العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

ملتقى الملاجة الثاني للنحت.. تحية للمقاومة

مكتب دمشق ـ نينار عمران
الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

 (.. نطمح إلى جعل المنطقة متحفاً للفن السوري المعاصر)

ضم ملتقى الملاجة الثاني للنحت (1 ـ 15 أيلول الماضي) عدداً في النحاتين الشباب والمخضرمين، بعضهم كان قد شارك خلال نشاطات هذا الصيف في ملتقيات أخرى، وقدموا، في حمص والمشتى، وجبلة، وغيرها أعمالاً تنتمي إلى مختلف مدارس النحت. غير أن ملتقى الملاجة يتميز عن غيره من الملتقيات الأخرى بأنه يأتي تلبية لدعوة أهلية نظمتها وأشرفت عليها أسرة مهرجان السنديان الثقافي التي كانت قد دأبت على تنظميه منذ 11 عاماً من فعاليات الملاجة المهتمة بالعمل الثقافي عنواناًَ لإسهامها في تطوير وتحديث المجتمع.

 

لماذا الملاجة؟

هذا السؤال وجهناه إلى أكثر مساهم في إنجاح الملتقى،.. وكان ملفتاً أن الجواب ينبع عند مختلف هؤلاء من حميمية نادراً ما نصادف مثيلاً لها في متحدات اجتماعية أخرى.

في الواقع، من النادر أن نصادف قرية يجتمع في نسيجها كل هذا التنوع والإبداع،.. فصلة الثقافة والفكر وهواجس الإبداع تكاد تطغى في حياتهم اليومية على صلة الدم وتداعيات القربى،.. لعل هذا سرّ الملاجة التي تشد إليها سنوياً كل هذا القدر من المبدعين وعشاق الثقافة أدباً وفناً، فهذه القرية الصغيرة الوادعة على تلالها الخضراء لعبت على مدى أكثر من عقد دوراً حيوياً كبيراً في احتضان الثقافة وأهلها عبر مهرجاناتها الثقافية السنوية التي شارك فيها عدد غير قليل من المفكرين والمبدعين شعراً وتشكيلاً وموسيقى في سوريا ولبنان والعراق والأردن ودول الخليج،.. وكأنها تتنطح بإصرار وعزم ومثابرة للإفصاح عن توق كبير لخلاص جماعي، عبر التفاعل والتكامل والحوار الفكري بديلاً لما هو عادي ونمطي في الحياة، ومهرجاناتها الثقافية كانت ولاتزال موعداً في أواخر كل صيف ينتظره جمهور كبير جداً من المهتمين بالثقافة والمشتغلين بها.

.. لقد أردنا أن نكون الاستثناء والقدوة في العمل على بناء المجتمع الثقافي هذا ما قاله مؤسس الملتقى النحات علي سليمان في معرض إشارته إلى نشاطات الملتقى، على مدى عامين متواصلين، وأضاف: منذ أحد عشر عاماً، ونحن نواظب على تنظيم مهرجان السنديان، وهو مهرجان أهلي غير رسمي كان الشاعر الكبير محمد عمران قد أسسه في الملاجة، مسقط رأسه، حيث إراده مهرجاناً يحتضن الشعر في سوريا والعالم العربي،.. وبعد وفاة الشاعر الكبير واظبت مجموعة من أعضاء الثقافية على تنظيمه، وأبرز فعاليات هذه المجموعة الأستاذ عماد الدين سليمان، جابر قرفول، الشاعرة رشا عمران، صلاح حسن، عصام سليمان، يوسف أحمد، وحيد أحمد، وآخرون.. ثم توسعت نشاطات المهرجان لتشمل معرضاً للفن التشكيلي، ومعرضاً للكتاب، كما عملنا على تحضير مكان مناسب للوحات والكتل النحتية الضخمة التي تكامل في جمالياتها أفصاحات الطبيعة الخلابة في الملاجة.

وكان موقع عين الملاجة القائم في وادٍ بين جبلين صخريين مكاناً صالحاً لأن يتحول إلى معرض دائم للمنحوتات الصخرية. وفي عام 2002 كانت أول منحوتة، وهي صخرة من جبل. وفي عام 2003 استضفنا الفنانين صالح العلي وعلاء محمد، حيث قمنا ثلاتنا بإنجاز أربع منحوتات ضخمة وهذا ما شجع معهد الفنون التطبيقية في دمشق للمشاركة بإنجاز خمس عشرة كتلة نحتية، بمبادرة من مديره الفنان الكبير أكثم عبد الحميد، وبإشراف الفنان المعروف أياد بلال. أما هذا العام، وبسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان، تم تأجيل المهرجان الثقافي، لكننا وجدنا من المناسب إقصار نشاطاتنا هذا العام على إقامة الملتقى الثاني للنحت بمشاركة 6 ثمانين جاؤوا من محافظات مختلفة. وقد قدمت أسرة المهرجان والهيئات الأهلية في الملاجة كل الدعم الكفيل بإنجاح هذا الملتقى.

ـ ولكن، ماذا في الملاجة من خصوصية تجعلها رائدة في احتضان هذا العدد الكبير من الأعمال النحتية؟..

ـ كان لدينا أصرار على أن يتقدم النحت كفعالية ثقافية رديفة للشعر والأغنية،.. ونحن نطمح إلى جعل المنطقة واحداً من متاحف الفن السوري المعاصر، وأن نضيف إلى ميزاتها قيمة فنية جديدة.

ـ تتحدث عن الجمال في معرض الحديث عن الثقافة، هل إغناء وتطوير الثقافة البصرية والجمالية هدف ثقافي أم جمالي في استهدفاتكم؟.

ـ لهذا الملتقى النحتي السنوي عدة ميزات، أوله أن اللقاء السنوي الذي يجمع النحاتين هو فرصة للتثاقف والحوار وتكامل الخبرات والتقنيات. والثاني هو أننا نطمح إلى رفع مستوى الذائقة البصرية عند الملتقي، حيث أن الجمال الطبيعي موجودبكثرة بينما الجمال الفني نادر، وقيمته تأتي من كون جمالاً من صنع الإنسان. أما الهدف الثالث فهو الفنان بذاته، فهو يشعر أنه يقوم بعمل خلاق يحقق في داخله ذلك التوازن عبر إنجاز حوار طويل وصعب بينه وبين الصخر الذي يصبح في النهاية نابضاً بالإيحاء الجمال.

ـ إلى إن أي مدى أغنى الاختلاف في الاتجاهات فنية العملية الإبداعية في هذا الملتقى.

ـ في هذا الملتقى خبرات مختلفة، لكنها لم تخرج عن الخط العام للمعايير الجمالية المعروفة. إن ظهور أعمال نحتية جيدة هو ما نطمح إليه باستمرار.

ـ هل تضعون عنواناً واحداً لأعمال الملتقى أم أن الأمر متروك لحرية الفنان واتجاهه الإبداعي.

ـ من دون حرية لا يوجد إبداع، لذلك كل فنان اختار موضوعه وأسلوبه وتقنياته. هذا الملتقى أردناه تحية للمقاومة ففي الجمال خير وقوة.. وما نقوله في أعمالنا عن اختلافها يندرج في مقاومة محور الشر الذي يتربص بكل ما هو جميل في بلادنا. وكان للفنان نور الزيلع تعليق إشادت فيه بتلك الحميمية التي عاشتها مع أهل الملاجة. فهذه مشاركتها الثانية في ملتقى الملاجة،.. ولديها من الرغبة ما يشجعها على تكرار هذه التجربة كلما كان ذلك ضرورياً.