العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

الإنسان الأعلى و السياسي النبوءة الكاذبة

نعمان الحاج حسين
الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

..."..كان الماندان يطلقون اسم Minntaree وهي كلمة تعني بلغتهم ( اجتازوا النهر) على أقدم جماعة هيداتسية قدمت من الشمال الشرقي، ووصلت إلى ميسوري في نهاية الأزمنة ما قبل التاريخية، وتعلمت زراعة الذرة الصفراء منهم . ولكن الماندانيين لم يرغبوا، بحسب تقاليدهم الخاصة، في استمرار هذه المساكنة طويلاً ، وعرضوا على ضيوفهم وجهة نظرهم بهذه العبارات: حبذا لو صعدتم إلى أعلى النهر وأقمتم قرية خاصة بكم، لأن عاداتنا تختلف إلى حد ما عن عاداتكم، وبما أن الشباب يجهلون طرق بعضهم بعضاً فقد تظهر اختلافات وتقع حروب بينهم، لا تبتعدوا كثيراً، فالناس الذين تفصل بينهم مسافات بعيدة هم كالغرباء، والحروب تنشب بينهم. سافروا إلى الشمال حتى لاتروا دخان أكواخنا وأقيمواهناك قريتكم، وعندئذ ستكون المسافة بيننا قريبة بما فيه الكفاية لنكون أصدقاء، وغير بعيدة بما فيه الكفاية لنكون أعداء."... (1)

 

يعلق ( كلود ليفي شتراوس) على النص السابق بقوله:" هذا النص الرفيع في الفلسفة السياسية.."!(2) على الرغم من- بل بسبب أن- شتراوس ينتمي إلى الزمن الحديث: زمن (علم الأسطورة) وليس (زمن الأسطورة) الذي ينتمي إليه النص العائد إلى تراث هنود أميركا الشفهي. إن ما يرد كتحذير حدسي، وكحكمة في النص الهندي ، يرد كنبوءة واعية، وكإغراء لا يقاوم في دراسة (شتراوس)، ليس من ناحية قابلية استخدامه كتفسير- وبالتالي كتحذير- في ما يتعلق بوقائع زمننا الحديث، الذي تفصله عن زمن المعرفة الحدسية مسافة تقاس بالمعرفة العقلية ؛ بل ومن ناحية قابلية استغلاله لإعادة إنتاج الواقعة، أي: ما يحذر النص من وقوعه!

 

وما أثار اهتمام (شتراوس)- من جهة- هو اكتشافه أن الناس في مجرى حياتهم الحقيقية يحافظون وهم في أعلى مراحل الحضارة على وقائع تحمل المخزون البدائي ذاته ومن جهة أخرى أدهشه أن يدرك البدائيـون آلية هذه الوقائع بشكل حدسي، رغم أنهم مستلبون بـ(عمل) الوقائع، وليس بـ(وعي) عملها. يستطيع البشر-إذن- تكرار الوقائع والمصائر عفوياً دون أن يستطيع التقدم - مجرد التقدم- إيقافه آلياً.

 

إن تعليق (شتراوس) ينطوي على نبوءة، خائفة ومخيفة في الوقت نفسه، وهو ما جعله يضع النص في مستوى (السياسة).

 

وفي أيامنا ، في مطلع الألفية الثالثة ، حيث تفصلنا عن (شتراوس) أيضاً مسافة لا تقاس بالزمن وحده، وحيث يتم التأريخ بـ( الحادي عشر من أيلول ) كحد زماني فاصل بين ما قبل وما بعد، ظاهرياً، لكنه يؤسس لفصل زماني/ مكاني بين ( نحن) و( هم) ، بين(هنا) و(هناك) رمزياً عاد البحر الأبيض المتوسط ليحتل مكان ( النهر) الفاصل بين( الماندان ) و(الهيداتسيين). وما نشهده اليوم هو أكثر بكثير من تحذير (الماندان)، وأكثر بقليل من نبوءة (شتراوس) مع فارق أساسي هو سقوط العنصر العفوي، أي أننا أمام تحقق قسري للنبوءة! مع احتمال أن البشر - منذ الآن- لا يكررون المصائر بسبب مجرى حياتهم الحقيقي، بل الاصطناعي....! 

