنه إذا كان ثمة مبدأ يكفي لتسويغ رفض معتنقي أي عقيدة من العقائد الشاملة المعنية التخلي عن سلطتهم المعرفية لأصحاب أي عقيدة أخرى، إذن، فهذا المبدأ إياه يكفي لتسويغ رفض الأخيرين التخلي عن سلطتهم المعرفية للسابقين.

من الواضح الآن لماذا يقود رفض مبدأ الاحترام المتبادل إلى رفض مبدأ القابلية للكوننة، فما يتضمنه رفض مبدأ الاحترام المتبادل هو أن الفريق الرافض له يفترض أن من حقه أن يحل سلطته المعرفية محل السلطة المعرفية لسائر الفرقاء، على الرغم من أنه يرفض أن يكون لأي فريق آخر الحق نفسه. ما يرضاه لنفسه لا يرضاه لسواه. ولكن إذا كان مبدأ القابلية للكوننة يؤسس حق كل فريق، في وضع من المساواة المعرفية، في أن يرفض التخلي عن سلطته المعرفية لأي فريق آخر، إذن.. فإنه ينكر على أي فريق الحق في أن يطلب من الآخرين التخلي عن سلطتهم المعرفية له.

 

الديموقراطية والتعددية

 

إذا كان لا مفر، على المستوى المعياري، من تبني مبدأ الاحترام المتبادل، إذن لا مفر أيضاً من تبني مبدأ الحياد، في المجال العام، إزاء العقائد الشاملة. فلو قامت الدولة، مثلاً، بالترويج لعقيدة من هذه العقائد دون سواها، فإن هذا سيكون بمثابة خرق لمبدأ القابلية للكوننة، أي بمثابة حض لأصحاب العقائد الأخرى على التخلي عن سلطتهم المعرفية لأصحاب العقيدة التي تروج لها الدولة. ولكن هذا، كما رأينا، يتعارض مع مبدأ الاحترام المتبادل. من الواضح، إذن، أن الضرورة المعيارية للمبدأ الأخير ينبغي أن تترجم إلى حياد من قبل الدولة إزاء العقائد الشاملة المتعددة. إذا كانت التعددية توجب أن تكون للعدالة السياسية الأولية (أي أن تكون للحق الأولية على الخير)، فإن العدالة السياسية بدورها توجب أن تكون للديموقراطية الأولية على كل الأنظمة السياسية المنافسة. نجد هنا الرباط الحميم - ولا أقول المفهومي - بين الليبرالية والديموقراطية. إن الإجراءات الديموقراطية، بحسب هذا الفهم، لن تكون مجرد إضافة إلى مجتمع تحققت فيه من قبل شروط العدالة السياسية، أي ميكانيزم إضافي لتجميع التفضيلات في المجتمع، بل إنها ستكون بالأحرى جزءاً لا يتجزأ من المؤسسات العادلة. إن إيجاد الطرق الفعالة في تسهيل التفاعل الحواري بين المواطنين، والمشاركة الفردية والجماعية في الحياة العامة، وغير ذلك مما يتصل بحرية القول، وحرية العمل، هي شيء ضروري لتبلور مبادئ العادلة، ولوضعها موضع التنفيذ، بدون إفساح المجال لأصوات فعلية تمثل منظورات مختلفة كي تعبر عن المصالح المحددة والقيم والهويات والتجارب العينية التي يتكون منها العالم الاجتماعي، بكل ما في داخله من تعدد وتنوع، لا يمكن إيجاد طريقة فعالة للمجيء بالمعايير المطلوبة لتنظيم سيرورة التفاعل الاجتماعي الحواري بين ممثلي مختلف المصالح والمنظورات القيمية والهويات في غياب أصوات كهذه، أو في غياب الشروط الضرورية لسماعها، فإن المبادئ المعيارية التي ستنظم العلاقات الاجتماعية على أساسها، في هذه الحالة، ستكون معرضة لاتخاذ طابع استبعادي وغير عادل.

التعددية هي الحد الأوسط بين العدالة والديموقراطية. ففي غياب التعددية في المصالح والهويات والمنظورات القيمية، لا تعود مسألة عدالة، أو عدل، المؤسسات الديموقراطية مسألة مطروحة. إن هذا واضحاً من كون افتقار المؤسسات الديموقراطية إلى العدالة يعني تجسيدها لسياسات استبعادية. ولكن سياسات كهذه ممكنة، فقط، إذا كان ثمة شيء يمكن استبعاده. إذن، على افتراض وجود مجتمع غير تعددي بالمعنى الخالص، فلا حاجة للديموقراطية في هذا المجتمع لأنْ تكون أكثر من ميكانيزم لتجميع التفضيلات، ولكن بما أن وجود مجتمع غير تعددي هو من المستحيلات الواقعية، فإن المطالبة بالمزاوجة بين الديموقراطية والعدالة تصبح ذات أهمية قصوى.

إذا كانت التعددية هي في أساس الربط بين الديموقراطية الإجرائية والعدالة، فما هو الأساس للديموقراطية الإجرائية؟ إنه، باختصار، يكمن في عدم جواز خضوع البشر لسلطة أحد بدون رضاهم. فلا أحد، هو من الذكاء والحكمة والطيبة والعدل، بمكان، بحيث يجوز أن يعطى الحق في أن يحكم الآخرين بدون رضاهم. إن الأهمية الإيجابية التي يمكن إسنادها إلى الفكرة الأخيرة هي أن كل الذين ينتمون إلى المتَّحد السياسي نفسه، ويتأثرون، لهذا السبب، بمؤسساته السياسية، من حقهم أن يشاركوا في تشكيل وإدارة هذه المؤسسات، بغض النظر عن المنظور، أو المصلحة التي يمثلها كل منهم. فالقيم والسياسات التي يفُترض أن تنتج عن عمل هذه المؤسسات لا تعني فئة من فئات المجتمع دون سواها، بل إنها تعني جميع الفئات والأفراد في المجتمع. فهي، أصلاً، ما يفترض أن تنظم حوله حياتهم الاجتماعية المشتركة. إذن، هذا يعطي لكل فرد، أو فئة، الحق في المشاركة، وينبغي أن تكون متاحة للتجميع بدون استثناء. من الافتراضات الأساسية المسبقة للالتزام بالمثال الديموقراطي الاعتقاد بقدرة العقل الجمعي (العقل العام) على إيجاد الحلول للمشكلات التي تواجهه. فالبشر، عن طريق تعاونهم في استخدام مواهبهم وقواهم العقلية، قادرون على الحصول تدريجياً على المعرفة والحكمة الضروريتين لتوجيه جهودهم الجماعية في اتجاه ما يخدم مصالحهم المشتركة.

بإمكاننا الآن أن نحدد، في ضوء ما سبق، الشروط اللازمة لإقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة. سألخص هذه الشروط في خمسة: أولاً، الإرادة الجمعية الواحدة هي التي ينبغي أن تكون المصدر الأخير للسلطة السياسية، ولا حق لأي فرد، أو جماعة، الاستئثار بهذه السلطة.

ثانياً، ينبغي أن تكون الفرص نفسها متاحة للجميع للمشاركة في الحياة السياسية، مما يستدعي حياد الدولة إزاء المصالح المشروعة المتنافسة، وكذلك إزاء العقائد الشاملة المعقولة، والمنظورات القيمية المتعارضة.

ثالثاً، ينبغي إعطاء كل مواطن الحق في ممارسة الحرية على أوسع نطاق يسمح به إعطاء حرية مماثلة للجميع.

