العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

التخلف الثقافي العربي المستمر ومسؤولية النهوض

دير الزور ـ ديانا العلي
الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

يزداد المشهد الثقافي العربي تخلفاً عاماً بعد عام، وتبدو عليه سمات الانحطاط الكبير بعد قيام النهضة العربية التي بدأت إرهاصاتها منذ أكثر من قرن ونيف هذه النهضة التي انبهرت ببريق الحضارة الغربية ومنجزاتها وحاولت تقليدها وتطبيقها على الواقع العربي رغم الاختلافات الواضحة على الصعد الثقافية والتاريخية والدينية والاجتماعية بين البيئيتن العربية والغربية.

وتتحمل الحكومات العربية الجزء الأكبر والأساس من مسؤولية التردي والضعف في مجال المعرفة والثقافة في البلاد العربية، وذلك لعدة أسباب، منها قلة الأنفاق الحكومي على الثقافة،.. وسوء الإدارة والتخطيط ووضع البرامج الحكومية التي تعمل على نشر الثقافة لكل فرد، ثم وضعها الحواجز والعراقيل أمام حرية الفكر وحركة الثقافة.

 

فجوة حضارية:

 

هذه الفجوة الحضارية بين العرب والغرب أدت إلى عدم الثقة في العقل العربي، والادعاء أن هذا العقل يحمل التخلف في بنية الفكرية متجاهلين أن هذا العقل تألق سابقاً عندما توفرت له الظروف المناسبة وأنتج حضارة قدمت للعالم أعظم الإنجازات العلمية والثقافية والإجتماعية عبر تاريخه المديد.

إن هذه الفجوة ولّدت عقدة نقص شلت كوامن الإبداع واستحكمت في شخصية المواطن العربي، فطبعتها بطابعها لتترك آثاراً عميقة وتغير السلوك العربي بمجمله حتى بلغ حد التفكير أن كل ناجح من بني العروبة هو متهم بإرتباطه بالغرب واستخباراته، وكأن النجاح تهمة يأبى العرب أن يتورطوا بها. والعربي قد رضي أن يكون مجرد حجر على رقعة الشطرنج يحركها اللاعب كيفما يشاء ليهدم كيان الإنسان العربي ويفرغه من مضمونه، فيجعله يهرول وراء معطيات الثقافة الغربية المخالفة للأعراف العربية.

وما يجري على الأرض العربية يعتبر رافداً كبيراً للأدلة التي لا تنهي، سواءً على المستوى الداخلي لكل دولة أو في الصراعات البينية بين العرب، أو في حروبهم مع الآخرين. ووصل الأمر ببعض المثقفين وبعض السياسيين وغيرهم أن يسعوا نحو الغرب مرتمين في أحضانه لتحقيق ذاتهم والحصول على ما يطلبون من دولهم، فهاهم يجأرون بالدعاء إلى الغرب ويطلبون منه التدخل. ولا ننسى في هذا السياق تجارب الانتخابات العربية والسير على طريق الديموقراطية وهي من الأمور التي لا تكتسب الثقة ولاينال أصحابها صك البراءة إلا إذا كانت التقارير عنها ممهورة بتوقيع لجان المراقبة الأجنبية.

كما ظهر فريق من العرب انسرب كلياً إلى تاريخه الموغل في القدم يبحث عن شيء ما يخلصه من هذا العار، فظهرت النزعة الفينيقية في لبنان والإمازيغية في المغرب العربي، ووضعت بعض الدول العربية ورقة عملها موضع التنفيذ،.. وعنوانها الرئيسي هذه الدولة أولاً وتلك الدولة أولاً. وهذه العناوين بطبيعتها تفرغ محتوى هذه الدول من ثقافتها ودينها، تسلبها من كيانها القومي.