 

ورغم أنه: "في زمن الأسطورة ..لم يكن علم الأسطورة " كما يقول (فرناند دومون)(3) ، فكيف أمكن في (زمن علم الأسطورة ) إنتاج أسطورة جديدةهي الأسطورة نفسها مع ذلك ؟!

 

 والسؤال الأجدر هو ما موقع (مفهومنا) عن الوعي، كما افترضناه حتى الآن ؟! وما هو موقع حقبة ( دومون) القربية زمنياً من حقبتنا، وليس حقبة (الماندان و الهيداتسيين) الأبعد نسبياً؟ وأيهما أكثر تقدماً للوعي، حقبة (دومون) التي انقضت، حيث سلطة الوعي بالأشياء تنهي سلطة (الأشياء)، مما يجعلنا-كما هو مفترض- نعيد صياغة مقولة (دومون) بالقول : (في زمن علم الأسطورة ..لا تكون الأسطورة) أم حقبتنا، التي لم تكد تبدأ بعد بالنسبة لكثير من معاصرينا، حيث الوعي الذي يعطل الأسطورة هو نفسه الذي يعيد تفعيلها ؟ وهل نحن أمام إثبات جديد بأن التقدم ليس بالضرورة اتجاهاً نحو الأمام -فقط- كما يقول (اشبنغلر) في كتابه (تدهور الغرب) وهذا الوعي (المتقدم) ..هل هو وعي حضارة مجتمع أم وعي طبقة، بل هو أكثر تكثيفاً، أي وعي نخبة؟

 

ثم هذا السؤال الذي لابد من طرحه، وإن كانت الإجابة المتاحة سوف تجيء بين المجاز والواقع :

 أليس هذا أثر من آثار ولادة (السوبرمان)، أو الإنسان الأعلى، وإن يكن بشكل ممسوخ ككل ماهو (سياسي) براغماتي محض ؟ فليست ( النازية) وحدها التي استخدمت فلسفة نيتشه بشكل مشوه .

 

وإذا كان إنسان(نيتشه) الأعلى يولد مع (موت الإله) فإن الإنسان الأعلى السياسي يعلن اليوم: أن الله أوحى له بالحرب على الإرهاب وعلى (محور الشر )!

 

واليوم-أيضاً وأيضاً- نجد مواقف سياسية تغتذي على الواقعة ذاتها : حيث يعلن رؤساء وزارة إسرائيليون متعاقبون أنه لا يوجد (شريك) فلسطيني في عملية السلام وعلى الجانب الآخر تماماً- على الضفة الأخرى من النهر - يواظب زعيم ( عربي ) على استضافة رؤساء الدول الغربية الكبرى (مثل رئيس الوزراء البريطاني ) في خيمة! ويصر الزعيم- الذي كان قد قاد الثورة على النظام الملكي المتخلف قبل أكثر من ثلاثين عاماً من أجل التقدم والتنمية- يصر على اصطحاب خيمته إلى مؤتمرات القمة العربية، أحياناً، مرتدياً الزي المحلي التقليدي !

 

وهكذا يتم تأمين مسافة بعيدة ( بما يكفي) كي نجهل بعضنا بعضاً، وبما يكفي كي نكون: أعداء !

الاقتباسات:

1- كلود ليفي شتراوس - الأنثروبولوجيا البنيوية-ترجمة مصطفى صالح-ج2-وزارة الثقافة-دمشق-1983-ص465.

2- المصدر السابق-ص466.

3-  فرناند دومون-الأيديولوجيات-وزارة الثقافة-دمشق 1977-ص93.