رابعاً، لا يجوز تجريد أي عضو من أعضاء الدولة من حقوق المواطنة على نحو تعسفي، أي، مثلاً، على أساس ديني أو إثني. خامساً، ينبغي تأمين إطار تعاوني تتوافر ضمنه الشروط القمينة بحصول تفاعل اجتماعي حواري بين كل ممثلي المصالح المشروعة والمنظورات القيمية المتنوعة، وكذلك كل ممثلي العقائد الشاملة المتعددة، بحيث تتاح الفرصة لكل صوت لأن يسمع ويتقيد جميع الفرقاء بمبدأ الاحترام المتبادل.

 

العلمانية والديموقراطية

 

لنتاول الآن السؤال الذي تتمحور حوله هذه الدراسة، أي السؤال: لماذا هي العلمانية شرط ضروري لإقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة؟ هذا السؤال، في ضوء ما سبق، يتحول إلى السؤال: لماذا يعني غياب العلمانية غياب مؤسسات تتوافر فيها الشروط الخمسة المذكورة أعلاه؟

حتى نعالج هذا السؤال على نحو مناسب، من المستحسن أن نحاول، أولاً، تحديد النتائج المترتبة على الموقف، لأنه يقوم على الاعتقاد بأن للدين أغراضاً دنيوية تتجاوز تهذيب النفس بالأخلاق الحسنة، وما شاكل ذلك. في فكر الإسلاميين بالذات، الإسلام دين ودولة، بل إن الإسلام عقيدة شاملة كل الشؤون الأخروية والدنيوية، على حد سواء. إن هذا يدفع بهم إلى حد الاعتقاد أن شمولية الإسلام هي في صلب ماهيته، باعتباره ديناً - أي في صلب ماهيته العقدية. وهذا ما يفسر لماذا نراهم لا يتورعون عن اعتبار العلمانية مروق من الدين، وصنو الإلحاد(10). فالاعتقاد في الله، من منظورهم، يتضمن منطقياً واجبات تشمل كل مناحي الحياة الدنيا، السياسية منها وغير السياسية. ولذلك فإن علمنة السياسة، التي تعني، على الأقل، الفصل بين الواجبات الدينية والواجبات السياسية، هي، بحكم "منطق" تفكيرهم، بمثابة نقض للاعتقاد بالله.

لا يمكن أن يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لأي موقف مناف للعلمانية، بغض النظر عمّا إذا كان هذا الموقف نابعاً من منظور إسلامي، أم من منظور مسيحي، أو يهودي أصولي. فإن أي موقف كهذا لا بد أن ينطلق من الافتراض أن العقيدة الدينية، التي اتفق أن صاحب هذا الموقف يدين بها، تفرض عليه رفض ما يدعوه روبرت عودة Ratiomale ciple of Secular The (مبدأ المسوغ العلماني)(11) ينص هذا المبدأ على أن من واجبات الوهلة الأولى facie rima واجب عدم تأييد، أو دعم أي قانون، أو أي سياسة عامة، تقيد أفعال البشر على نحو أو آخر، إلا إذا كان ثمة أسباب علمانية لهذا التأييد، أو الدعم، والمقصود بالأسباب العلمانية تلك الأسباب التي لا يفترض التسليم بها، الاعتقاد بالله، ولذلك فإن رفض هذا المبدأ هو بمثابة تأكيد على عدم الاعتراف بكفاية، أو حتى أهمية، الأسباب العلمانية، وهذا بدوره يقوم على تأويل رافض هذا المبدأ لعقيدته الدينية، على نحو يجعلها تفرض عليه عدم الاكتفاء بالأسباب العلمانية، أو حتى إيلاءها أهمية تذكر. من هنا يتضح كيف يتحول الإلزام السياسي بسحر ساحر إلى إلزام ديني.

 

الإسلام السياسي

 

يبلغ هذا منتهى الوضوح في الحركات الممثلة للإسلام السياسي، حيث نجد أن من السمات البارزة المشتركة بينها الاعتقاد بأن الإسلام يرتبط مفهومياً بالسياسة، أي اتخاذ الإسلام بعداً سياسياً. إذن، هذا ليس حاصل ظروف تاريخية أملت اتجاهه هذا الاتجاه، بل إنه شيء في صلب عقيدته، باعتباره ديناً، وهذا يترجم، من منظورهم، إلى واجب ديني يفرض تنظيم المسلمين في حزب سياسي، من أغراضه الأساسية إقامة دولة إسلامية، أي دولة منظمة حول المبادئ والقيم الإسلامية. فالإسلام، باعتباره ديناً، لا يكتمل، بحسب هذه النظرة، إلا إذا تحقق الغرض الأخير. من الواضح هنا أن تسييس الإسلاميين للإسلام يختلف بصورة جوهرية عن تسييس دعاة لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية للمسيحية، لأن الأخيرين لم يروا إلى السياسة بوصفها ترتبط جوهرياً بالمسيحية. وكذلك فإن تسييسهم للإسلام، وإن تشابه نوعاً ما مع تسييس اليمين الديني في الولايات المتحدة للمسيحية، إلا أنه تجاوز الأخير، نظراً لرؤيتهم الإسلام، من جهة، على أنه نظام شامل كل مناحي الحياة، ولرؤيتهم السياسة، من جهة ثانية، على أنها وسيلة لتحقيق هذا النظام الشامل، عملاً بالأمر الإلهي. وهذا يفرض تبنيهم الموقف الكلياني في السياسة، حيث تعني أسلمة السياسة أسلمة كل مناحي الحياة. وحتى المعرفة والعلوم لا تُستثنى من الأسلمة. ومن يذهب إلى هذا الحد في عملية الأسلمة، فإنه لا يمكن أن يرضى بأقل من أسلمة تامة للقانون والاقتصاد، والتربية والفن، والقيم.. إلخ. وأسلمة شاملة كهذه تتضمن الحقوق، وأنّ الواجبات الدينية للمسلم تشمل واجب إخضاع كل مناحي الحياة لمعايير إسلامية، بل وتجعل الواجب الأخير متمماً للواجبات الأساسية للمسلم، واجب العبادة والصوم والحج الزكاة. هنا نجد بذور نظام كلي(12)، فهذه النظرة إلى الإسلام، على افتراض نجاح الآخذين بها في تأمين استلامهم مقاليد السلطة السياسية في بلدهم، لا بد أن تترجم إلى ترتيبات سياسية لا تسمح لأي منظور علماني، أو غير إسلامي، أن ينافس المنظور الإسلامي في أي مجال من مجالات الحياة. فكل هذه المنظورات الأخرى، وإن كانت تتعلق بجوانب للثقافة والحياة الاجتماعية، لا تعتبر بحق مشمولة بالدين، بوصفه ديناً، إلا أنها ستجد نفسها، في ظل دولة دينية، معرضة باستمرار لشتى الضغوط للاندماج في المنظور الديني بحسب فهم الإسلاميين له، أو، على الأقل لعدم الانحراف عن التنوع الثقافي، بكل ما ينطوي عليه من تعددية قيمية، وكذلك الحريات الشخصية لا بد أن تكون الضحية في وضع كهذا.

