العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

هل يسمح الزمان بتحرير الذهن الأميركي من الصهينة ويقظة الغرب لمصلحة قضايانا

دراسة: جان بريكمون / ترجمة: الدكتورة ماري شهرستان
الجمعة 15 أيلول (سبتمبر) 2006.
 

هناك العديد من الديموقراطيات في العالم، هي أكثر علمانية ومدنية بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة (مثل السويد وفرنسا)، وهناك العديد من البلدان يرغبون في شراء النفط بأفضل الأسعار (الصين) دون إثارة أي حقد ملحوظ في الشرق الأوسط.

والحقيقة إنه، عبر الشرق الأوسط، يُنظر إلى الأمريكيين والأوروبيين على أنهم متغطرسين، وغير محبوبين. لكن مستوى الكراهية وصل إلى مستوى أدى بشريحة كبيرة من الشعب، وخصوصاً في الشرق الأوسط، تصفق طرباً لحادثة مثل حادثة 11 أيلول. في الواقع، المعنى السياسي الرئيسي لـ11 أيلول لم ينتج عن عدد القتلى، أو عن الكيفية المذهلة التي نفذ بها المهاجمون العملية، بل عن واقع أن الاعتداء كان شعبياً في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط. وهذا الأمر فهمه القادة الأميركان وأغضبهم. إن كراهية بهذا المستوى ينبغي أن تقودنا إلى تفسير ما.

لا يمكن أن يكون هناك سوى تفسير واحد: دعم الولايات المتحدة لإسرائيل.

في الحقيقة، إسرائيل هي الموضوع الرئيسي لهذه الكراهية، لأسباب سوف نشرحها لاحقاً، طالما أن الولايات المتحدة قدمت لها المساعدات، ودعمتها بلا حدود على جميع الأصعدة، مادحة إياها باستمرار، وكأنها "الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" ! موفرة وناقلة لها معظم ما تحتاجه من مال وعتاد، مما أدى إلى "انتقال" “transfer” الكراهية.

 

يقال للأميركيين باستمرار إن عليهم الدفاع عن أنفسهم ضد الشعب الذي "يكرههم" لكن دون أن يعوا لماذا يكرهونهم. هل يكون السبب في ديموقراطتينا المدنية العلمانية؟ أم شهيتنا للنفط؟

لماذا إسرائيل مكروهة إلى هذا الحد؟ 

ألأنها تعيق "مخططات السلام" بشكل ٍمستمر، بغية احتلال المزيد من الأراضي، مع مزيد من تصعيد الحرب التي تضرم نار الكراهية؟ أم أن السبب الأساسي يكمن في المبادئ نفسها التي بُنيَت عليها هذه الدولة؟ هناك حجتان أساسيتان تبرران إقامة دولة إسرائيل في أرض فلسطين: الحجة الأولى هي أن الله قد أعطى هذه الأرض لليهود، والحجة الأخرى هي الهولوكوست . فالحجة الأولى تتعلق بفئة من اليهود المتدينين بشكل ٍ عميق، كالعرب تماماً، لكن بمعتقد ٍآخر. والحجة الأخرى تجعل شعباً يدفع ثمن جريمة لم يرتكبها.

الحجتان عنصريتان بعمق شديد، مع مطالبتهم "بحق اليهود"، واليهود فقط، بإقامة دولة على أرض هي عربية تماماً، تماماً كوضوح الشمس، مثل الأردن أو لبنان، أو ... إن لم يكن اجتياح صهيوني بطيء... حيث قد نُصَّ عليه بـ"قانون العودة": فأي يهودي، أياً كان، وفي أي بلد موجود فيه، وليس له أي علاقة بفلسطين، ولم يتعرض لأي نوع من أنواع الاضطهاد، بإمكانه، إن هو أراد، أن يهاجر إلى إسرائيل ويصبح فيها مواطناً بكل سهولة، بينما السكان الأصليون الذين نزحوا عام 1948، أو أطفالهم، لا يستطيعون العودة... بالإضافة إلى ذلك، واقع أن مدينة تدعي الأديان الثلاث أنها مقدسة بالنسبة إليها أصبحت "العاصمة الأبدية للشعب اليهودي" (ولهم فقط)، فيمكن المرء أن يبدأ بفهم الغضب الذي يثيره هذا المعتقد في العالمين العربي والإسلامي.

