أندلوثيا

العدد 2 - آب 2005 : أحمد تيناوي
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 

كم من الوقت يلزم

كي أنهي مشكلتي مع الجادة الثانية من حي المهاجرين!

..اليسار الذي لا أتقنه (حيث يقع بيتك)

ابتسامة بائع الفول الكردي المودعة

نظرات المراهقين التي تنتظرك كل يوم

بائع الجبنة الذي يحاول أن يتحدث إليك بالإيطالية

رغم اعتزازه بأصوله الشركسية

الفلسطيني الذي وجد في بقاليته ملاذاً لصورة غيفارا

الفتاة الفنزويلية العاشقة

الإسباني عازف الغيتار

سراويلي الداخلية التي أعطيتها إلى جامع القمامة

..مشكلتي مع الجادة الثانية من حي المهاجرين

امرأة من إسبانيا؟!

كم من الوقت يلزم

كي أغلق باب بيتك

وأتجه إلى اليمين (حيث يقع الشارع)

..ومثل أي متطرف، سأنظر إلى الخلف

لعلك تفتحين الباب مرة أخرى

وتعيديني إلى الماضي.. إليك؟

............

عندما التقيت بك في محطة الحجاز (عربة جمال باشا السفاح)

كنت أعرف أننا لن نذهب إلى أي مكان..

فأنا،

لا أشعر أنني قديم مثل دمشق

ولا عابر مثل غرناطة

أما أنت،

فقد جئت لتتعلمي أحجية اللغة

التي جعلت الموريسكيين حلاً وسطاً

لكل الأمكنة المناوئة للعشق

بداية خلافنا من التاريخ

وبداية صداقتنا من التاريخ أشعلت المساء بفوانيس العرب المطفئة،

وقلت أن دمشق لا تكشف عن رأسها للغرباء

..ومثلما رغبت تماماً كان الشارع الموصل إلى غرناطة

ضيقاً في باب توما.. ضيقاً لدرجة أنه لا يتسع لجسدينا العابرين إلى الخلاف

..وقلت أنني دمشقي بأفق ضيق، وحرية عاجزة.

وقلت أنني لا أتقن الحب بلا دوائر الجغرافيا،

وبلا سائق التاكسي، أو سائق السرفيس.. اللذين كنت تفضلين الجلوس إلى جانبهما..

وكل رجال الشرق الملونين بالفحولة

الكلمات سلم للعبور إلى شفتيك،

غرفة صغيرة في أعلى الدرج،

جزء من تفكير مرهون للفرق بين الفوضى والحرية،

سلوك لكل ما يفصل أن تكوني حبيبتي،

وأن تكون امرأة من ميراث الشرق..

هكذا اشترينا علبة التبغ الرابعة

وجلسنا على الرصيف المحاذي لفلسفة الجنس

..كنت تتناوئين بحجة البكارة، وشتاء دمشق البارد

وكنت مسموماً،

بلا مكان سوى شهوتي، وعيناي..

كنت تحلمين لجهة الغرب

وكنت أفتقد للحلم من كل الجهات التي تعبر دمشق دون توقف

وكنت تبتسمين دون احتجاج..

...

وبعد القبلة الأولى عرفت نبوغ الكلام بلغة أخرى

ميموسا ـ لوثّيا

لم يكن خطأ أن أحبك بهوى شرقي،

وأن أقترب مهنك بخطوات رجل اعتاد الهزيمة

..كنت سأخسرك على أي حال،

فأنا لم أتعلم أن أساوم على غيرتي، وأنت لم تتعلمي أن تساومي على حريتك..

ميموسا ـ لوثيا

لم يكن خطأ أن لا أمتلك ثم أعواد الثقاب،

وأن أحب المرأة الخطأ ـ كما يقول أصدقائي ـ

..لم يكن خطأ ميموسا ـ لوثيا.. أن أمضي إلى الحريق وحيداً

في رحلتك الثانية إلى دمشق استقبلتك ـ ندى ـ لتضعي على وجهها قليلاً من المكياج

..كان الوقت مساء (الساعة الثامنة بالضبط)

وكان إيقاع الفامنكو يتثاءب على شرفة البيت الدمشقي القديم

لعلك تذكرين ذلك المساء المشاغب في ساحة باب توما..

أنت تذكرينه برغبة، وتذكرينه بحزن..

ليس لأن ندى بدت جميلة بتلك اللمسة الأندلسية

وليس لأن مرمر كان مسكوناً بالراقصين

وليس لأنني قدمت اعتذاراً على تصرفي الطائش ذلك المساء

..بل لأن يدي لمست صدرك للمرة الأولى

باستياء عابر لكل الأكاذيب التي دونتها عني في كتابك (وقت مع أحمد تيناوي) .....

ذلك هو تاريخي الذي وعدت به

ذلك هو تاريخك الذي محوت منك

في تدمر كان المطر يجثو على ركبتيه

منتشياً بالبلل المحيط بقدميك، أما الجمال المسكونة بالأساطير

فقد كانت صادقة ـ مثلك تماماً ـ عندما ارتاحت مذعنة لتضاريس الهزيمة

في تدمر..

العشب على مرأى من النوم، والبساط على حائط الفندق

لا يعرفان أسماءنا المضافة إلى سجل الزبائن.. ألم نكن زائرين كما بدونا،

وعاشقين كما يحلو للحكاية أن نكون.. ربما رغبت برسم صورة أخرى للقافلة

كي تبدو أكثر استشراقاً.. من تلك الشمس الآفلة في الصحراء

إلينا

الغيورة

في الغرفة المجاورة.. تهمس للشيطان

ومارسيدس تبطئ الرقص قليلاً

وهي تنظر صوب الجنوب بلهفة

..فكتوريا وسامي.. آخر الأصدقاء المنبوذين إلى (ركن الدين)

..أما أنا فكنت أتأمل ذلك المشهد الإسباني

على معزوفة (الوله التركي) التي كرهتها بلا تردد

ظننت أن اليقين سيد علاقتنا

فذهبت إلى البحر كي أستمع إلى نشيد الملائكة

..لم يكن سوى غناء الجنود الذاهبين للغزو..

الجنود،

الذين بعد ألف عام نسوا دفاترهم المدرسية ونساء البدو.. بحجة

البحر،

الذي لامس يدي عند مضيق جبل طارق

لم يعد يعبأ بنشيد الملائكة، ولا بأغنيات سفن الموركو الحزينة

قليل من الجغرافيا يرسم شعوراً أتحدث عنك

فها أنت قد تعلمت كيف تصنعين فنجان قهوة

وعرفت لماذا يغطي نساء الشرق رؤوسهن دون أن يشعرن بعقدة الاضطهاد (ربما لم يكن خيارهن كما ترددين دائماً)

ورأيت كيف يتجاور في مكان واحد جسد (يوحنا) ورأس (الحسين)

وكيف تنحني رؤوس الداخلين إلى المقام..

.....

أليست تلك لعبة الشرق

لعبة الخوف من تاريخ النزوح إلى الحقيقة

..كم مرة

رأيت في عينيك بريق ملوك الطوائف

هزيمتهم،

ركنهم المعزول يمين الأندلس

..لم تسعفني ذاكرتي جيداً،

لم يسعفني وقت البحر،

كل الخرائط كانت تنتهي إلى سرير الكراهية

فماذا أفعل بتلك الجغرافيا التي تصوبينها نحو جسدي