يتضح هذا أكثر عندما نأخذ في الاعتبار المبَّرَر، من وجهة نظر الإسلاميين، لاعتبارهم إقامة دولة إسلامية واجباً دينياً، هذا المبرر هو أن "الحاكمية هي لله" لا شك طبعاً أن ثمة تأويلاً لإسناد الحاكمية لله لا يمكن الاعتراض عليه، ألا وهو التأويل اللاهوتي (الكلامي) المتعارف عليه. والله، بحسب هذا التأويل، هو الخالق لكل شيء والضامن لاستمرار كل شيء في الوجود، مما يعني أنه أيضاً الحاكم المطلق والنهائي للكون. إن إسناد الحاكمية لله، بهذا المعنى، يقوم على حقيقة تحليلية لا يمارى فيها، أي حتى الملحد، أو اللاأدري يسلم بها، مادامت تُجَّردُ من أي مدلول وجودي، أي حقيقة أن الله بالتعريف هو الخالق لكل شيء، والضامن لاستمرار كل شيء في الوجود. فما دمنا هنا معنيين بالتصور السائد للألوهة في التقليد الإبراهيمي، فإن مفهوم الله يتضمن محمول كونه الخالق، والضامن للوجود. ثمة تصورات أخرى، طبعاً، لا تقود إلى النتيجة نفسها، بخصوص كيف ينبغي أن نفهم سيادة الله على الكون. خذ، مثلاً، التصور الربوبي لفولتير، ما يتضمنه هذا التصور هو أن الله خلق الكون، ولم يعد له أي شأن فيه بعد خلقه له، ولكن ما يعنيني هنا هو التصور التقليدي، الذي يتضمن أن الله يحكم العالم، بمعنى أن القوانين الطبيعية، وكل ما في الكون يخضع لإرادته المطلقة، ويجد ضمانه في القدرة الإلهية الكلية، أو الله وحده يمتلك القدرة على تعليق هذه القوانين، أو حتى إلغائها، إذا شاء ذلك.

لا يقف الإسلاميون عند الحد الأخير في فهمهم للحاكمية الإلهية، بل إنهم يُخرجون مفهوم الحاكمية من سياقه اللاهوتي (الكلامي) الخالص، ليزودوه بدلالة سياسية - اجتماعية.. (أنا شخصياً أرفض هذا الفهم للحاكمية الإلهية، وقد بينت في كتابات أخرى عديدة أنه فهم يقوم على أغلوطة كبرى، هي أغلوطة تحويل الجائز إلى واجب). إنه، بمعنى آخر، يقوم على النظر إلى العلاقة التاريخية بين الإسلام والسياسة، التي هي، في أفضل حال، علاقة واقعية، وبالتالي، جائزة Contingent على أنها علاقة واجبة منطقياً(13). بدون هذا الخلط بين الجائز والواجب، لا يمكن فهم الحاكمية الإلهية، إلا بمعناها اللاهوتي الخالص، أي على أنها لا تتضمن أكثر من كون الله هو الخالق والضامن المطلق للوجود.

 

تأويل الحاكمية

 

ولكن لا يعنيني هنا ما هو التأويل الصحيح لمفهوم الحاكمية الإلهية، وبالتالي، لعلاقة دين سماوي، كالإسلام، بالشؤون الدنيوية. ما يعنيني بالأحرى هو تأويل المسيسين للدين، مسلميهم ومسيحييهم ويهودييهم، على حد سواء، لهذا المفهوم والنتائج المترتبة على هذا التأويل. وما يتضح مما سبق هو أن الحاكمية الإلهية، بحسب هذا التأويل، تمتد إلى المجال السياسي - الاجتماعي، وهذا يعني أن التنظيم السياسي للمجتمع ينبغي أن يخضع للقانون الإلهي. نجد في هذا التأويل بذور تكوُّن الشروط المثالية لإعطاء السلطة السياسية، التي تعمل بمقتضى هذا التأويل، الحريةَ لإخضاع كل مجالات الحياة لتشريعاتها. كيف يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك، مادام الله، بحسب هذا التأويل، هو الحاكم المطلق والنهائي لكل شيء، أي لا شيء إلا ويخضع لسلطته، حيث تفهم السلطة هنا بمعناها الاجتماعي - السياسي؟ لا شك أن تأويلاً كهذا يحول شعار "الحاكمية لله" إلى وصفة ممتازة للتوتاليتارية بأروع صورها فـ"منطق" تأويل الحاكمية على النحو المعني هنا هو "منطق" اختزالي وشمولي في اختزاليته. وهو، من جهة ثانية، لا يُخرج من دائرة هذه الواجبات حتى ما يتعلق بالمجال الخاص، مجال الحريات الشخصية، وهنا تكمن شموليته. ولذلك، فإن اتخاذ السلطة الإلهية مدلولاً سياسياً - اجتماعياً يعني، في هذه الحالة، إخضاع الأفعال الإنسانية لقانون إلهي كلي الشمول. وهذا لا يعني فقط تحويل الإلزام السياسي إلى إلزام ديني، بل، والأسوأ من ذلك، إخضاع كل مجالات الحياة للسلطة السياسية، التي هي، عملياً، سلطة بشر، ليس إلاّ، فسلطة الله، على افتراض أنها تمتد إلى المجال السياسي - الاجتماعي، لا يعقل أن تمارس إلا بصورة غير مباشرة، أي من خلال البشر، بعكس سلطته على الطبيعة، التي تمارس على نحو مباشر، على افتراض رفض موقف الربوبي من علاقة الله بخلقه. وهذا لا يمكن أن يتضمن سوى أن الذين يدّعون الكلام باسم الله، أو أنهم المؤهلون للحكم باسم الله، لو أتيحت لهم الفرصة لأن يحكموا سيقومون، في غياب أي معرقلات لمساعيهم، بتنفيذ منهاجهم القاضي بإعطاء الشرع الإلهي، بكل شموليته المزعومة، طابعاً رسمياً من خلال التشريع الإنساني. ولكن ماالذي يمكن أن يعنيه هذا، عملياً، سوى تلاشي المجال الخاص في المجال العام، أي إقامة نظام كلي(14)؟

من الواضح، في ضوء ما سبق، أنه لا شرط من الشروط الخمسة الضرورية لبناء مؤسسات ديموقراطية عادلة يمكن أن يتوافر في دولة دينية تقوم على التأويل السابق للحاكمية الإلهية. لنبدأ بالشرط الأول: يتضمن هذا الشرط، كما رأينا، أن تكون الإرادة الشعبية وحدها مصدراً للسلطة، وبالتالي، عدم استئثار أي فرد أو جماعة بالسلطة. ولكن إذا كانت الحاكمية لله وحده، وكانت تفهم على أنها ذات مضمون سياسي - اجتماعي. إذن، ما دامت الحاكمية في المجال العام لا تمارس إلا من خلال بشر، فإن ما يتبع مع هذا بالضرورة هو أن الجماعة الإيديولوجية التي ستحكم باسم الله لن يكون لها غرض أهم من الاستئثار بالسلطة. كيف يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك، ما دامت الحاكمية، التي هي لله وحده، تؤول إليهم، عملياً؟ الإسلاميون أنفسهم لا يكلون من التصريح بدون أي تردد أنهم حزب الله، والأحزاب المنافسة هي أحزاب الطاغوت. حتى الذين يزعم أنهم معتدلون (راشد الغنوشي، مثلاً)(15) ليسوا على استعداد للتسامح سياسياً مع منافسيهم، إلا إذا لم يختلف الأخيرون معهم سوى بخصوص الوسائل، وليس الغايات(16). إذن، ينبغي أن تؤول السلطة السياسية إلى الذين لا هدف لهم سوى أن يحكموا باسم الله، وأن تبقى السلطة بأيديهم، ماداموا لا ينحرفون عن هذا الهدف. أما الباقون، حتى وإن لم يضطهدوا، فإنهم حتماً سيهمشون تهميشاً تاماً. السلطة السياسية هي من حق السابقين وحدهم، ليس لأنه يقوم على الإرادة العامة، بل لأنهم المؤهلون للحكم باسم الله.