هذه العنصرية هي، تحديداً، الأمر الذي يثير غالبية العرب، حتى لو لم يكن لهم أي علاقة شخصية بفلسطين (حتى لو أنهم يعيشون في ضاحية فرنسية). كما يُفقِد هذا الوضع شرعية الأنظمة العربية العاجزة عن مواجهة العدو الصهيوني، وبعد هزيمة قادة المنطقة الرئيسيين العلمانيين، عبد الناصر وصدام حسين، نمت الأصولية الدينية.

في الوقت الحاضر، يجد الشعب أن العنصرية هي أمر غير مقبول على الإطلاق، ويرفضونها أكثر من الاستغلال الاقتصادي، أو من الفقر.

فإذا أخذنا بعين الاعتبار حالة جنوب أفريقيا: ففي عهد النظام العنصري، أي الأبارتايد، كانت ظروف معيشة السود سيئة، لكن ليس بالضرورة أسوأ من باقي أنحاء أفريقيا (أو حتى جنوب أفريقيا الحالية). لكن النظام كان عنصرياً بجوهره، وكان الشعور السائد هو إهانة للسود في كل مكان بما فيهم السود في الولايات المتحدة. لذلك ذهب الصراع في فلسطين إلى أبعد من كون العربي في إسرائيل مواطن من الدرجة الثانية، وحتى أبعد من مسألة معالجة الأراضي المحتلة، حتى لو أن دولة فلسطينية تمت إقامتها على هذه الأراضي وحتى لو أنه تم إعطاء المساواة الكاملة للعرب الإسرائيليين، فإن جروح عام 1948 لن تشفى بهذه السرعة. بإمكان القادة العرب، وحتى القادة الدينيين منهم توقيع معاهدات سلام مع إسرائيل، لكنها معاهدات هشة، طالما أن السكان العرب يعتبرونها غير عادلة، ولا يقبلونها من كل قلبهم.

فلسطين هي كالألزاس - واللورين، أو تايوان العالم العربي، ولو أنه من الصعب عليهم استرجاعها هذا لا يعني أنه ممكن نسيانها. (أنا لا أقدم هنا تحاليل لمصلحة "إزالة إسرائيل من الخارطة" أو لمصلحة "حل الدولة الواحدة"، لكنني أتابع فقط ما يبدو لي أنه أساس وعمق المسألة. في الحقيقة، أنا لا أسوق لأي حل جزئي، لأنه يبدو لي عدم وجود أي حل ممكن التوصل إليه في المدى القريب، لكن بشكل ٍأساسي لأنني لا اعتقد أن من هم خارج الشرق الأوسط ينبغي أن يقترحوا مثل هذه الحلول).

ليس هناك من دلائل على أن هذه الأمور مفهومة في إسرائيل، إلا من بعض الأفراد. فإذا كان العرب يكرهونهم، فيكون ذلك مثالاً آخراً يدل على أن كل إنسان يكره اليهود، ويبرهن ما مؤداه أن عليهم "الدفاع عن أنفسهم" ويكون ذلك أمراً ملحاً. هذا أمر سيء للغاية، لكن لماذا هو غير مفهوم في الولايات المتحدة أيضاً؟ هناك تقليدياً جوابان على ذلك:

الجواب الأول هو انه قد تم تضليل الشعب باتجاه دعم الحكومة لإسرائيل، وتجّار الأسلحة أو صناعة النفط، لأن إسرائيل هي الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة. الجواب الثاني هو أن الولايات المتحدة قد ضللها اللوبي. إن الفكرة القائلة بأن إسرائيل هي حليف استراتيجي فكرة لن تثبت عندما تخضع لنقد وتحليل دقيقين. إذا كان معنى "حليف مفيد" (للقول أنها مفيدة من جهة مصالح النفط، هو أمر مفهوم بشكله الواسع) كما انه مقبول من اليسار بشكل ٍخاص. قد يكون ذلك مقبولاً في حرب الـ1967، أو حتى خلال فترة الحرب الباردة ، ومن الممكن القول انه حتى عندما كانت الدول العربية قد ذهبت باتجاه الاتحاد السوفييتي كان ذلك فقط لأنه كان من الممكن أن يدعمهم في صراعهم ضد إسرائيل، مع أن ذلك كان عديم الجدوى.

لكن الولايات المتحدة في أعوام 1991 و2003، هاجمت العراق دون أي مساعدة من إسرائيل، حتى إنها تمنت عليها عام 1991 ألا تتدخل حتى لا تؤثر في تحالفاتها العربية.

