العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

فرنسا، من كيبيك إلى لبنان نظرة متناقضة

سهيل رستم
الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

فرنسا، بعد تولي الجنرال شارل ديغول رئاستها، بدأت تتخذ اتجاهات نتعّرض،هنا، لاتجاهين منها:

- اتجاه المصلحة الفرنسية العليا.

- اتجاه حق الشعوب في استقلالها.

في الاتجاه الأول، بدأ ديغول العمل لإثبات شخصية فرنسا، ومصالحها في الصراعات الدولية، سواء على صعيد الوحدة الأوروبية، أم على صعيد التصدّي للسياسة الأميركية الساعية للهيمنة على أوروبا. واستمرّ هذا النهج مع رئاسة جورج بومبيدو، لكنه بدأ بالتراجع مع رئاسة فاليري جيسكار ديستان، ليستمر بالتراجع مع رئاسة جاك شيراك، وتخلل هذه المرحلة، من ديغول إلى شيراك، رئاسة فرانسوا ميتران (الاشتراكي) المختلف تماماً في نهجه الديغولي.

وسأذكر هنا مثالاً واحداً يوضح تراجع شيراك، فعندما هدد رئيس وزراء دولة إسرائيل المصنوعة، الحكومة الفرنسية بسحب اليهود الفرنسيين من فرنسا، وجلبهم إلى فلسطين المحتلة باعتبارهم، كما يدعي، رعايا دولة (إسرائيل)، فإن جاك شيراك خضع للتهديد، واعتذر لآرييل شارون، متقبلاً الإهانة التي وُجَّهت إلى فرنسا.

في الاتجاه الثاني، والذي بدأ مع ديغول أيضاً، سواء موقفه من مسألة الجزائر، أو من الصراع الفلسطيني مع الاحتلال (الإسرائيلي)، والذي استمر أيضاً مع رئاسة بومبيدو، الذي كان له موقف واضح من المقاومة الفلسطينية تقدم على مواقف الحكومات في بعض الدول في العالم العربي، إلا أن هذا النهج بدأ بالتراجع ـ كما في الاتجاه الأول على رئاسة جيسكار ديستان، واستمر بالتراجع مع رئاسة جاك شيراك، وكان نهج الرئيس ميتران (الاشتراكي) مختلف أيضاً عن النهج الديغولي.

إلا أن جاك شيراك ذهب بعيداً في موقفه من لبنان والشام، ومن العلاقات الشامية اللبنانية.

ما يهمنا الوضع الحالي، وموقف فرنسا من قضايانا، فعلى الرغم من مواقف شيراك، التي حاول فيها التصدّي للتوجه الأميركي لاحتلال العراق (والتي تسجل له) إلا أنه تراجع جزئياً بعد احتلال العراق، رغم مناهضة الشعب الفرنسي للاحتلال. واتخذ موقفاً متشدداً من قضايانا القومية، تجلّى في مواقفه من المقاومة الفلسطينية، وتصديها للاحتلال، والأهم ما يعني موضوعنا، وهو موقفه من الشام ولبنان، ومن العلاقات الشامية اللبنانية، وتدخله في الشأن اللبناني الداخلي.

فإذا قارنّا بين نظرة فرنسا لعلاقتها مع مقاطعة كيبك الكندية وعلاقتها مع لبنان، وبين نظرتها وموقفها من العلاقات الشامية اللبنانية، فإننا نجد تناقضاً كبيراً.

ففي علاقتها مع مقاطعة كيبيك الكندية، وهي نظرة تاريخية لها، تعتبر أن كيبيك، بما تتكون من غالبية سكانية من أصل فرنسي، تشكل قطعة فرنسية في كندا، وعملت أكثر من مرّة على إثارة الشعور لدى سكان كيبيك بأنهم ينتمون إلى فرنسا، إذ تعتبر أنّ من حقها التدخل في شؤون كييبك رغم البعد الجغرافي، ورغم وجود كيبيك كمقاطعة في دولة مستقلة ذات سيادة هي الدولة الكندية، ولا حجة لها إلا أن أغلبية سكان كيبك من أصل فرنسي.

