العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

قميص عثمان يستعيد أحزانه

نجيب نصير
الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 
New Page 1

مفجعة هي الكلمات المتطايرة من أفواه المنابر المستعارة ، وهي تتوسل الكره والتكاره وسيلة لبناء الأوطان النهائية تحت قَسم السيادة والحرية والاستقلال ، ومواربة تلك الوعود المكللة بالتفسيرات المؤجلة لدم سوف يهدر على موائد الغداءات الطارئة، والمولمة تحت القصف الأنتقائي، لينجوا أصحاب الدلال بكؤوسهم المرتجفة وابتساماتهم المرعوبة من حضور عازفة البيانو الرقيقة السوداء ، التي أعادت على آذانهم المشنفة معزوفة سايكس بيكو المعدّلة والمنقّحة تحت شعار "دمشق أبعد من القمر عن بيروت" . لكن الكره وسياسته أمران جديران بالسماسرة لا بصناع سياسة المصالح القومية ، ولا بأس أن البعض هزوا رؤوسهم متسائلين: أي قمر تقصد تلك المايسترو ؟ أهو قمر المشتري ؟ أم قمر الأرض الذي غنته ملكة الحب فيروزنا .

حائرة تلك الدماء التي تقاس بالترخيص والتغلية ، حانقة تلك الدماء التي تغطى بعباءات المشيخة المستحدثة، والخارطة واضحة فلا حاجة للسؤال: من هم؟ ولماذا ؟ وعلى أي ظهور ركبوا ليصلوا مظللين بالدم الحافي ونفايات البترول الحارقة . من أين لهم كل هذه  "المونة" على هذه الرقاب التي أحنتها شبابيك السفارات وهدايا الطائرات الحنونة؟ أهو الكاوبوي في صورته الصحراوية ، أم فتات آبار النفط التي تكفي ( للعيلة ) وتغطي مصاريف شقق باريس ، وأجور المرافقة / الهيصة ونفقات الجشع زهير الصدّيق وتكاليف الظهورات الاعلامية، و" خرجيات" نواب الأكثرية  والمعتاشين السياسيين والمحاسيب، إضافة إلى بعض اعمال البر وألاحسان ؟!

لم تكن السياسة في أي مكان بمثل هذا الهوان  ـ دون العودة الى تاريخ اسكندر رياشي أو الاطلاع على كتاب بار السان جورج ـ لم يكن الكره والانتقام الشخصي أو تأجيره أو اعارته ، موضوعاً للسياسة في يوم من الايام ، وإلا لنزل السياسيون إلى مرتبة الزعران ، يتلطون مفارق الطرق كي يشلّحوا الناس آخر احساس بالامان مقابل الأمان المقسط حسب التيسير .

 مقرف ذلك الوعيد بحرب أهلية منتصرة عبر تصنيع حقد على مقاس حذاء السياسيين !!

 مقرفة تلك الأهاويل التي تجعل من دمشق دريئة لأطلاق الحقد الذي لا يليق بأنسان الحضارة والرسالة !!.

مع أو بدون تخوين ،.. هل يتساوى العدو بالصديق أو حتى بالمحايد ؟ ، وهل يتساوى المواطن الحضاري الرسالي الديموقراطي مع الآخر الذي ينزل إلى الخندق كي يواجه مواطنه المختلف عنه بالدين أو بالمذهب أو بالقبيلة  عند أوهى مناسبة ؟،هل يتساوى من يوجه سلاحه إلى مواطنيه مع من يوجه سلاحه الى العدو المعلن ؟

الى أين تذهب المواطنة و الحضارة والرسالية والديموقراطية عند الدعوة للاستحكام خلف الطائفة والمذهب،.. أو وراء الزعيم المستحدث من عباءات الألياف الزجاجية؟!

 بالمقابل ،الى اين تذهب سياسات العسف الطائفي طالما هي أصلية في النفوس وعريقة في الممارسة لدرجة تصنيف الناس الى طبقات، والمواطنة الى درجات وكمية ونوعية ، عندها وعندها فقط يكفر الانسان بالحق عندما يفبرك ويقولب ليراد به باطل .

انه مأزق السياسة لأغرار السياسة ، فعندما يكتب دهاقنة السياسة في الغرب مذكراتهم ، ويكشفون ما خفة ما يعي وما يعرف هذا المواطن العادي جداً،.. يكون الزمان قد ولى والدماء قد سالت والريح المواتية قد همدت بعد ان أخذت معها كل خلق جميل، ليضحك هؤلاء وهم في المتكأ الباريسي معيدين تعريف السياسة التي ليست بالنسبة لهم أكثر من بزنس دماء أبناء القبيلة،.. أو السكنى في منتجع حين يكتشف أبناء القبيلة انهم حقاً وفعلاً أبناء وطن .