العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

علمانية .. وخصـوصيات

علي عمران
الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

ربما يسأل البعض: ما جدوى إثارة موضوع العلمانية في بلادنا لحظة ارتفاع موجة الغلو في التديّن، واستيقاظ السلفيات، وتنادي الشرق والغرب إلى المواجهة الدينية؟

وهل بقي للعلمانية من أوكسجين يقيم أودها في هذا الفضاء المنذور لسجالات الشر والشر المضاد، أما الخير فيه فمحكوم بفتوى تتبارى في تدبيجها الأصوليتان الناهضتان إلى حلبة الصراع، بوش من جهة.. وبن لادن من الجهة الأخرى. ثم ألا تبدو العلمانية في بلادنا متلعثمة أمام طغيان الخطاب الديني،.. خصوصاً أنها نظرت إلى مريديها لحظة الحقيقة، فما وجدت إلى جانبها غير قلة حائرة، تبحث عن ملاذ في هذا الخندق أو ذاك،..؟!!

وإذا كانت العلمانية قد تمخضت في درجاتها العليا، وأعتى نماذجها، عن عقيدة استبدادية تهز عرش هذا العصر بإيقاعها الديني، فلماذا، إذن، استهلاك الوقت والفكر ما دامت الخواتيم هناك كالبدايات هنا؟! ولماذا الخروج من دولة الدين ما دام خطابها يستيقظ في دولة الدنيا! ثم أليست العلمانية بالنسبة لنا استقالة من شرف المواجهة بين السلفيات المتنادية راهناً في الشرق والغرب إلى صراع الحضارات؟!

ربما يستسهل البعض في الإجابة على مثل هذه الأسئلة وسواها، منطلقاً من قناعة يقينية بأننا إزاء تجربتين، شرقية وغربية، على طرفي نقيض، وأن الإسلام بنى امبراطورية تاريخية تضاهي، من حيث علوها في الزمان والمكان، شأفة الحضارة الغربية التي قامت على مبادئ العقل وشرعته في السياسة والاجتماع والاقتصاد. وهاتان التجربتان الحضاريتان تشيران إلى استنتاج يصالح في النتائج بين الايمان والعقل، على قاعدة أن الدين أقرب إلى خصوصية أهل الشرق من العقائد المدنية التي تعبر في مثالها الحضاري عن خصوصية أهل الغرب!!

لكن مثل هذه الفرضية، التي تستلهم المثال التاريخي في حجتها حيال التنازع بين الزمني والديني، لا تجيب عن السؤال الصعب حول أسباب تآكل النموذج الحضاري الديني عموماً، والاسلامي خصوصاً، على مدى عشرة قرون ونيّف، وبالتالي.. عجز الإسلام، حتى في ظل الدول التي ترفع رايته، عن الاجابة على استحقاقات العصر، والانخراط في الفعل الحضاري، ليس كخزان روحي فحسب، بل كرسالة ذات مرام كبرى في ترقية الحياة.

في الواقع، لا أحد يستطيع أن يتجاهل حالة التوتر المتفاعلة في الفكر الاسلامي جرّاء التناقض بين المثل الأعلى للدين وبين أحوال الفكر والعلم والاجتماع والسياسة في صورتها المعاصرة.

فالمسائل الأساسية التي تشغل جمهور المفكرين المسلمين في العصر الحديث هي المسائل نفسها التي واجهتهم في القرنين الأول والثاني للهجرة، يضاف إليها جملة من الاشكاليات الناجمة أولاً عن عدم قدرة الفكر الاسلامي على استباق العلم.. أو حتى تبني منظوماته المعرفية الفكرية والمادية التي قامت عليها حركة الحداثة خلال القرون الماضية، والناجمة ثانياً عن عدم قدرة العقل الديني على التكيّف مع سلّم القيم في نسق الحضارة المهيمن على العالم. ولا شك أن غياب العقل النقدي الاسلامي تاريخياً كان سبباً أساسياً في بروز الدعوات السلفية التي اختارت التطرّف جواباً وحيداً على سؤال الاختلاف مع صورة العصر.

