العدد الرابع عشر - آب - أيلول 2006

مفارقـة جاهليـة الاحتـلال

محمود حيدر
الجمعة 15 أيلول (سبتمبر) 2006.
 
New Page 1

ماذا لو استعدنا الخامس والعشرين من أيار (مايو) 2000، من باب آخر غير الذي يُراد لنا أن ندخله آمنين بعد سقوط بغداد؟

نحسب، للوهلة الأولى، أن يكون للسؤال أثر مفارق. ذلك أنه (السؤال) يتأتى من ريب مقيم، في أن تستعيد النفس السياسية الإسرائيلية نصابها من هزيمتها، وإن جاءت استعادة كهذه على أجنحة الحروب الأميركية المفتوحة على المنطقة.

ثمة بين الحادثين اللبناني والعراقي سنوات مكتظة بالمفارقة، مع أن الجدل بينهما قائم في منطقه الداخلي على أرض الانفصال والاتصال. لكن من دون أن يؤدي هذا الجدل إلى إسقاط الحادث على الحادث، بلا وجه حق، ولسوف نرى ما يمكن أن نسمّيه بـ"صلة المعنى" في الحادثين، لا سيما لجهة المناخ النفسي ـ الثقافي الذي ولَّده ثاني احتلال مباشر لعاصمة عربية كبرى في التاريخ الحديث بعد بيروت.

ولنا أن نقرأ المفارقة: لو أُخِذَ الحادث اللبناني قبل ست سنوات، على قياس الغلبة والاقتدار والتحرير، أياً كانت سعة هذا القياس، لكان لنا الإدعاء: إنما هو نصر صافٍ بامتياز. وفِّر للأمة ربما لأول مرة بعد نكبة فلسطين، أن تفارق ولو ببطء ظلمة الهزيمة.

أما لو قرأنا الحادث العراقي على قياس الاحتلال، لقلنا إنَّه انكسار مدوًٍٍٍٍِّ لا ريب فيه. وأنَّه شرَّع الباب لرياح لا حصر لاتجاهاتها. إلاَّ أنه على الحصر أعاد مشاعر الهزيمة لتحتل مساحة إضافية وواسعة في مجتمعاتنا الأهلية والثقافية والسياسية.

قد يكون علينا، لكي نبقى في باب الضوء، أن نتبيَّن هذه المنطقة من النقاش، عنينا بها منطقة التهافت الثقافي، والسياسي، التي حلَّت كغيمة سوداء في سمائنا، بعدما كان تأسَّس لنا، في جنوب لبنان، اللحظة النادرة لما جاز لنا أن نسميه " الزمن المفارق".

الذي يهمنا في الدائرة المتسعة من العلاقة بين حادث التحرير اللبناني في أيار (مايو) 2000 وحادث احتلال العراق في آذار (مارس) 2003، هو المُنعَقَدُ الثقافي السياسي على ثنائية الهزيمة والنصر.

فما لا يُشك فيه أن الاحتلال الأميركي للعراق أطلق مناخاً معاكساً تماماً لذلك المناخ الذي زامن تحرير القسم الأعظم من الأرض اللبنانية. ومن قرأ المشهد الأخير سيلاحظ هذا المؤدى:

     أولاً ـ استشراء سريع لنزعة تسليمية بحصاد الحرب الأميركية .

ثانياً ـ قبول تدريجي للخطاب الثقافي والأيديولوجي والسياسي للحرب، ما يعني التعامل بإيجاب شبه مطلق مع ما تسوِّقه الآلة الإعلامية الأميركية حول مشروعية الحرب، من خلال الادعاء بـ"مشروعية" أو "حقانية" نتائجها على الشعب العراقي ودول الجوار.

ثالثاً ـ تراجع الثقافة الدولية التي عارضت الحرب على العراق، حيث استطاعت الذرائعية الأميركية، ومؤيدوها في الغرب والعالم العربي والإسلامي، أن تلقي ظلاً عارماً على المشاعر الأخلاقية الحائرة والمتضاربة، حول شرعية الحرب، أو عدم شرعيتها. وكانت النتيجة خفوت وانكفاء الأصوات القائلة إن "الحرب غير الشرعية تبقى عملاً متعارضاً مع الأخلاق ومع القانون ومع القانون الدولي، حتى لو استتبعت نتائج مرجوَّة من وجهة نظر معيارية".

وفي هذا الصدد، شاعت بدايات يقين أطلقها "المثال العراقي"، وروَّجت لها تقنيات الدعاية الفائقة القوة والاتساع، من أن النتائج المباشرة التي أسفرت عن سقوط الدكتاتورية في العراق منحت أميركا شرعية التصرف في العالم الثالث كما تريد، ما دامت آتية إليه لتحريره من عبودية الأنظمة، وفساد السلطة، وغياب الديموقراطية، وانعدام حقوق الإنسان.