لا ينفع الاعتراض هنا على تحليلنا السابق على أساس أن الله لا يحكم بصورة مباشرة، ولا هو من يمنح الحاكم سلطته، مما يعني أن الفرصة متاحة لإقامة نظام سياسي يعطي للإرادة العامة، من حيث المبدأ، دوراً بارزاً، وحتى حاسماً، في تقرير من يحكم. أقول لا ينفع الاعتراض على هذا الأساس، لأن كائناً ما كان النظام السياسي القائم، وبغض النظر إلى أي حد يتمثل هذا النظام بالأنظمة الديموقراطية المعروفة، من الناحية الإجرائية، فإن واقع الأمر هو أن الدولة الإسلامية المتصورة من قبل الإسلاميين ستتخذ، دستورياً وتنظيمياً، الصورة التي تضمن حصر السلطة السياسية فيهم. إن هذا نابعاً بالضرورة من "منطق" تفكيرهم - وما نجده في إيران ما هو إلا صورة صارخة له - هذا "المنطق" الذي يرتد إلى ثلاث مكونات أساسية. المكون الأول يتعلق باعتقادهم أن واجب إقامة دولة إسلامية هو واجب ديني. والثاني يتعلق باعتقادهم أن الدولة الإسلامية المرجوة ينبغي أن تستوحي تشريعاتها من القانون الإلهي. والثالث يتعلق باعتقادهم أنهم وحدهم المؤهلون لإعطاء التأويل المناسب للقانون الإلهي، وفض مكنونه السياسي - الاجتماعي. انطلاقاً من هذه الاعتقادات الثلاثة، كيف يمكن للذين يسلمون بعناد أخرق بها، وكأنها مسلمات واضحة بذاتها، كيف يمكن لهم، في حين استلامهم مقاليد السلطة السياسية، ألاّ يجعلوا الاستئثار بها غرضهم الأساسي؟

عدم محاولتهم الاستئثار بها ستكون، من وجهة نظرهم،إخلالاً بواجبهم الديني، أي عدم امتثال لأمر إلهي. وواضح أنه لا يمكن أن يوجد، من وجهة نظرهم، أي دافع لعمل، أو للاستنكاف عن عمل شيء ما أقوى من كون هذا الشيء هو، في اعتقادهم، ما يأمر الله بعمله، أو الاستنكاف عن عمله. من نافل القول، إذن، إنهم لو تسلموا مقاليد السلطة، فإن "منطق" تفكيرهم سيدفع بهم بالضرورة نحو عمل كل ما يلزم لضمان حصرها في أيديهم بصورة دائمة. وأي دور فعلي يبقى للإرادة الجمعية في هذه الحالة؟

 

الديموقراطية والحياد

 

لننتقل الآن إلى الشرط الثاني لإقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة، أي شرط الحياد. المبرر الأساسي لإقامة مؤسسات كهذه، كما بينَّا، هو أنه لا يجوز أن يخضع البشر لسلطة أحد بدون رضاهم. حق تقرير السياسات والقيم التي يفترض أن ينظم حولها مُتَّحدهم الاجتماعي هو حق لكل عضو من أعضاء هذا المتحد، وليس لفئة مختارة منهم، أو حتى لأكثريتهم، وامتلاكهم هذا الحق جمعياً مشتق من امتلاكهم له، استغراقياً. إذن، هو، في أساسه حق لكل شخص في أن يشارك في الحياة السياسية على قدم المساواة مع كل شخص آخر، مثلما هو، في عالم مخترق بالتعددية، حق لكل منظور في أن يشغل حيزاً في الفضاء العام. لا نحتاج إلى كبير عناء هنا لنبين أن الدولة الإسلامية المزمع إقامتها لا يمكن، بحكم طبيعتها، أن تكون محايدة إزاء المنظورات المتعددة، وأن تعمل، بالتالي، على ضمان المساواة في فرص العمل السياسي لجميع الأفراد والفئات، وتوفير الشروط لكل صوت لأن يسمع. إن إقحام الدين في السياسة على طريقة الإسلاميين، أو اليمين الديني في الولايات المتحدة، مثلاً، لا بد أن يقود في اتجاه عدم الاعتراف بمشروعية التعددية. وهذا يعود إلى وجود نزعتين في الدين، أَيَّ دين، النزعة الاختزالية، والنزعة نحو إسباغ طابع مطلق على العقيدة الدينية. لا خطر من هاتين النزعتين على التعددية، ما دام لا يتجاوز فهم العقيدة الدينية مضمونها الميتافيزيقي لتزويدها بمضمون سياسي - اجتماعي. ولكن لا بد أن تختلف الصورة كلياً، في حال تزويد العقيدة الدينية بمضمون سياسي - اجتماعي، إذ لا بد أن يقود هذا، بسبب هاتين النزعتين، إلى تكون شروط معادية للتعددية، أو الاختلاف، بأي معنى من معانيه. فالنزعة الاختزالية، مثلاً، في حال تجسدها في مواقف معينة من القضايا العامة، تتحول إلى نزعة نحو النظر إلى التعارض في القيم، أو المصالح، أو المنظورات، على أنه يُختزل في تعارض واحد أساسي: تعارض بين الخير والشر (بين حزب الله وحزب الطاغوت). والمعادل لهذا في المعترك السياسي هو تحول الصراع إلى قتال لا ليونة ولا استعداد للمساومة فيه، بدل أن يكون شيئاً يمكن تدبره سياسياً على نحو يستهدف التقريب بين وجهات النظر المتعارضة والمصالح المتضاربة.

والنزعة الثانية هي نزعة الدين نحو جعل معاييره نهائية ومطلقة. وفي حال تجسد هذه النزعة في أيديولوجيا سياسية - اجتماعية، فإن ما يترتب عليها، في أفضل حال، هو النظر إلى ما يتعارض مع المضمون السياسي - الاجتماعي المزعوم للعقيدة الدينية على أنه انحراف خطير عن الحق والحقيقة، دون أن نذكر أن النظر إليه كذلك، من هذا المنظور، يسبغ عليه طابع الخطيئة المميتة.

من هنا يتضح أن ترجمة هذه النزعة إلى موقف محدد من القضايا السياسية والاجتماعية هو بمثابة ترجمتها إلى موقف ينظر إلى كل المواقف المخالفة له، مع المصالح أو القيم التي تمثلها، على أنها مجردة من أي مشروعية، ولا تستحق أي اعتبار. ونزعة كهذه لا يمكن أن تتعايش مع الاختلاف والتعدد، أو أن ينتج عنها نظام سياسي محايد.