لكن، وبالمقابل،.. ثمّة توتراً من نوع مختلف يعتمل في بنية الفكر الغربي جرّاء غلبة القوة المادية على معايير الروح، وفقدان المجتمعات الغربية لنجم هدايتها في حياة تكاد تكون ذات بعد واحد استشرفه ماكس فيبر باكراً في نقده نمط الحياة الغربية الجديدة: أخصائيون لا روح لهم، وعلماء بلا قلوب... وهذا التوتّر يؤشر، من حيث تبدياته الراهنة، إلى إشكالية ما في بنية الحضارة الغربية.

(2)

إنّ تلمّس العوامل الموضوعية التي أدّت راهناً إلى بروز العامل الديني في المدينة الغربية لا يعفي من استقراء الأسباب التي أعاقت نمو وتقدم المفاهيم العلمانية والمدنية في هذا الشرق.

في الغرب، وبعد صراع مرير بين الزمني والديني على السلطة رضخت الكنيسة لفروض العقل النقدي الذي طرح أسئلة كبرى في أمور الدين والدنيا، وكان فصل الدين عن الدولة بداية انعطاف كبير نحو القيم العلمانية، التي تطورت بدورها عبر تجارب صاخبة، وأفضت في محطاتها العصرية إلى إطلاق حركة العقل في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والفن، وكانت الثورات الفكرية إطاراً صالحاً لاكتناف مقتضيات الحداثة في الصناعة والتجارة والعلوم الاختصاصية التي تنهض اليوم بتفوّق الغرب، وتمكّنه من إحكام سطوته على العالم.
إن الانجاز الأساسي للعلمانية الغربية أنها استطاعت أن تحل المعضلة بين الخلاص الاجتماعي والخلاص الفردي،.. بين العضوية في المجتمع والعضوية في الدين الذي ظلّ إطاراً روحياً لجمهور المؤمنين، وتكيّفت مؤسساته مع متطلبات المدنية الجديدة، إذ سرعان ما رعت الكنيسة حركة العلوم، وانخرطت في بناء المعاهد والجامعات، بل إن عدداً كبيراً من علماء الفيزياء والطب والرياضيات والبيولوجيا كانوا من الكهنة، وجاءت إسهاماتهم الدنيوية في حركة العلم مكملة لمتطلبات وجدانهم الديني.

لقد شكل مثلث العلمانية ـ المدنية ـ العلوم الأساس الذي بنيت عليه حضارة الغرب المعاصرة. وكان سرّ تقدمها المتوازن أن كلاً من هذه العناصر يرتبط عضوياً بالعنصرين الآخرين ويلعب دوراً في تخديمها. ومن حيث المبدأ لا حالة مدنية من دون مبادئ علمانية، ولا علمانية ولا مدنية مزدهرتين من دون معرفة مرتقية وعلم يجيب على أسئلة الحياة.

وعلى مدى القرنين الماضيين حافظت هذه الثلاثية المتلازمة على تكاملها بقوة العقل النقدي الذي حرر الفكر من كل قيد سلفي، وأطلقه في رحاب الظواهر بحثاً وتحققاً.

لكن هذا التلازم لم يكن ثابتاً في جميع الأحوال والظروف، وما لبث أن اهتز في العقود الأخيرة من القرن الماضي جراء تقدم العلم بسرعة لا سابق لها، فالحقائق العلمية المذهلة، وما صاحبها من تقدم تكنولوجي هائل وسريع، صدمت توازنات العقل السائد، خصوصاً أن بعض العلوم وصل في اكتناه المجهول إلى عتبات الميتافيزيقيا، بينما بقيت القيم المدنية عند عتباتها الكلاسيكية في الثقافة والاجتماع،.. وكان لا بد من أسئلة فلسفية جديدة أملتها القفزة اللامعقولة التي شهدها العصر في الطب والاتصالات، والفيزيولوجيا، والبيولوجيا، وكذلك ثورة المعلوماتية التي جعلت العالم على اتساعه وتراميه قرية كونية تتشبك في نسيجها مختلف التيارات والتناقضات.