 

الخرافات والأساطير

بلغت قمة اليأس بالإنسان العربي أن انتهج الخرفة مسلكاً والتنجيم ملاذاً والشعوذه ملجأ وهي أمور قد لايلام عليها الإنسان البسيط لإنها ظاهرة عالمية موجودة حتى في الدول المتقدمة ربما يلجأ إليها الإنسان العاجز الذي لا يتمكن من تفسير الظواهر المحيطة به، ولا ينتهج المنهج العقلي في حياته اليومية. لكن، الغريب أن يغيب عن الساحة رواد العلم والعقل لتخلوا الساحة للانتهازيين والتجار وأدعياء الثقافة وأشباه العلميين ويصبح للخرافة مؤسساتها ومنابرها داخل المؤسسات الإعلامية والتربوية وحتى الأكاديمية والثقافية التي يجب أن تكون نافذة النهضة الحقيقية، بأن تعمم ثقافة العلم والعقل وتقف بوجه الخرافات، فإذا بها تتحول عن وظيفتها المرتجاة في نشر الثقافة والمعرفة، ونراها اليوم تتخبط وتدور حول نفسها من دون أن تهتدي إلى سبيل الارتقاء.

الدور الحكومي

كنموذج للتجاهل والإهمال الرسمي الحكومي في البلدان العربية في مجال المعرفة والثقافة نشير إلى ما قاله الدكتور شاكر مصطفى المفكر والمؤرخ السوري الذي كان يرأس المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة في جامعة الدول العربية قال: إن المنظمة رأت أن تضع خطة للثقافة العربية لترسيم السياسة الثقافية المستقبلية، وشكلت لجنة من سبعة عشر قطراً عربياً. فاستمر العمل لمدة أربع سنوات. ولكننا واجهنا تعنت الحكومات العربية، ولم تمدنا بالمعلومات والإحصاءات، وواجهنا العقبات البيروقراطية الكفيلة بنسف المشروع من أساسه، ثم وافق وزراء الثقافة العرب بالإجماع على هذه الخطة رغم أنهم لم يقرأوها،.. وبالتالي، لم يقرأها مسؤول عربي واحد إلى الآن.

ولكن المسؤولية لا تنحصر بالحكومات. فالنهوض بمستوى الثقافة والمعرفة يتطلب مشاركة أهلية وحركة اجتماعية من العلماء والمثقفين من جهة ورجال الأعمال والأثرياء من جهة أخرى.

 

الثقافة في الغرب

في البلدان المتقدمة تساهم القطاعات الإنتاجية والخدمية في الحركة الثقافية، ويقوم الأغنياء ومؤسسات المجتمع المدني بالإنفاق على جهود البحث والتطوير العلمي والمعرفي، بعكس المخصصات القليلة جداً للبحث والتطوير في البلدان العربية.

 

التبرعات الخيرية

كانت سُنة (الوقف الخيري) جارية في مختلف مجتمعات الأمة، ومنها أقيمت المدارس والمستشفيات والمكتبات ودور الضيافة للمسافرين، وكان منها يتم الإنفاق على النشاط العلمي والثقافي.

ففي عهد قريب تبرعت في مصر فاطمة بنت الخديوي إسماعيل لمشروع بناء الجامعة المصرية بثلاثة آلاف وثلاثمائة فدان، يخصص ريعها للجامعة المصرية، وقدمت ألف جنيه ذهبي لميزانية الجامعة، كما أنشأ الأمير يوسف كمال كلية الفنون الجميلة من حر ماله في أوائل القرن العشرين، وأوفد أوائل خريجها على نفقته الخاصة في بعثات إلى إيطاليا وفرنسا.

إننا نوجه رسالة مفتوحة برسم الضمير إلى كل أصحاب الشأن في الأمة العربية، أن يولوا الثقافة والمعرفة ما يجب من اهتمام وحده من أجل الإرتقاء بالمستوى الفكري للمواطن العربي كي يستطيع أن يواجه الخطر القادم من الغرب الذي يتربص بتاريخنا وثقافتنا وديننا، ويستطيع أن يواجه التحديات الخطيرة التي تحيط به ويفتخر بالهوية القومية العربية التي يحملها في فكره ووجدانه.