قد يعترض بعضهم على أساس أن الدولة الدينية المرجوة لا يمكن أن تكون غير عادلة، ما دامت تتخذ من القانون الإلهي أساساً لها. فالقانون الإلهي عادل بالتعريف. ولذلك فالمؤسسات السياسية التي ستعمل بوحيه لا بد أن تتوافر فيها شروط العدالة أكثر من أي مؤسسات من نوعها لاتعمل بوحيه. ردي على هذا الاعتراض بسيط: إنه ليس أكثر من مجرد هراء الإدعاء أن القانون الإلهي هو الذي سيوجه عمل هذه المؤسسات. ما يصح قوله، بالأحرى، هو أن ما سيشكل الموجَّه لها هو ما يعتقد الإسلاميون أنه القانون الإلهي، وما يزعمون أنه المضمون السياسي - الاجتماعي له. فالقانون الإلهي المزعوم يتحول إلى إيديولوجية سياسية - اجتماعية عاكسة لوجهة النظر الخاصة بالجماعة الإسلامية التي ستؤول إليها مقاليد السلطة، ومعبرة عن المصالح الخاصة بها. ونتائج هذا واضحة، فما دامت الجماعة المعنية لا يمكن أن تعترف أنه بمقدور أي جماعة سواها لا تشاركها منظورها أن تصل إلى المواقف الصحيحة من القضايا العامة، فإنها ستعمل على استبعاد أي دور سياسي لأي جماعة ذات منظور منافس. لا يمكننا، في هذه الحالة، أن نتوقع أن تتاح لغير المسلم أو اللاأدري، أو حتى للمسلم الليبرالي، أو العلماني، أي فرصة حقيقية للمشاركة في الحياة العامة على قدم المساواة مع الذين يتماهي منظورهم من المنظور الإسلامي المسيطر. من الاعتراضات على موقفي الاعتراض على أساس أن المؤسسات الديموقراطية تعمل وفق قاعدة الأغلبية، وإذ كانت أغلبية السكان في بلد ما من المسلمين واختارت، ديموقراطياً، أن يقوم الحكم فيها على أساس ديني، فلا يمكن أن يكون في هذا انحراف على مستلزمات إقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة. إن ردي على هذا الاعتراض هو أن الطريقة التي قد تؤدي إلى إقامة حكم إسلامي، في هذه الحالة، وإن كانت ديموقراطية، من الوجهة الإجرائية، إلا أنها، من حيث الجوهر، تمثل كل ما هو مناف لإقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة. ما نلاحظه، بدئياً، هو أن مجرد مطالبة جماعة اتفق أنها أكثرية عددية في مجتمع ما،.. مجرد مطالبتها بأن تصبح أغلبية سياسية، وأن يكون هناك ضمان دستوري لاستمرارها كذلك، منافية لروح الديموقراطية، وللواجبات المدنية النابعة منها. إن هذا يصدق على هذه المطالبة، بغض النظر عما إذا كانت الجماعة المطالبة بذلك تشكل أكثرية دينية، أو أكثرية إثنية، أو ثقافية.

لتوضيح هذه المسألة أكثر، من الضروري التمييز، في البداية، بين المبادئ المكونة للممارسة الديموقراطية، والمبادئ التي ينبغي أن توجه اختيارنا للأساسيات الدستورية(17). مبدأ حكم الأغلبية هو من النوع السابق، ولا مهرب من تبني هذا المبدأ، لأنه لا يمكن عملياً وواقعياً تحقيق الإجماع حول القضايا السياسية. أن نطالب بالإجماع في المجال السياسي هو بمثابة مطالبتنا بشل الإرادة الجمعية، ولكن الأمر يختلف بالنسبة لاختيار الأساسيات الدستورية. لا يمكن قبول إقامة هذا الاختيار إلا على أساس الإجماع. أن نطالب هنا بأقل من الوصول إلى إجماع حول هذه الأساسيات، أو بأقل من تحقيق "إجماع متشابك(18)" بسحب تعبير جون رولز Rawls، هو أن نفسح المجال واسعاً أمام أكثرية دينية، أو عرقية، لأن تؤمن لنفسها التحول إلى أغلبية سياسية دائمة. ولكن أن تتماهى الأكثرية الدينية، أو العرقية مع الأغلبية السياسية، على أساس دستوري، هو أن تصبح بالضرورة غير ديموقراطية، وغير عادلة، لأن حكمها، في هذه الحالة، لن يقوم على قاعدة الأغلبية، بالمعنى الإجرائي المتعارف عليه، إذ إنه لا بد أن يتجه نحو تحويل هذه القاعدة إلى مجرد ستار لطغيان الأكثرية. ولذلك فإن المبادئ التي ينبغي أن تشكل الملاذ الأخير لأي مجتمع ديموقراطي - المبادئ الدستورية - لا يمكن أن تضمن إقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة، إلا إذا كان ثمة إجماع متشابك حولها. الإجماع المتشابك فرض واجباً على مستوى اختيار الأساسيات الدستورية، لضمان أن تكون المبادئ المتفق حولها منصفة للجميع، ولا تقود، على مستوى الممارسة، إلى طغيان الأكثرية.

 

الأكثرية الدينية

 

لنفترض أن المبادئ الدستورية في مجتمع ما تعكس فقط منظور الأكثرية الدينية في هذا المجتمع. من الأمور التي تترتب على ذلك هو أن هذه المبادئ ستجسد تصور الخير الخاص بهذه الأكثرية، والنابع من عقيدتها الشاملة، مثلما ستجسد المصالح الخاصة بها. ولذلك فإن وضع هذه المبادئ موضع التنفيذ لا يمكن أن ينتج عنه سوى شيء واحد: فرض تصور خاص للخير على الجميع وتهميش، إن لم نقل إخراس، كل الأصوات الممثلة لتصورات أخرى للخير، ولمصالح أخرى. لا متسع، في هذه الحالة، للتعددية، من حيث هي تعددية قيم وتعددية مصالح.

زد إلى ذلك أن دستوراً هذا شأنه لا بد أن يستبعد الشروط الثلاثة الباقية لإقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة. الشرط الثالث، كما رأينا، هو إعطاء كل عضو من أعضاء الدولة الحق في ممارسة الحرية على أوسع نطاق يسمح به إعطاء حق مماثل للجميع، وحرية الاعتقاد مركزية هنا، وهي تشتمل على حق الفرد في أن يعتقد في أي دين يشاء، وفي أن يغير، أو يتبنى، موقفاً لا أدرياً أو ملحداً. ولكن حرية كهذه لا يمكن تأمينها إلا في دولة تلتزم الحياد، ليس فقط إزاء العقائد الدينية المتباينة، بل وأيضاً إزاء الدين، فلا يمكن لدولة دينية، أو لا تلتزم الحياد إزاء الدين، أن تناط بها مسؤولية تأمين حرية الاعتقاد الديني ونشر روح التسامح في المجتمع إلى الحد الذي يتيح للأفراد أن يمارسوا حرية الضمير في غياب أي إكراهات خارجية. لا يمكن أن يتولد عن الدولة الدينية سوى ما هو معاد لروح التسامح. إنها تخلق الشروط المثالية لتسهيل ممارسة الضغوط غير العادية على من لايدينون بدين الدولة، ليغيروا دينهم، ويتبنوا دين الأكثرية، وعلى الذين يدينون بدين الأكثرية، ليستمروا في اعتقادهم. إن "منطق" الدولة الدينية هو على نحو لا يسمح بتكون الشروط القمينة بممارسة حرية الضمير. قد لا توجد قوانين تحد من هذه الحرية - وإن كان هذا شبه مستحيل - ولكن واقع الأمر هو أن غياب الحياد إزاء العقائد الدينية في هذه الدولة يشجع الأكثرية الدينية على عدم التسامح الذي قد يُترجم إلى ممارسة ضغوط مستمرة على الأخيرين ليدينوا بدين الدولة.