  رابعاً ـ المثال العراقي الذي يُراد له أن "يُستنسخَ" على مدار الشرق الأوسط الكبير، بدا كأنَّما يظهِّر الصورة "الممتازة" عن الاحتدام الصريح بين التشظي والوحدة. ما كان لأحدٍ أن يساوره الظن، بأنْ تأتي ساعة يهجس فيها العراقيون بما خلا منه وجدانهم، وتفكيرهم، وعيشهم اليومي، سحابة تاريخ طويل من الانتماء الحميم لعراقيتهم. مع ذلك، يُراد للمثال العراقي ، أن يمتد على مساحة الشرق الأوسط، من لبنان إلى السودان، إلى موريتانيا، إلى قبائلية المغرب العربي الكبير، ناهيك عمَّا يعدّ لإيران وتركيا وسوريا، ولما تبقَّى من عصبيات العرق والدم في آسيا وأفريقيا.

إلى هذه المؤدَّيات عادت إلى السطح بقوة، طريقة في التفكير كانت ألِفَتْها البيئات الثقافية والسياسية والفكرية طويلاً في بلادنا، وهي تلك التي تنظر إلى العدو كقوة لا تُهزم، وإلى أحوالنا بوصفنا أمة لا تعرف سوى الهزيمة.

ولو عاينَّا الصورة قليلاً، لرأينا كيف أنَّ سَيْريَّات مستأنفة من إجراءات التحويل في القناعات والاعتقادات، تؤول على الجملة إلى اجتياح بيئات إضافية من هويات الممانعة.

لعلَّ الأبرز والأخطر في تلك السَّيْريَّات هو مسعى "الأمركة الأمنية الثقافية" نحو إبطال مفعول الهوية بأبعادها وأحيازها المختلفة. أي بوصفها "قنبلة في الرأس" على ما يبيِّن أيديولوجيو الحروب الافتراضية تلك الهوية، التي لو ظلَّت على حيويتها لتعثَّر المسعى، ولاستحال إقصاء احتمالات الممانعة والمقاومة، وإسقاط أطروحة التحرير، بما هي الأطروحة الأكثر جاذبية للوجدان العام.

العقل السياسي الإسرائيلي يدرك أن ما حلَّ به في الخامس والعشرين من أيار 2000 كان زلزالاً لن ينجو منه بيسر. كذلك يدرك أن زلزالاً بحجم احتلال العراق ينبغي أن يكون موازياً لإحياء الرهان على إعادة ترميم بنية الجيش الذي قُهِرَ في جنوب لبنان، والذي يستغرق الآن، في حرب استنزاف لا هوادة فيها في فلسطين.

الآن، لا يزال المشهد في بداياته، والسعي المحموم إسرائيلياً لإحراز انقلاب في الصورة، لبنانياً وفلسطينياً يجري بالتوازي مع السعي الأميركي الشاق للتطبيع مع الاحتلال.

وإذا كانت المشقَّة الأميركية كبيرة في إقناع العرب والمسلمين والعالم بمقولة "الاستعمار الرحيم" للعراق، فإنَّ المشقة الإسرائيلية تبدو مستعصية إلى حد الاستحالة في ديمومة "الاحتلال الآمن لفلسطين، ولما تبقى من أرض لبنان".

يدرك العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، وهو ينظر إلى هذه الحقيقة، ما لثقافة القبول والانهزام لدى العرب على امتداد نصف قرن من مفاعيل حاسمة في نشوء الكيان، وقيامة الدولة الصهيونية. وسيجد الإسرائيليون في سقوط بغداد اللحظة النادرة لإعادة صوغ ثقافة الغلبة. هذه الثقافة التي راحت ترسِّخ في الوعي الثقافي العربي أطروحة الدولة الاستثنائية. أي الزعم بأنَّ إسرائيل لا تزال تلك الدولة التي يظهر اقتدارها على أرض السياسة، كتجلٍّ لأمرٍ ذاتي وتكويني لا يقبل الضعف والتراجع. 

لقد ظهر بما لا يقبل الجدل تماثل الرغبتين الأميركية والإسرائيلية في إعادة تطبيع النفس العربية مع نتائج احتلال العراق. ولأن ما صار ينبغي أميركياً هو على الحقيقة ما يُراد إسرائيلياً، فإن التوظيف التطبيعي للحصاد الأخير سيجري ـ بتقديرناـ على خطين:

الأول: السعي لبنانياً إلى جعل الخامس والعشرين من أيار 2000 خارج الذاكرة اللبنانية والعربية والإسلامية، بما هو حادث مؤسس للغلبة، تمهيداً لجعله خارج الذاكرة الإسرائيلية، كحادث مؤسس للهزيمة. ولنا أن نذكر كيف أن الاشتغال الإسرائيلي على مصطلح "الانسحاب" من جنوب لبنان سيأخذ مداه في موازاة مصطلح التحرير، بغاية إفراغه من محتواه الثقافي والمعرفي والاستراتيجي.