وإذا نظرنا إلى ما بعد 2003 أي بعد احتلال العراق، وافترضنا أن هدف هذا الاحتلال هو السيطرة على النفط. ففي أي اتجاه ساعدت إسرائيل في هذا الموضوع؟

كل شيء يحصل (الاعتداءات الجارية على غزة ولبنان مثلاً) يؤلب العرب كما أن دعم أميركا لإسرائيل يجعل السيطرة على النفط أصعب بكثير، وليس أسهل. حتى البرلمان العراقي، المالكي والسيستاني اللذين هما أقرب حلفاء يمكن أن تجدهم أميركا في العراق، يدينان ويشجبان أعمال إسرائيل.

في النهاية، مجرد التصوّر أن الولايات المتحدة قد تقوم بتغيير 180 درجة، وفجأة تقف إلى جانب الفلسطينيين كما فعلت مع الكوسوفيين ضد الصرب، (الذين كانوا كالإسرائيليين، أغنى وأكثر ميلاً للغرب من أعدائهم الألبان) هو تغيير في السياسة قد لا يكون مستحيلاً: فعندما اجتاحت إندونيسيا تيمور الشرقية عام 1975، دعمت أميركا هذا الاجتياح بتوفير غالبية الأسلحة لإندونيسيا. وبعد 25 عاماً، دعمت أميركا، أو على الأقل لم تعارض حصول تيمور الشرقية على استقلالها.

ما هو تأثير ذلك؟ هل يمكن لأحدهم أن يشك أن مثل هذا التغيير في السياسة لن يسهل وصول الولايات المتحدة إلى حقول النفط، ويساعدها على كسب حلفاء استراتيجيين (أن كانت لا تزال تحتاج لذلك) في العالم الإسلامي؟ ففي الشرق الأوسط، الملامة الوحيدة ضد الولايات المتحدة هي أنها مؤيدة لإسرائيل وداعمة لها، وتترك المجال لليهود كي يتلاعبوا بها وفق مصالحهم. على أي حال، إن غيرت واشنطن وجهتها، لن تكون هناك أسس للعداء ضد الولايات المتحدة، بالإضافة إلى سيطرتها على النفط. وبذلك يكون المفهوم السائد أن إسرائيل هي حليف استراتيجي مفهوماً فارغ المعنى.

يقودنا ذلك إلى جواب "اللوبي الإسرائيلي" الذي هو اقرب إلى الحقيقة، لكن ليس كل الحقيقة. لكي نحصل على الصورة كاملة ينبغي علينا أن نفهم لماذا يعمل هذا اللوبي بفعالية كبيرة، وهل هذا يكمن خارج أفعال اللوبي نفسه. على أي حال، المناضلون الصهاينة الذين يشكلون اللوبي هم أقلية بين اليهود، الذين بدورهم يشكلون أقلية صغيرة ضمن الشعب الأمريكي. فاللوبي الإسرائيلي لا يعمل كباقي اللوبيات، مثل لوبيات صناعة الأسلحة والنفط (وهذا أحد الأسباب التي تثبت أنه يجب التخلص منه، لأنه غير ملائم، وطالما أننا لا نفهم كيف يمارس تأثيره فعلياً).

طبعاً، يموِّل اللوبي الإسرائيلي الحملات الانتخابية، وتكمن قوته جزئياً في قدرته على استهداف أعضاء الكونغرس الذين ينحرفون عن خطه. لكن لو كان ذلك هو الأمر الوحيد، لكان من السهل إبطاله، لكن هناك مصادر تمويل أخرى للانتخابات، كاللوبيات الصناعية الكبيرة على سبيل المثال، وإذا تبيّنَ أن المرشحين المؤيدين لإسرائيل قد قبضوا مالاً لخدمة مصالح دولة أخرى، فإن منافسيهم يفضحونهم لأنهم تلقوا أموالاً من اللوبي، كعملاء لسلطة أجنبية. لنتصور لوبي مؤيد لفرنسا، أو الصين، أو اليابان، قد يحاول التأثير بشكل فعال على الكونغرس الأميركي. فبالتأكيد، المال وحده لا يكفي. 

الأمر الذي يحمي اللوبي الإسرائيلي هو أن أي إنسان يحاول أن يفضح منافساً قد موَّله اللوبي على انه عميل لسلطة أجنبية، قد يُتهَم على الفور بمناهضة السامية.