بالإضافة إلى الضغوط الناتجة عن عدم التسامح، توجد ضغوط أخرى ناتجة عن كون الدولة الدينية، مدعوة، بحكم طبيعتها، لاستبعاد من لا يدينون بدين الدولة، إنِ اتُّفق أنه دين الأكثرية، وكذلك اللاأدريين والملحدين، من حقوقهم المدنية، ومعاملتهم معاملة المجرمين. وهذا يتعارض مع الشرط الرابع من الشروط الخمسة الضرورية لإقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة، أي شرط عدم حرمان أي عضو من أعضاء الدولة من أي حق من حقوقه المدنية على أسس تعسفية. كل عضو من أعضاء الدولة، بغض النظر عن اعتقاده الديني، أو موقفه من الدين، يتأثر بسياسات وتشريعات هذه الدولة. وهذا وحده يعطيه الحق، ليس فقط لأن يكون له دور في تقرير وإدارة مؤسسات الدولة على قدم المساواة مع سواه، بل وأن يكون له أيضاً نصيب عادل من الخيرات، والمنافع، والأعباء العامة.

ليست اعتقادات الشخص، كائنة ما كانت، ذات أهمية بهذا الخصوص، ولكن فقط كون هذا الشخص يشارك في حياة مُتَّحد ولا بد أن يتأثر، على نحو أو آخر، بالقرارات الجمعية لهذا المتحد. وهذا لا يعطيه فقط الحق في أن يشارك على قدم المساواة مع سواه في الحياة السياسية، التي يفترض أن تنتج عنها هذه القرارات، بل وأيضاً الحق في أن يسعى للحصول على أي منصب أو وظيفة، حتى وإن كانت تتعلق بصورة مباشرة وأساسية بصنع القرارات المتعلقة بالحياة العامة. في الدولة الدينية، دين الشخص، أو موقفه من الدين، هو ذو أهمية كبرى في تقرير مدى امتلاكه لحقوق المواطنة، وما هو نصيبه من الخيرات، والمنافع، والأعباء العامة. في الدولة الإسلامية المنشودة من قبل الإسلاميين، مثلاً، مواطنية غير المسلمين لن تعتبر مكتملة بدون تبنيهم الإسلام ديناً. أما اللاأدريون والملاحدة، من بين المسلمين بالولادة، فإن مصيرهم سيكون أسوأ بكثير من مصير غير المسلمين، إذ إنهم سيعاملون معاملة المجرمين. فحتى إسلامي "معتدل" نسبياً، كراشد الغنوشي، لا يتورع عن تأييد تجريم المرتدين، وما يميزه عن غير الإسلاميين هو أنه يعتبر جريمتهم جريمة سياسية، ليس إلا(19). ولكن من الواضح أن تجريم المرتد، بغض النظر عن كيفية تصنيف "جريمة" الارتداد، هو بمثابة تجريد لمواطنين من بعض حقوقهم بسبب اعتقاداتهم.

من الجدير بالملاحظة هنا أن العلمانيين، حتى وإن لم يتخلوا عن إسلامهم، سيكون لهم مصير المرتدين نفسه في الدولة الإسلامية المنشودة. فكما رأينا في البداية، فإن العقيدة الإسلامية، من منظور الإسلاميين، تتضمن اعتبار إقامة دولة إسلامية واجباً دينياً، مما يستدعي النظر إلى العلمانية على أنها مروق من الدين الحنيف، وبالتالي، شكل من أشكال الارتداد. ولكن حتى ولو تجنب العلمانيون، بأعجوبة، مصير المرتدين في الدولة الإسلامية المنشودة، فإنهم حتماً لن يوضعوا سوى في خانة أعداء الدولة، مما سيزود القيمين على مقدرات الدولة بكل ما يحتاجون إليه لتجريدهم من الكثير من حقوقهم الأساسية، بسبب اعتقادهم العلماني.

لننصرف الآن إلى تناول الأسباب لتعارض الدولة الدينية مع الشرط الخامس والأخير لإقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة. يتعلق هذا الشرط، كما رأينا بتأمين إطار تعاوني قمين بحصول تفاعل اجتماعي حواري بين ممثلي مختلف المنظورات والمصالح الجمعية المشروعة والعقائد الشاملة، بحيث يتقيد الجميع بمبدأ الاحترام المتبادل(20) في المجالات التي ليس لأي فريق أي امتياز معرفي فيها، فالمبرر الأساسي للمؤسسات الديموقراطية، كما بينَّا، هو الاعتقاد بضرورة إعطاء جميع الأفراد والفئات الفرص نفسها للمشاركة في تقرير القيم والسياسات والمعايير التي يفترض أن تنظم حولها حياتهم المشتركة. ولكن لا يمكن فصل الاعتقاد الأخير عن الاعتقاد بقدرة "العقل العام" على إيجاد الحلول لمشكلات المجتمع المشتركة. ولكن العقل العام هو العقل الجمعي، ولا يمكن، بالتالي، أن يعمل بصورة فعالة إلا ضمن إطار تعاوني، حيث تكون سيرورة التفاعل الحواري المجسدة لعمل العقل العام كلية الشمول، وتجد الضمان لاستمراريتها في التقيد بمبدأ الاحترام المتبادل.

 

خاتمة

 

لا يمكن لدولة دينية سوى أن تستبعد من سيرورة التفاعل الاجتماعي الحواري كل من لا يدينون بدين الدولة، وكذلك كل العلمانيين، حتى وإن كانوا يدينون بدين الدولة. فمن غير المعقول أن نتوقع مشاركة الأخيرين مشاركة فعالة في تقرير السياسات والقيم والمعايير التي يجب أن ينظم حولها مُتَّحدهم، والتي سيكون لنتائجها أثر على مصالحهم. لا مفر من استبعاد الأخيرين من المشاركة الفعلية - لا الإسمية - في الحياة العامة، ما دام ما تعنيه هذه المشاركة في الدولة الدينية هو الوصول إلى اتفاق حول أي السياسات والتشريعات والقيم المقترحة تنسجم على النحو الأفضل مع التعاليم الدينية. وكون المشاركة تعني هذا، يتضمن بالضرورة أن الوحيدين الذين لهم الحق في أن يقوموا بدور فعال في المجاز العام هم الذين ينتمون إلى الجماعة الدينية الحاكمة، ويؤيدون أيديولوجيتها السياسية
-  الاجتماعية اللاعلمانية، وكل من عداهم لا بد أن يحظر عليه بصورة آلية القيام بدور كهذا. إن وضعهم، في هذه الحالة، هو وضع المتفرج على ما يجري على المسرح العام.