أما نظرتها إلى لبنان، فتعود إلى حنينها لأيام الانتداب، وادعائها وجود مصالح لها فيه، إذ إنها لاتزال مصرّة على أن من حقها التدخّل في شؤون لبنان الداخلية، وسياسته الخارجية، وعلاقاته الدولية، وكأنها مازالت الدولة المنتدبة، مع ما يتضمن ذلك من صراع مع السياسة الأميركية التي بدأت تتطلع، منذ الحرب العالمية الثانية بشكل خاص، إلى أن تحل محل أوروبا بالسيطرة على العالم، وخاصة على سوريا الطبيعية.

ومن هذه النظرة، أباحت فرنسا لنفسها حق التدخّل في لبنان، دون اعتبار لواقعه الجغرافي والتاريخي، وتكوين سكانه، وروابطه الطبيعية مع الدول المجاورة له، والتي كوّن معها عبر التاريخ وحدة جغرافية، اقتصادية، اجتماعية. إضافة إلى نظرتها في حقها في التفرّد بلبنان، فإنها عملت على التنسيق المرحلي مع الولايات المتحدة الأميركية (رغم تنازع المصالح)، على التدخل في شؤون لبنان، وتفكيك العلاقات الشامية اللبنانية، ويبدو موقفها أشد من موقف الولايات المتحدة، التي توازن بشكل ما بين مصالحها، وربما تعمل على توريط فرنسا في نزاع ينعكس عليها سلباً، من ضمن نزعتها عدم مشاركة أحد في ما تسعى إليه، وتطمح له.

ورغم أن فرنسا أباحت لنفسها حق التدخل في كيبيك الكندية، لاعتبارها أن أغلبية سكانها من أصل فرنسي، وتبيح تدخلها في لبنان بسبب أنها حكمته كدولة منتدبة لمدة لم تتجاوز الخمس والعشرين سنة، نجدها تعترض على العلاقات الشامية اللبنانية، وتعمل على تفكيكها، أو عرقلتها، متناسية ما يربط بينهما من علاقات جغرافية، تاريخية، بشرية، واقتصادية. وتتجاهل:

1 ـ ما فعلته في معاهدة سايكس ـ بيكو، التي أدت إلى تقسيم سوريا الطبيعية إلى كيانات شبه مستقلة، تقاسمت الانتداب عليها مع حليفتها بريطانيا.

2 ـ أنها أعلنت تشكيل دولة لبنان الكبير، بعد أن ضمت إلى جبل لبنان الأقضية الأربعة التي كانت تابعة للشام، ويستطيع الباحث أن يعثر على شواهد الترابط بين الشام ولبنان، حتى بعد إعلان دولة لبنان الكبير، إذ بقيت العملة المتداولة مسجل عليها (دولة لبنان ـ خمس قروش سورية، أو عشر قروش سورية.. إلخ) ولمدة من الزمن، إضافة إلى أن بعض المصالح بقيت موحدة، مثل الجمارك، وسكة الحديد، وغيرها. وزيادة على ذلك الروابط الاجتماعية التي لا تزال مستمرة حتى الآن، هذا عدا عن التكامل الجغرافي بينهما. وهذا ما يثير الاستغراب من اعتبارات فرنسا بحقها في التدخل في كيبيك الكندية، ولبنان، البعيدين عنها جغرافياً، ومن محاربتها العلاقات الشامية اللبنانية.

3 ـ وأنها لعبت في فترة انتدابها على الدولتين دوراً سيئاً، إذ فصلت لواء الإسكندرون عن الشام، وفق معاهدة بينها وبين تركيا، لا حقّ لها في عقدها، إذ تصرفت بأرض لا تملكها لصالح دولة أخرى، كما كان لها دور أساسي في خلق الدولة اليهودية العنصرية في جنوب سوريا (فلسطين).

إن فرنسا، التي وعت مصالحها، واعتزت بتراثها مع مجيء ديغول، بدأت تفقد هذا الوعي، بارتدادها إلى مصالح جزئية تهم بعض قادتها المهيمنين عليها، ولا تعني مصالح شعبها، كما عرّضت علاقاتها الدولية إلى الاهتزاز، الذي انعكس على بنيتها الداخلية.

أمام ما تقدم، ولكي تعود فرنسا إلى النهج السليم، ليس لها إلا أن تعيد حساباتها من جديد.

 

الشام: سهيل رستم