واقعياً، لنتصوّر أن المشاريع الكبرى غير راضية عن سياسات الولايات المتحدة الحالية وتريد أن تغيّرها - كيف يمكن لها أن تفعل ذلك؟ فأي نقد لتأثير اللوبي على سياسة الولايات المتحدة سيثير على الفور حفيظته، ويُحوِّل اتهام مناهضة الصهيونية إلى مناهضة السامية.

كما أن قوة اللوبي الإسرائيلي تكمن جزئياً في خط الدفاع الثاني المرتبط بتأثيره على الإعلام. لكن هذا الأمر أيضاً يمكن محاربته بسهولة - فليس كل الإعلام هو تحت تأثير اللوبي، والاهم من ذلك أن ليس كل الإعلام قوي وفعّال: ففي فينزويلا، الإعلام هو ضد شافيز، لكن شافيز يربح الانتخابات بشكلٍٍ منتظم. وفي فرنسا، كان الإعلام يعمل بشكل ساحق لمصلحة الـ"نعم" في الاستفتاء على الدستور الأوروبي، لكن الـ"لا" ربحت!.

المسالة هي لماذا اللوبي الإسرائيلي هو بهذه الفعالية القوية؟ لأنه يعبِّر عن نظرة للعالم ووجهة نظر مقبولة بسهولة تامة من قِبَل الكثير من الأميركان.

 وهل هناك أمر مضحكا أكثر من اتهام أحدهم بمناهضة السامية، لأنه يريد، أو يطالب. بتقديم مصالح أميركا على مصالح إسرائيل. ويبدو هذا الاتهام فعالاً، لأنه مرّت سنين من غسل الدماغ أيديولوجياً، حيث أصبح الشعب نتيجة لذلك مهيأ ومقتنعاً لاعتبار أن مصالح أميركا وإسرائيل هي المصالح نفسها - مع انه عوضاً عن المصالح ينبغي التحدث عن القيَم. ويشترك مع هذه الأمور النظرة العدائية للعالمين العربي والإسلامي، حيث تزيد من فعالية اللوبي، والتي هي في بعض نواحيها نتيجة لدعايته. ورغم كل ما يُقال عن مناهضة العنصرية والإصلاح السياسي، هناك نقص كامل في فهم وجهة النظر العربية بالنسبة إلى فلسطين، وخصوصاً طبيعة الموضوع العنصري في المسألة. فهذه السيطرة على الأمور الثلاث (التمويل الانتقائي، وورقة مناهضة السامية أو الأصح اللامعقولية، والخصوصية الباطنية) توفر للوبي قوته الفريدة. (وهذا أيضاً يوفر السهولة في استبعاده وتبرئته كالقول على سبيل المثال، أن اليهود لا يسيطرون على أميركا. هذا أكيد، لكن السيطرة المباشرة ليست هي سبيلهم، ولا يعملون بها).

والناس الذين يعتقدون أن صناعة الأسلحة والنفط هي التي تصنع المشهد في واشنطن في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، ينبغي عليهم على الأقل الإجابة على السؤال التالي:

كيف تسير الأمور؟ إذ لا يوجد أي مبرر يدل على أن صناعة النفط على سبيل المثال، دفعت باتجاه الحرب على العراق، ولا باتجاه الضغط على إيران، أو الاعتداء على لبنان. (هناك الكثير من الدلائل على أن اللوبي الإسرائيلي دفع باتجاه الحرب على العراق، انظر جيف بلانكفورت، حرب لإسرائيل . المفترض أنهم يعملون بالسر، هذا مؤكد، لكن أين الإثبات على ذلك؟ وكيف لنا أن نعرف بدون دلائل، حتى لو كانت غير مباشرة؟

الاستفادة من الحرب، بالنسبة إلى الاتحادات الكبيرة الرئيسية لم تتحقق بعد،هناك دلائل ومؤشرات كثيرة تدل على أن اقتصاد الولايات المتحدة سيعاني كثيراً ومطولاً من ازدياد مصاريف الحرب والخسائر الناجمة عنه. من جهة أخرى، يكفي أن نقرأ أي صحيفة للتيار الرئيسي في الولايات المتحدة، أو أن نفتح التلفاز، أو نسمع، أو نقرا الآراء التي يعبِّر عنها الصهاينة، نجد أنهم يدعون لمزيد من الحرب. فالحرب تحتاج إلى دعاية حرب، وإلى دعم أيديولوجي، والصهيونية توفر ذلك تماماً، بينما لا نجد أياً من هذه الأمور توفرها الصناعات الكبيرة، عموماً، أو صناعة النفط خصوصاً.