يتضح هذا أكثر بالنظر لكون الدولة الدينية، أو حتى المطالبة بإقامتها، تشكل خرقاً فاضحاً لمبدأ الاحترام المتبادل. يستلزم هذا المبدأ، كما رأينا، أن تقترن المساواة في المشاركة مع المساواة المعرفية. وهذا يعني أنه عندما يتعلق الأمر بتعارض عقائد ميتافيزيقية شاملة، أو بتعارض منظوراتها القيمية المختلفة، فإن ما هو مطلوب، كحد أدنى، لضمان استقرار المتحد الاجتماعي هو أكثر من تحقيق تسوية موقتة Modus Vivendi  بينها. ما هو مطلوب بالأحرى هو تقيدها بمبدأ الاحترام المتبادل، الذي يوجب كما بيّنّا، أن يحترم مؤيدو كل عقيدة، أو تصور شامل للخير، الحق المعرفي لكل من يؤيدون عقيدة أخرى، أو تصوراً آخر، في أن يختاروا الطريق التي يرونها مناسبة إلى "الحق" و "الحقيقة". الاحترام المتبادل، في هذا السياق، يعني المساواة المعرفية. في غياب المساواة المعرفية، في المجال العام، تتحول سيرورة التفاعل الاجتماعي الحواري حول القضايا العامة إلى ساحة عراك، حيث كل فريق يحاول فرض عقيدته وتصوره الشامل للخير على المجتمع ككل. وهذا، في الواقع، يشكل بداية عملية استبعادية تنتهي إلى إلغاء المساواة في المشاركة، إلا إذا لم تتوافر لأي فريق الفرصة لفرض سلطته المعرفية على سائر الفرقاء، مما قد ينتهي بهم إلى تحقيق تسوية موقتة، ولكن في حال نجاح فرض فريق سلطته المعرفية، فإن نجاحه في ذلك هو بمثابة نجاح في الحظر على أي فريق آخر القيام بأي دور يذكر في الحياة العامة. إن غياب المساواة المعرفية هو غياب للمساواة في المشاركة وبداية انهيار سيرورة التفاعل الاجتماعي الحواري في المجتمع المدني.

ليس انهيار سيرورة الحوار محتوماً فقط في حال قيام دولة دينية، بل وأيضاً في حال تسييس الدين على طريقة اليمين الديني في الولايات المتحدة، وطريقة الإسلاميين عندنا. ثمة فرق طبعاً بين ما تؤول إليه هذه السيرورة في ظل دولة دينية، وما تؤول إليه نتيجة تسييس الدين، سعياً وراء إقامة دولة دينية. ففي الحالة السابقة، نجد أن الجماعة التي تحكم باسم الدين يعدو إليها وحدها تقرير شروط المشاركة في الجدل الذي يمكن أن يجري حول القضايا العامة، نظراً لكون سلطتها المعرفية هي السلطة النافذة. ولذلك حتى يحق لأي فريق آخر أن يشارك في هذا الجدل، فإن عليه أن يتقيد بهذه الشروط وأن يتخلى، بالتالي، عن سلطته المعرفية للفريق الحاكم، وإلا فسيستبعد من المشاركة في ما يجري على الساحة العامة. أما في الحالة الأخرى، حيث يجري تسييس الدين طلباً لإقامة دولة دينية، فإن الفريق اللاعلماني ليس في وضع، بَعْدُ، يسمح له بأن يقرر شروط المشاركة في الحقل العام. ولكن، مع ذلك، فإن مجرد تسييس الدين للغرض المذكور يشكل خرقاً فاضحاً لمبدأ الاحترام المتبادل، ولمبدأ المساواة المعرفية معه. يعود سبب ذلك إلى أن المطالبة بتأسيس دولة دينية هي مطالبة بإقامة مؤسسات سياسية وقانونية واجتماعية، حيث يكون للسلطة المعرفية للفريق المطالب بها القول الفصل. وهذا بمثابة دعوة لكل فريق منافس للتخلي عن سلطته المعرفية للفريق اللاعلماني. لا يوجد اعتراف في هذه الدعوة بأنه لا وجود لإلغاء الحسم في المسائل ذات الطبيعة الدينية، أو الميتافيزيقية، وأن الطريقة الوحيدة المنصفة لأصحاب العقائد الشاملة المختلفة لتنظيم تعاملهم مع بعض هي وضع اختلافاتهم الميتافيزيقية جانباً، بحيث يبقى العقل العام بمنأى عن مؤثراتها. إنّ دعوة كهذه تتضمن أن الفريق الذي تصدر عنه يعطي لنفسه الحق في أن يضع سلطته المعرفية محل السلطة المعرفية لأي فريق آخر. من هنا يتضح لماذا تسييس الدين هو خطوة كبرى في اتجاه إلغاء سيرورة التفاعل الاجتماعي الحواري، وإلغاء دور العقل العام معها، ولماذا يشكل، بالتالي، واحداً من أهم التحديات التي تواجه محاولة إقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة.

 

 

الحواشي

1-  لم أتناول هنا مفهوم العلمانية، إذ هذا يحتاج إلى بحث مستقل. لا حاجة، لغرض هذه الدراسة، سوى إلى النظر إلى الموقف العلماني على أنه يستلزم ألا تقيد أفعال البشر بأي قوانين أو سياسات عامة، إلا إذا كان ثمة أسباب، أو مسوغات، لهذا التقييد، لا يفترض التسليم بها الاعتقاد بالله. لفظة "علمانية" كما أستعملها في ورقتي، هي، إذن، النظير العربي لـ"Secularism" ولذلك ما تدل عليه هذه اللفظة ليس موقفاً من طبيعة الحقيقة، وما إذا كانت نسبية، أم مطلقة. الموقف الذي تدل عليه لا يستلزم، على المستوى الإبستمولوجي، أكثر من ضرورة اعتبار المعرفة المتعلقة بالشؤون الزمنية مستقلة منطقياً عن "المعرفة" الدينية. للتزود بصورة واضحة ومفصلة عن كيفية تصوري للعلمانية، أنظر: عادل ضاهر، الأسس الفلسفية للعلمانية (لندن: دار الساقي، 1993)، ص37 - 75.

2-  للإطلاع على موقفي من طبيعة علاقة الإسلام بالسياسة، أنظر: المصدر السابق، الفصل الحادي عشر. أنظر أيضاً: عادل ضاهر، أولية العقل - نقد أطروحات الإسلام السياسي - (بيروت: أمواج، 2001) الفصل الثامن، وعادل ضاهر، "نقد الصحوة الإسلامية"، في مواقف (العدد 58، ربيع 89)، ص 49 - 74.