(3)

إن طروحات فوكوياما وصموئيل هنتنغتون حول نهاية التاريخ وصراع الحضارات هي من خلاصات هذا العقل التأملي الذي لامس في تطوره العلمي حدود الميتافيزيقيا. لذلك، ليس غريباً أنها تنطوي على رؤية تحاول اختلاق حيثيات ميثيولوجية لتبرير قوتها المادية الهائلة، بحيث أصبح التسريع في عودة المسيح وبناء هيكل سليمان هدفاً أساسياً للدولة العلمانية في نموذجها الأميركي، وهذه الرؤية العلمانية التي تستبطن الدين تعكس حاجة العقل الغربي إلى فرضيات فلسفية تحل التناقضات بين قيم الروح وقيم المادة في ذروة الامبريالية، عبر ترجمة القوة المادية اللامتناهية إلى عقيدة إيمانية تختصر الآخر في بعد شيطاني، وتبرر الحرب عليه تحت عنوان تعميم المدنية والانتصار للحضارة في نموذجها الأميركي الأكثر نزوعاً إلى الهيمنة والاستبداد.

هكذا، آلت علمانية الغرب إلى نموذج سلطوي مستجمع كل أسباب التفوق والسيطرة، ويدير مؤسسات ذات وظيفة إمبراطورية. وقد أثبت هذا النموذج أن القوة المفرطة الباذخة والمستفردة تجعل الحاكم المتربع في أعلى هرم هذه القوة فوق الاعتبارات التقليدية لما هو زمني حقاً، وعلماني حقيقة،.. وربما أقرب إلى المعايير المطلقة في السياسة والأخلاق،.. أي أقرب إلى شمولية الدين.

إن وصول العلمانية في نموذجها الأميركي إلى حدود شموليات ذات صيغ إطلاقية وعناوين إطلاقية تستعدي الإسلام، لا يبرر لدعاة الدولة الدينية في بلادنا نزوعهم إلى إخضاع الزمني للديني، عبر إخضاع العقل إلى المبادئ الإيمانية، وإخضاع الفكر إلى معايير التحليل والتحريم.

وإذا كانت خواتيم علمانية الغرب قد أنتجت حالة نافرة عن القيم الانسانية، فإن ما قدمه المسار العلماني للحضارة من تقدم، وللمدنية من ارتقاء أمر جدير بالاعتبار والتقدير، وهذا الأمر ـ إضافة إلى العقم والتخلف اللذين أدّت إليهما اللاعلمانية في مجتمعاتنا ـ يصل من حيث ثمراته إلى حدود المآثر الانسانية الكبرى. ولذلك، لا يجوز تحويل الاستبصار في نقد أزمة العلمانية في الغرب إلى حجة للبرهان على علو قيم اللاعلمانية في هذا الشرق، فالعقل النقدي الذي حرر الفكر من القيد الديني في الغرب، هو ذاته المؤهل لأن يحاكم المسار العلماني في العالم ويصحح أخطاءه، وهذه مسألة تاريخية ترتهن إلى حركة القيم وتفاعلاتها. ولا تصلح أزمة العلمانية في نموذجها الأميركي لتبرير أزمة اللاعلمانية في العالم العربي.

إن الصورة الأكثر وضوحاً لأزمة العقل العربي تتبدى في ردود فعله الضعيفة على التحولات العلمية والاجتماعية والسياسية التي اجتاحت العالم مطلع هذا القرن. وأول ردود الفعل هذه وأخطرها هو تأصيل الديني في أمور الحياة كتعبير عن رفض الحضارة في صورتها المدنية الراهنة تحت عنوان الانتصار للذات والهوية.