قد يفكر المرء أيضاً بسوابق تاريخية، مثل اللوبي الصيني في أعوام 1950 و1960. دفع هذا اللوبي الولايات المتحدة لدعم المطلب المضحك أن هناك بليون نسمة تمثلهم حكومة (تايوان) لا تسيطر عليهم. وكان أيضاً شديد التأثير في الدفع نحو حرب فييتنام. أي مصالح كانوا يخدمون؟ مصالح الرأسماليين الأميركان؟

في الواقع، كلا البلدين، كما غالبية آسيا، كانوا ضد الاستعمار والإمبريالية، والإقطاعية (جزئياً، لأن البنى الإقطاعية لا تسمح لهم بمقاومة الغزوات الأجنبية).

 وكانوا ضد الرأسمالية (نظرياً، إذ أن الرأسمالية لم تكن تتواجد إلا قليلاً) ربما لأن المعتدين - أي الغرب- كانوا رأسماليين. والدرس الرئيسي الذي يمكن أخذه من تاريخ اللوبي الصيني المأساوي هو انه حافظ لعقود عديدة على رهان السياسات الأميركية تجاه الإقطاع والقوى الاكليريكية التي كانت غريبة عن التيار الأميركي الرئيسي، والآن صعبة على الرأسماليين الأميركيين. لكنهم عملوا إلى أبعد مدى، وكانت أيديولوجيتهم في الوقت نفسه مشربة بالسلفيات الغربية المجحفة - مازجين بين الخوف والكره العنصري للـ"فكر الآسيوي" -

لنضع اللوبي الصيني مكان اللوبي الإسرائيلي، والفكر الأسيوي مكان الفكر العربي، فنحصل على صورة ما يحصل الآن في العلاقات الأميركية والشرق أوسطية.

ماذا يجب على اليسار أن يفعل الآن؟ حسن، الأمر بسيط: معاملة إسرائيل تماماً مثلما تم التعامل مع جنوب أفريقيا، ومهاجمة اللوبي. السبب الذي يجعل إسرائيل تتصرف بهذا الأسلوب هو أنها تشعر بقوتها، وهناك أيضاً سببان: الأول هو "جيشها القوي"

(في الوقت الحالي تم اختباره في لبنان، لكن ليس بشكلٍ ٍتام)، والسبب الثاني هو السيطرة التامة على الصناعة السياسية الأميركية في واشنطن، خصوصاً في الكونغرس. فالسلام في الشرق الأوسط يمكن أن يحل فقط عندما تشعر إسرائيل أن تفوقها قد أنهار، وعلى الأميركان مسؤولية كبيرة، فهم يقومون بنصف العمل، إذ إن النصف الآخر يتعلق بإنقاص الدعم الأميركي عن إسرائيل.

والآن، هناك من حيث المبدأ وسيلتان لتنفيذ ذلك: الوسيلة الأولى هي نداء لكرم الأميركان، والوسيلة الأخرى هي تذكيرهم بمصلحتهم - الخاصة. الوسيلتان ينبغي أن يتم متابعتهما، لكن الثانية لا يركز عليها اليسار بشكل ٍ كاف ٍ.. من المرجح لأن المصلحة الخاصة لا تبدو أنها "نبيلة" ولأن متابعة "المصالح القومية الأميركية" قد تم تفسيرها غالباً على أنها قلب تدريجي للحكومات، أو بيع الانتخابات، الخ. لكن إذا كان البديل للمصلحة الذاتية يكون شكلاً من التعصب الديني، عندها تكون المصلحة الذاتية أفضل: فلو أن الألمان تبعوا سياسات المصلحة الذاتية عام 1930، حتى السياسات الإمبريالية، لكن بشكل معقول، لكان بالإمكان تجنب الحرب العالمية الثانية. كذلك إذا أبعدت الولايات المتحدة نفسها عن إسرائيل، قد تنهج سياسات معاكسة للسياسات التقليدية، وتكون بذلك اكثر إنسانية بأشواط. المسألة الأخرى هي أن قسماً كبيراً من اليمين (من بوكانان إلى بريزنسكي) يرون تماماً أن مصالح أميركا قد تعاكست مع مصالح إسرائيل، واليسار (طبعاً) لا يرغب أن يعمل في قضايا مشتركاً مع هذه المجموعة. لكن القضية العادلة (وفي هذه الحالة، ملحة) لن تصبح اقل عدلاً لأن أشخاصاً سيئين يدعمونها (الحجة نفسها تثار لمناهضة السامية ضد المعادين لإسرائيل). وأسوأ ما يمكن لليسار أن يفعله هو أن يترك لليمين امتياز هذه القضية العادلة.