ثانياً: السعي فلسطينياً إلى جعل الانتفاضة ضرباً من التراجيديا المستحيلة، وأن التمسك بها لتحقيق آمال الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة هو ضربٌ من التمرد على السلام ونظير للإرهاب. على هذا النحو ستجري عمليات التحويل القهري في وعي المقاومة والممانعة. حيث أن الطريق التي ستقود إلى التحول الناجز في القناعات، وبسط التمثل والتسليم بالقدر الأميركي/ الإسرائيلي، تقوم على استئناف التنظير للهزيمة لتغدو طبعاً من طبائع الأمة وثقافتها السياسية، طيلة العقود المقبلة من القرن الواحد والعشرين.

تهافـت أطروحـة الاحتـلال

إنَّ أول ما يرمي إليه العقل الأميركي الإسرائيلي، اليوم، هو إخراجنا من فضاء الاعتقاد بأننا فارقنا جاهلية الاحتلال، وإن بالإمكان احتلال القدرة على كسر مقولة القدرة لدى العدو. وأكثر من ذلك بأننا نملك إمكانية السيطرة على الزمن.

لقد كان من النتائج الأساسية لفضاء الإمكان هذا أن عكفت الاستراتيجيات الإسرائيلية المتعاقبة على تحقيق مهمة فصل لبنان عن تداعيات الصراع مع إسرائيل، والوصول إلى حدود شمالية آمنة مع لبنان، بتغطية من الأمم المتحدة. ولم يكن القرار 1559 ضمن هذا المنطق من تسلسل الأحداث، سوى مسعى مستأنف لعودة الغلبة الإسرائيلية إلى نشأتها الأولى.

غير أن الاحتمال الإسرائيلي على هذا الصعيد ما لبث أن ظهر مثقلاً بأعباء وتعقيدات لا حصر لها. فالبوابة اللبنانية التي أخرجت جيش الاحتلال الإسرائيلي مذلولاً من زواياها الحادة، (وهي سابقة في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني)، أخرجت كذلك، العرب جميعاً، وبنسبة وازنة، من عقدة الخوف والتشاؤم والانسلاب. فالجبهة الجنوبية على كل ما يقال فيها وعنها، لا تزال، بعد ست سنوات، تمكث في تلك المنطقة الرمادية، بين الخط الأزرق وخط النار، وذلك عائد في حقيقته إلى نسبة قوى أطلقها يومُ التحرير لتجعل الحالة الإسرائيلية في وضعية لا قِبَل لها بها في فضاء الاستراتيجيات الأمنية. لقد جُعلت الجبهة الشمالية ابتداءً من السنوات الست المنصرمة، على خط التماس الرفيع بين الطمأنينة الناقصة، والهلع المفتوح على الاحتمال.

إلاَّ أنَّ ما يجعل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي مملوءًا بالقلق، ليس فقط تلك "المنطقة الرمادية" على الحدود مع لبنان، وإنما الوجه العميق لحادث التحرير. فلقد ابتعث التحرير أطروحته في مقابل أطروحة الاحتلال، وسيكون لهذه الأطروحة مفعولها على الميراث المشؤوم للأيديولوجيا العربية التي تشكلت مبانيها ومفرداتها من تداعيات الهزيمتين العربيتين الكبريين في "أيار" 1948 و"حزيران" 1967.

هنا حصراً يمكث القلق الأصلي في الفكر الصهيوني ـ الإسرائيلي، بإزاء تحولات ما بعد الخامس والعشرين من أيار (مايو) 2000. حيث ستؤسِّس مقاومة الاحتلال ونتائجها المحقّقة في جنوب لبنان لإمكان استراتيجي قوامه: تسجيل الهزيمة على عدو ظلَّ إلى زمن قريب أشبه بكائن خرافي لا تشوبه شائبة الوهن. وحفر أنفاق لثقافة انتصارية ستطاول العمق الأيديولوجي لأطروحة الاحتلال، فإذا عرفنا أن هذه الأطروحة هي عنصر تأسيسي في النشأة الإسرائيلية كدولة وكيان، فإنَّ تهافتها يعني منطقياً وموضوعياً تهافت أحد الأركان الأساسية في المشروع الصهيوني.