ولعل أخطر ما في هذا الموقف أنه ينطوي، إضافة إلى الانسحاب من قيم العصر، على الدعوة إلى النفور من العلم، ورفض المعايير التي حكمت نشوء الحضارة الحديثة في صورتها الماثلة.

(4)

إن بروز الحالة الدينية كطابع مميز لصورة العرب المعاصرة، وتعاظم الدعوة إلى الأصوليات والسلفيات لا يستبطنان موقفاً من العالم فقط، بل موقفاً من الذات، وهذان الموقفان ينطويان على إدانة للآخر غير الديني، وإدانة للعلمنة بحجة أن مراكزها الحضارية مسؤولة تاريخياً عن الكوارث التي لحقت بنا طوال القرن الماضي، والتي نعاني اليوم من تفاعلاتها القاسية على كافة المستويات، وأيضاً بحجة أن الأنظمة اللادينية مسؤولة، كما الغرب، عن كل مآسينا المعاصرة.

إن اتساع موجة العامل الديني في العالم العربي لم تكن نتيجة انتصار في معركة فكرية، أو غلبة العقل الديني على العقل النقدي في حوار حول رؤية العالم وظواهر الوجود، بل جاء نتيجة سلسلة من العوامل يغلب عليها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، أبرزها عاملان:

الأول موضوعي، تتفاعل فيه مؤثرات الداخل بالخارج، أي مكونات العقل العربي. المشدود إلى السلفي والماضوي ـ المشتبك مع الغرب، كنموذج نقيض، في علاقة مأزومة تاريخياً، ابتدأت بصدمة الاحتلالات، وتفاعلت في مناخات سلبية طوال القرن الماضي، في محاولة للاستقرار على هوية تحصّن الذات في مواجهة الآخر. وفي الترجمة العربية لخلل علاقة الذات مع العالم الموضوعي، حاول النقيض الديني أن يملي فروضه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية على سؤال الهوية،.. بحيث أصبح سؤالاً ماضوياً بامتياز.

الثاني ذاتي، ويرتبط بضعف الحركات العلمانية في العالم العربي، وعدم قدرة العقل العربي على تأصيل مفاهيم الحداثة في الفكر والإدارة، في المجتمع والدولة، وثمة مسألتان تضيء نتائجهما على الأسباب:

ـ في مطلع القرن الماضي كانت حركة التحرر القومي ـ وهي الرافعة الفكرية الأساسية لتيار العلمنة في العالم العربي ـ قد استقطبت في مختلف محطاتها تياراً واسعاً من النخب الثقافية والقوى الشعبية، وفيها ارتبطت مفاهيم الانتماء والوطن والأمة والنضال القومي بحركة التحديث تحت عناوين وشعارات ذات رنين قوي في أدبيات تلك المرحلة.

غير أن غلبة النزعة الرومانسية على المفاهيم القومية أدت إلى اختصار حركة التحرر القومي في شعارات مرحلية،.. ما لبثت أن تحولت إلى مشجب لكل الهزائم والانكسارات التي شهدتها الأمة في القرن الماضي.

ولأن حركة الانتماء الواسعة إلى المجتمع والأمة ترجمت نفسها عبر النهوض بالشعارات القومية والانخراط في النضال لتحقيقها، فإن الهزائم التي غيّبت تلك الشعارات أدت في الوقت ذاته إلى تضعضع مقومات الانتماء الجامع، وإلى النكوص من العصبية القومية وقيم الحداثة إلى عصبيات الطوائف والمذاهب والعشائر وقيمها السلفية، وبالتالي، التراجع من حال المواطنية في دولة علمانية إلى حال الرعايا في حظيرة المرجعيات الدينية والعشائرية.
هكذا أصبح الشعور الديني القبلي هو البديل والمعادل للشعور القومي، مع ما يتطلبه ذلك من انقلاب في النظرة إلى الذات وإلى الآخر.