3-  من الاعتراضات على نعتي نظاماً مثل النظام الشيوعي، أو النازي، بأنه نظام علماني اعتراض مفاده أن نظاماً كهذا لا يمكن أن يكون علمانياً، ما دام يضفي طابعاً مطلقاً على الأيديولوجيا الاجتماعية - السياسية التي تشكل قاعدته. من الواضح طبعاً أن إضفاء نظام كهذا طابعاً مطلقاً على أيديولوجيته يجعله مماثلاً للأنظمة اللاعلمانية، لجهة كون الأخيرة تضفي طابعاً مطلقاً أيضاً على إيديولوجيتها الاجتماعية - السياسية. ولكن ثمة فرقاً جوهرياً هنا، يكمن في أن الأخيرة تضفي هذا الطابع المطلق على إيديولوجيتها لاعتقادها أنها مستمدة من مصدر سماوي معصوم على نحو مطلق، بينما لا يقوم إضفاء الصفة السابقة طابعاً مطلقاً على أيديولوجيتها سوى على اعتبارات مستقلة عن الاعتقاد بالله. وهذا الفرق له كل الأهمية، من الوجهة المفهومية، لغرض عدم استبعاد هذه الأنظمة من ما صدق مفهوم العلمانية، بحسب فهمي للعلمانية، بحسب فهمي للعلمانية. قد يصدق على المعترض أنه ينظر إلى لفظة "علمانية" على أنها مشتقة من "علم" وليس على أنها، كما أنظر إليها أنا هنا، النظير العربي لـ"Secularism" ولكن النظر إليها، كذلك، يجعل العلمانية موقفاً يقضي بالنظر إلى المنهج المتبع في العلوم الطبيعية على أنه المنهج الصالح لكل مجالات المعرفة، حتى ما يتعلق منها بالإنسان. يشار إلى هذا الموقف عادة بلفظة "علموي"، لا بلفظة "علماني"، هو، في بعض صوره، موقف أيديولوجي من العقل، إذ إنه، بالإضافة إلى جعله العلوم الطبيعية الأنموذج الأساسي لكل نشاطات المعرفة، يقلص العقل إلى مجرد عقل وسائلي، أو تكنولوجي، نازعاً عنه وظيفته المعيارية. وهذا الموقف لا يعنيني هنا لا من بعيد ولا من قريب، وهو، على أية حال، موقف مرفوض من قبلي ]أنظر: عادل ضاهر، الفلسفة والسياسة (لندن: دار الساقي 1991) [. قد تكون في ذهن المعترض دلالة أخرى للفظة "علماني" لا تستلزم أكثر من استعمال هذه اللفظة للإشارة إلى الموقف الذي يجسد الروح العلمي، حيث يفهم بالروح العلمي النزعة نحو الموضوعية، والعزوف عن التعصب والجزمية (الدوغمائية) وما شابه ذلك. الروح العلمي ضروري طبعاً لإقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة، لأن التسامح من أجلى مظاهره. ولكن لا علاقة للعلمانية، كما أفهمها في بحثي الحالي، بالروح العلمي. فقد يكون العلماني، بالمعنى الذي يعنيني هنا، دوغمائياً في علمانيته إلى أقصى حد، أي في اعتقاده أنه لا يجوز أن يقيد البشر بقوانين إلا إذا وُجد أساس لها في مصدر غير سماوي.

4-  أنظر:  frank Cunningham, Theories of Democracy, New York: Routledge, 2002), chap5.

5-  المصدر السابق، الفصل العاشر.

6-  يعود التمييز بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية إلى أشعيا برلين. أنظر: Isaiah Berlin, Four Concepts of Liberty, (Oxford: Oxford University Press, 1969),pp. 121- 132.

7-  أنظر: Inmanuel Kant, Grounding tie Metaphysics of Morals,: tran. by j. Ellington (Hackett Publishing Co., Inc. 1981).

8-  الاعتقاد بأسبقية الحق على الخير سمة بارزة لما صار يعرف بالليبرالية الديونطولوجية المستوحاة من فكر عمانوئيل كنط، وأهم ممثل لها هو جون رولز. أنظر:

John Rawls, Political Liberalism New York: Columbia University Press, 1996),lecture v .

9-  أنظر: عادل ضاهر، أولية العقل، ذكر سابقاً ص 144 - 151.

10-  الاعتقاد بوجود رباط ضروري بين الدين والدولة في الإسلام، وأن العلمانية مروق من الدين واضح في الأعمال التالية: راشد الغنوشي، وحسن الترابي، الحركة الإسلامية والتحديث (الخرطوم: مكتبة دار الفكر، 1980) ص90 وص190: حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية (القاهرة: دار الشباب، د.ت)، ص283؛ يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف، (دار الشرق، ط2، 1984)ص 112؛ علي التميمي "الضياع بين التقريب والتخريب" في منبر الحوار، عدد9، السنة الثالثة (ربيع 1988)، ص142؛ أنور الجندي، الإسلام والدعوات الهدامة (بيروت 1974) ص 271-293.

11-  أنظر: Robert Audi, Religious Commitment And Secular Reason (Cambridge: Cambridge University Press, 2000),p.86.

12-  للتعمق في فهم طبيعة النظام الكلي، أنظر: ناصيف نصار "إسهام في نقد النظام الكلي"، في الفلسفة العربية المعاصرة، بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الثاني (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، من 61.

13-  أنظر: عادل ضاهر، الأسس الفلسفية للعلمانية، ذكر سابقاً، الفصل الحادي عشر.

14-  عالجنا الطبيعة التوتاليتارية للدولة الدينية بإسهاب في: عادل ضاهر، أولية العقل، ذكر سابقاً، الفصل الثامن.

15-  راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص294-295.

16-  عالجنا هذا الاعتراض بصورة أكثر تفصيلاً في: أولية العقل، ذكر سابقاً، ص391-59.

17-  أنظر: John Rawls, Political Liberalism, op. cit, Lecture IV.

18-  المصدر السابق.

19-  راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ذكر سابقاً، ص49-50.

20-  عالجنا هذه المسألة بإسهاب في: عادل ضاهر، أولية العقل، ذكر سابقاً، ص400-410.

 

 

النظام اللاعلماني قد لا يتعارض مع الديموقراطية بمعناها الإجرائي، ولكنه حتما يتعارض مع إقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة. 1

النظرية الليبرالية في التعددية هي، على نحو أو آخر، محاولة لتسويغ وضع قيود على السلطة السياسية، بحيث يضمن ذلك المحافظة على الحريات الأساسية، 2

 

فما يتضمنه رفض مبدأ الاحترام المتبادل هو أن الفريق الرافض له يفترض أن من حقه أن يحل سلطته المعرفية محل السلطة المعرفية لسائر الفرقاء، على الرغم من أنه يرفض أن يكون لأي فريق آخر الحق نفسه. 3

 

ففي غياب التعددية في المصالح والهويات والمنظورات القيمية، لا تعود مسألة عدالة، أو عدل، المؤسسات الديموقراطية مسألة مطروحة. 4

 

. فلا أحد، هو من الذكاء والحكمة والطيبة والعدل، بمكان، بحيث يجوز أن يعطى الحق في أن يحكم الآخرين بدون رضاهم. 5

 

تسييس الإسلاميين للإسلام يختلف بصورة جوهرية عن تسييس دعاة لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية للمسيحية، لأن الأخيرين لم يروا إلى السياسة بوصفها ترتبط جوهرياً بالمسيحية. 6

 

إذن، ما دامت الحاكمية في المجال العام لا تمارس إلا من خلال بشر، فإن ما يتبع مع هذا بالضرورة هو أن الجماعة الإيديولوجية التي ستحكم باسم الله لن يكون لها غرض أهم من الاستئثار بالسلطة. 7

 

الدولة الإسلامية المزمع إقامتها لا يمكن، بحكم طبيعتها، أن تكون محايدة إزاء المنظورات المتعددة، وأن تعمل، بالتالي، على ضمان المساواة في فرص العمل السياسي لجميع الأفراد والفئات، وتوفير الشروط لكل صوت لأن يسمع. 8

 

فإن المبادئ التي ينبغي أن تشكل الملاذ الأخير لأي مجتمع ديموقراطي - المبادئ الدستورية - لا يمكن أن تضمن إقامة مؤسسات ديموقراطية عادلة، إلا إذا كان ثمة إجماع متشابك حولها. 9

من الواضح أن تجريم المرتد، بغض النظر عن كيفية تصنيف "جريمة" الارتداد، هو بمثابة تجريد لمواطنين من بعض حقوقهم بسبب اعتقاداتهم. 10

 

سيرورة التفاعل الحواري المجسدة لعمل العقل العام كلية الشمول، وتجد الضمان لاستمراريتها في التقيد بمبدأ الاحترام المتبادل. 11

 

ليس انهيار سيرورة الحوار محتوماً فقط في حال قيام دولة دينية، بل وأيضاً في حال تسييس الدين على طريقة اليمين الديني في الولايات المتحدة، وطريقة الإسلاميين عندنا. 12