لا يتوقع اليسار بأن يتغير الشعب الأميركي جذرياً بين ليلة وضحاها، وان يترك الأصولية الدينية، أو يتنازل عن حاجته للنفط أو أن يعتنق الاشتراكية. لكن تغيير الرؤيا والأفق في الشرق الأوسط هو أمر ممكن: فقوة اللوبي هي أيضاً مكمن ضعفه.  اليسار وحده يظل عاجزاً. ولتغيير هذا الأمر ينبغي الدفاع جدياً، وبشكل ٍ منتظم عن كل سياسي، وكل صحفي، وكل أستاذ يستهدفه اللوبي بسبب وجهات نظره.

في الحركة المناهضة للحرب، عندما تشيح النظر عن إسرائيل، وتوجه اللوم لشركات النفط، أو للمصانع الكبيرة من اجل الحرب (خصوصاً حرب لبنان أو الضغوطات على إيران) نتساءل ما إذا كانت عندهم البراهين على ذلك. تحدي المدافعين عن النصرانية، أو إعطاء أعذار لإسرائيل ولوبيها ضمن دوائر متصاعدة. فعندما يدعي السياسيون والصحافيون أن  الولايات المتحدة وإسرائيل لهما مصالح مشتركة، أسأل ما هي تماماً الخدمات التي قدمتها إسرائيل حديثاً للولايات المتحدة. يمكن طبعاً الإشارة على الدوام إلى الخدمات الصغيرة. لكن عندها تسألهم عن تحليل الفائدة المكتسبة: لماذا مثل هذا التحليل هو لماذا من المستحيل إجراء مثل هذا التحليل علنياً؟ وإذا تحدثوا عن قيم مشتركة أبرز لهم قائمة من التمييز والعنصرية في القانون الإسرائيلي بالنسبة لغير اليهود.

التصدي للوبي قد يتطلب تغير النفسية الأميركية، مع احترام شعب الشرق الأوسط والإسلام، مثلما كان إنهاء حرب فييتنام تطلب تغيير النظرة إلى الآسيويين. من هنا، سيكون لذلك تأثير كبير على الثقافة الأميركية من الناحية الإنسانية.

صحيح أن تغيير سياسة أميركا مع احترام الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لن يغيير شيئاً في الإمبريالية التقليدية، وستظل امريكا تدعم النخب في كل مكان، وتضغط على البلدان، لتوفر لها "مناخ جيد للاستثمار" لكن الصراع في الشرق الأوسط متضمناً العراق وإيران ولبنان وسوريا وفلسطين، له كل سمات الحرب الدينية مع الإسلام من جهة والصهيونية والدين الغربي العلماني من جهة أخرى. والحروب الدينية تكاد تكون اعنف الحروب التي يستحيل السيطرة عليها. والرهان في إزالة الصهيونية من الفكر الأميركي يقرر مصير وقدر سكان فلسطين التعساء، وكذلك المآسي الفظيعة لشعوب المنطقة وربما للعالم بأسره. وتكمن غرابة الموضوع في كل ذلك هو أن قَدَر العالم يتعلق بممارسة الشعب الأميركي لحقه في تقرير مصيره، وهذا ما ينبغي عليه فعله.

  

 جان بريكمون، يدرِّس الفيزياء في بلجيكا، وعضو محكمة بروكسيل. له كتاب جديد

 Humanitarian Imperialism  (إمبريالية إنسانوية).

 استخدام الصهاينة للاهوت الوعد لتبرير اغتصاب الأرض.

 حجة واهية، لأن اليهود بدأوا بالتأسيس لدولتهم قبل حوالي ستين عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية.

 A War for Israel

 انظر ميخائيل نيومان، ما ينبغي أن يقال Michael Neumann، What is to be said?

لمناقشة المظاهر الأخلاقية في هذا الخيار.