ـ قامت الدولة في العالم العربي على أسس توفيقية بين المظهر المدني للمؤسسات والمضمون الأهلي للمجتمع، في محاولة للتدرج صعوداً نحو بنية سياسية حقوقية ذات مضمون علماني.

غير أن تطور الدولة كمعطى مدني لم يتواكب مع تطور اجتماعي يخدم الوظيفة ذاتها. إذ واظب المجتمع الأهلي على تعزيز روابطه الطائفية والعائلية، وتمتين صيغه القديمة تحت قبة الدولة الحديثة.

وكلما كانت الدولة تتوسع في أساسها المدني كلما كان التناقض يتسع بين مؤسساتها وبين تفاصيل الهيئة الاجتماعية. ونظراً لضعف فعالية الأحزاب وقوى التغيير ظلت آليات المجتمع القديم وروابطه التقليدية هي الأقدر على التحكم بردود فعل الأفراد.

غير أن التناقض بين الدولة في هيئتها الحديثة وطابعها العمومي، وبين المجتمع في صيغه الأهلية المغلقة أدى في مراحله الأخيرة إلى إنتاج علاقة سلبية بين المجتمع والدولة،.. كانت ترجمتها، الأكثر وضوحاً، الإدانة الدائمة للدولةمفهوماً ومؤسسات كتعبير غير مباشر عن رفض المجتمع الأهلي الانصياع لمقتضيات التغيير.

وقد وجدت النزعات السلفية في هذا الهامش السلبي مناخاً صالحاً لدعواتها إلى سلطة لا مدنية تحررها من استحقاق العلمانية، مستحضرة نموذج الدولة الاسلامية في مثالها التاريخي بديلاً لتعقيدات الواقع وأزماته.

إن عجز الدولة الحديثة في العالم العربي عن تجذير مضمونها المدني في المجتمع الأهلي نجم في الأساس عن عدم إمكانية الربط المتوازن بين قيم العلمانية في التشريع، والمدنية في المجتمع، والعلم في الثقافة. ولذلك نجد أن السلطة المدنية في أكثر من دولة عربية قدمت تنازلات لصالح الحالة الدينية المتربصة بها في تفاصيل المجتمع الأهلي، واضطرت إلى تطعيم دساتيرها العلمانية بخصوصيات دينية،.. وفي الوقت ذاته كانت حريصة على عدم تحويل مسألة العلمنة إلى نقطة خلافية توسع الهوة بين الأنظمة والرأي العام المشدود إلى أمثولات السلف، وإلى العموميات الغامضة المنتعشة بتمدد الظاهرة الدينية.