إنَّ ما تدفع به أطروحة التحرير، التي صاغتها المقاومة باقتدار استثنائي في الميدان، يتجاوز السياسي/ الأمني بتعريفاته الشائعة. لقد فتحت هذه الأطروحة على النظر إلى السؤال حول نهاية المشروع الإسرائيلي، بوصفه مشروعاً احتلالياً، بما يتعدى الرجاء التاريخي، ووضعته في أمر الراهن والمقبل. كما رأت إليه، لا كاحتمال سياسي/ أمني وحسب، وإنما أيضاً، وأساساً، كقضية ثقافية ومعرفية وفكرية في مجالنا الحضاري العربي والإسلامي.

إنَّ وعي أطروحة التحرير بهذا المدلول هو أمر تقتضيه ضرورات الراهن، مثلما توجبه ضرورات إدراكه كعامل مؤسِّس لفلسفة سياسية على المديين المتوسط والبعيد.

وبهذا المدلول، كذلك، سوف يكون لوعي التحرير أثر حاسم في احتواء الوعي المهزوم، والحد من استشرائه، متى عاد محمولاً على أجنحة القوة الغاشمة.

وإذ نقول بوجوب وعي ثنائية الهزيمة والممانعة في آن، فإنما نقصد إلى إقامة حد فاصل بين ثقافة المقاومة وثقافة التسليم المذل. وهو الفصل الذي يمكِّن النخب الثقافية في بلادنا من استعادة قضاياها الغائبة. أو تلك التي غُيِّبت في زحام الهزائم والتراجعات.

يبدو لي أنَّ الانهزام الإسرائيلي في جنوب لبنان هو حدث لم نستيقظ بعد على عمقه وأهميته وتاريخيته، ربما لأنه جاء في زمن لا يزال اللبنانيون فيه يعيشون آثار نزاعهم وفرقتهم، أو لأنه جاء أيضاً في زمن عربي مكتظ بالتراجعات ومشاعر الخيبة. وهذا هو الوجه المأساوي لأطروحة التحرير، بوصف كونها أطروحة مفترضة لتأسيس قول جديد في الفلسفة السياسية المعاصرة. يجب أن نعترف بهذا الحيز من المشهد، لأن الاعتراف به سيجنبنا إهمال أسئلة حَجَبَنا الصمت عنها ردحاً طويلاً من الزمن، مثلما سيمنحنا هذا الاعتراف بإمكان نادر، هو مراكمة وعي النصر بعدما تراكم علينا وعي الهزيمة.

ربما كان علينا أن نضيء وجه الحدث، لنستضيء بالأسئلة التي يرسلها منذ اللحظة التي حفر فيها مجراه إلى زمن جديد لا نفتأ نكابد وقائعه بشغف نادر. لا ينبغي أن يقتصر النظر إلى الزمن الجديد على السياسة وحسب، أو على موازين القوى العسكرية. قد يكون من اللازم أن يُرى إلى زمن التحرير بما هو أطروحة لم نؤتَ بمثلها منذ أكثر من نصف قرن. بمعنى القول: إنها أول هزيمة لإسرائيل وأول انتصار لنا. فعلى معنى وإشارات هذه المعادلة يمكن أن ننهض على نصاب جديد، وبداية هذا النصاب وعي ثقافة التحرير، بل وعي التحرير نفسه بما هو بداية ثقافية ومعرفية وفكرية، وبما هو تأسيس تاريخي لحداثة كنا أخذنا بها، ولم يتسنَّ لنا التفقُّه بوجودها كمعطى حي وسيَّال. فإذا كانت الحداثة ثقة بالقدرات والإرادات، فإنَّ أطروحة المقاومة والتحرير هي عين الحداثة التي نريد، وهي عين الخروج من عتمة التأخُّر ومفارقة جاهلية الاحتلال.

إن الصورة الإجمالية لتحولات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، على ما فيها من غلبة ظاهرة لـ"إسرائيل"، تنطوي على عوامل تفاؤل لا مناص من الأخذ بها، وتفعيلها، وترشيدها، عن طريق تصفية آثار الاحتلال الذي يملأ الفضاء العربي على كل المستويات. وهذا يقتضي إعادة تشكيل ثقافة الصدام التاريخي مع إسرائيل والصهيونية. وإعادة الاعتبار لمفهوم الوحدة في مجال عمل الحكومات والمجتمعات على السواء، ووقف العوامل المؤسسة للعنف الأهلي العربي، وفي مقدمتها تحقيق التوازن الداخلي، والاعتراف المتبادل بين القوى المؤلفة للمجتمع السياسي، وصولاً إلى تحقيق الإجماع القومي للأمة.

لكن تحويل السؤال حول نهاية المشروع الإسرائيلي إلى قضية ثقافية ومعرفية وفكرية في العقل السياسي العربي والإسلامي، هو على غالب الظن نقطة البدء.