بالنتيجة، فشلت الأنظمة العربية في تأصيل المضمون المدني للدولة في دورة الحياة الاجتماعية الاقتصادية الثقافية، ولم تتمكن من إرساء الأساس الأخلاقي الذي تحتاجه العلمانية العربية بقدر حاجتها إلى بصيرة موضوعية ومعايير علمية،.. ولذلك لم يكن غريباً أن تتقدم النزعة السلفية على التوازي مع تقدم حركة التعليم، والعمران، وازدياد عدد الجامعات والمؤسسات الاختصاصية في شؤون العلم وتطبيقاته، وهذه المفارقة تعكس حقيقة أن تراكم العلم في الأجيال لم يؤد إلى بلورة اتجاه عقلي جديد في مجتمعاتنا، والدليل على ذلك أن ثقافتنا المعاصرة ما زالت تقوم على تصوّر أحادي الجانب لمجمل الظاهرات، وهذا التصور يستقي رؤيته من الماضي ويحولها إلى فروض إيمانية تحكم النظرة إلى المستقبل. ومن الواضح أن هذا الجانب الأحادي المكتظ بالمسلّمات الايمانية لم يسمح بتشكل العقل النقدي الذي من دونه لا وجود لفكر حقيقي،.. ولم يسمح أيضاً بولادة مناهج علمانية تؤسس لحالات مدنية ذات خصوصيات عربية. وكانت النتيجة أن مجتمعاتنا ظلت تتعاطى مع أفكار ومنتجات العالم الحديث بعقل استهلاكي قاحل، فهي تواقة إلى كل جديد في مصانع الغرب وأسواقه، ومبهورة بمظاهر الحضارة الغربية، لكنها ترفض علومها ومعاييرها في الآن ذاته، وتحاول أن تقسر ما قبسته من علوم للبرهان على فرضياتها في السياسة والاجتماع والسلطة، حتى ليبدوا أن العقل الديني في العالم العربي يفتعل مواجهة دائمة ومستمرة مع العقل الغربي، وهو لم يستطع في هذه المواجهة أن يتفهم حقيقة أن علاقة الفكر بالمجهول تختلف عن علاقة الدين بالغيب، كما أن وظيفة العقل في الحياة لم تعد محكومة. مثلما هي في الدين ـ بقواعد التأمل في الأفكار، بل بضرورات التأمل في الوقائع والظواهر والمسائل، وهذا ما لم يقم به العقل العربي منذ القرن العاشر ميلادي، تاريخ انقطاعه عن الاشتغال بالعلم، وتوقفه عن حركة التأمل والنقد والحوار والاجتهاد، مكتفياً بما لديه من إرث السلف الديني،.. مخضعاً حركة الظواهر وتجليات الحياة في العلم والسياسة والاقتصاد والفن والمنطق لآلية فقهية تمارس فقط سلطة التحريم والتحليل. وبدل أن توائم المرجعيات الفقهية بين العقل وحركة الحداثة التي تعم العصر عمدت إلى محاولة تكييف العالم مع مثالها الديني، ومن ثم نفي كل ما يستعصي على هذا التكييف إلى عالم الشر، ولذلك جاءت فتاواها في مسائل الراهن الصعبة أقرب إلى تمارين لغوية تفتعل الإلغاز، من دون أن تضيف إلى مخزون العقل والروح ما يبعث على التوثّب نحو الأمام. هذه الآلية الفقهية ذاتها كانت بالمرصاد للحركات العلمانية في العالم العربي منذ بواكير القرن الماضي، إذ سارعت إلى اتهامها بالإلحاد،.. وهذه التهمة ما تزال عقبة تحول بين العقل العربي وبين كل ما هو علماني. ولم يستطع أصحاب هذه النظرة العدمية التماس العبرة في ظواهر ازدهار المسيحية وتوسّع مجالها الروحي في كنف علمانية الغرب، في حين أن الإسلام، كان، ولا يزال، يعاني من أزمات حادة حتى في ظل الدولة الاسلامية (إيران، السعودية...) وشبيهاتها. وهذه المفارقة الموحية تبرز حقيقة أن التواطؤ بين العقل ونظام الفكر الديني يعطل البصيرة، مما يجعل مثل هذا العقل قابلاً لخداع نفسه.

(6)

وإذا كنا لا نرى في علمانيات الغرب نموذجاً يلائم خصوصيات الدولة والمجتمع في العالم العربي، فإننا نرى أن العقل العربي معني اليوم أكثر من أي وقت مضى بإبداع النموذج العلماني الذي ينسجم مع رؤيته لذاته، ويلائم قراءته للراهن والمستقبل، وهذه ليست فقط وظيفة العقل النقدي العلماني في العالم العربي، بل هي أيضاً وظيفة العقل الديني الذي بات عليه أن يفارق نصوصه العالية ليقدم إجابات عصرية مقنعة على أسئلة الراهن، مقارباً ظواهره بموضوعية نزولاً عند الضرورات التي تفرضها الاملاءات الحضارية واستحقاقات الحداثة والتطور.

وإذا كنا نتوسم في أهل الدين من يقوم بهذه الوظيفة الحيوية، فإننا لا نقصد حتماً أولئك الذين يعمدون إلى تحويل الدين إلى مجرد عادة روحية طقوسية، بل نتطلع إلى كوكبة من المفكرين الاسلاميين والمسيحيين ممن يشكلون اليوم طليعة التيار النقدي في الإسلام على غرار عبد الرحمن الكواكبي وسواه، ولا همّ مهما بلغت المكابرة، إذ لا مهرب في النهاية من مواجهة فتاوى التكفير والرجعة ببطولة العقل.

(7)

مرة واحدة ذكر انطون سعادة العلمانية كمفردة في أدبياته. وربما ظن البعض أنه شاء بذلك أن يتحاشى تهمة الالحاد، ويوفر على نفسه مواجهة مباشرة مع المرجعيات الدينية على اختلافها. وكانت النتيجة أن البعض فضّل أن يصنّفه بين دعاة الإصلاح لا التغيير، ورأى هذا البعض أن حركته تهدف إلى تأسيس حالة مدنية تعيد تركيب المجتمع بحيث يصبح صالحاً للإنضواء في الدولة القومية الديمقراطية التي شاءها سعادة.

لكن علمانية سعادة كانت واضحة في منهجه رغم أنه لم يعالجها في نصوص اختصاصية. فهو يقول صراحة أن كل غامض مطلق لا شيء وأن العقل هو الشرع الأعلى في الحياة. وهو يستعفي في مقدمة كتابه نشوء الأمم من مسلمات وأحكام الميتافيزيقيا الروحية والمادية على حدّ سواء، منكباً على دراسة الظاهرة الانسانية من ضمن نواميسها الزمنية وعلاقاتها الداخلية، مشيراً بأهمية إلى مغزى اختلاف خصوصياتها باختلاف الزمان والمكان والتجربة. وهو في كل ذلك يقرأ الانسان كظاهرة دنيوية تعطي الوجود معناه.

هذا المنهج العلماني حكم رؤية سعادة إلى المجتمع والدولة. ومن هذه العلمانية الصريحة استولد مبادئه الداعية إلى فصل الدين عن الدولة و منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين ثم إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب وهذه المبادئ ذات المنطوق الاصلاحي تشكل حجر الزاوية في حركة التغيير التي أسس من أجلها حزباً يعيد تأطير مجتمع الأمة في نهضة قومية اجتماعية شاملة.

المؤسف أن منهج سعادة حورب من قبل العلمانيين واللاعلمانيين على السواء، لأسباب سياسية وطائفية في آن، ولذلك لم يقرأ في حينه مثلما قرىء ماركس وماكس فيبر وكانط وهيدجر وسبينوزا.. وسواهم، واليوم يبدو وكأن النخب الثقافية في أمتنا وعالمنا العربي تعيد اكتشافه في الفكر والسياسة والاقتصاد كرائد للحداثة المعبرة عن خصوصياتنا واستقلالنا الفكري في هذا الزمن المكتظ بالتحديات. حتى الذين كفروه بالأمس عقائدياً ودينياً بدأوا يلتمسون من منظومته الفكرية أجوبة دقيقة على مسائل ملحة في الراهن. وأهمها اليوم سؤال العلمانية الذي تمليه بقوة يقظة الأصوليات الدينية وانحدارها إلى المواجهة المباشرة مع كل نسق مدني لا ديني.

إن ميزة علمانية سعادة أنها تقيم وزناً كبيراً لرسالة الدين في تشريف الحياة، وهو يرى أن هذه الرسالة تنحرف عن غايتها الروحية إذا ما انغمس الدين في التفاصيل الدنيوية التي تختص بها الدولة. وإذا كان الدين طريقاً لمعرفة الله فإن العقل الذي هو هبة الله معني باكتناه المعرفة النبيلة للانسان والكون، وبفهم العالم كي يستحق انسانيته.