العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

الدرامة التلفزيونية السورية رمضان موسم العرض المتواصل

نجيب نصير
الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

سولد على المسلسلات

تستحضر عبارة العرض المتواصل واجهات دور السينما بعد عقدين مرا حتى الآن على موت السينما، والعرض المتواصل هو وسيلة لجذب بقايا المشاهدين المحتملين عبر ترغيب هو في حد ذاته تخريب اذا اتخذنا معيار العرض والطلب لقياس حال السينما،لنلحظ ببداهة مدى تهافت الفعل السينمائي في ركيزته الأساسية ألا وهي المشاهدة الفعل الذي يكمل دائرة الفعل السينمائي ليبدأها من جديد بإعادة الإنتاج،.. وهكذا دواليك.

وحال السينما ـ كمثال ـ ليس بعيدا عن حال الدرامة التلفزيونية طالما لم تتوفر الملاحظة المعلومية والمعرفية لهذا الفعل (ربما الاقتراف) الفني، ليتم تكرار مفاهيم الإنتاج البدائية، أي في وحدات فردية وصغيرة على صورة ومثال الزراعة أو الحرفة، أو التجارة بمعناها البسيط.. وربما الساذج، والذي يؤدي إلى أن يسارع البعض لتوصيفه بالجشع اتساقا مع بساطة العقلية التي تتحكم بعملية الإنتاج ذات مستوى من السذاجة هي الأخرى،.. وكأن رحيل السينما والمسرح تم بمحض المصادفة،.. أو كأنهما لم يخضعا إلى عمليات إنتاج وتسويق تشبه سيرورة الحياة الزراعية المرتبطة بهطول الأمطار،.. والتي يمكن أن تأتي بالخير العميم بشرط أن يُحسن التسويق وأن لا يفوق العرض الطلب كقاعدة اقتصادية بسيطة .

رمضان هذه السنة: وبالأصح الموسم الدرامي لهذه السنة يبدو كموسم البندورة في سنين الخير،فالأرقام تتحدث عن حوالي أربعين مسلسلا دراميا سوريا عدا البرامج الدينية والمناسباتية، والأرقام تتحدث أيضاً عن مليار ونصف المليار ليرة سورية كتكلفة تقديرية لهذه المسلسلات، ليتضح إن هنالك قطاعا مهما من اليد العاملة منخرطة في هذه العملية الإنتاجية المحلية، أي أن المسألة ليست بالبساطة الحرفية التي يتدافع بها المنتجون لإخراج أعمالهم التلفزيونية إلى العلن، فالعمل التلفزيوني هو وفي المقام الأخير سلعة، ولكنها سلعة إستراتيجية حيث لا يمكن حصر نجاح هذه السلعة بكمية البنكنوت (على أهميتها) التي تدخل صناديق المنتجين فقط. وإذا كان الموضوع يتم على هذا النحو فأن الدورة الإنتاجية لن تتم، مرورا إما بتخفيض النوعية، أو تخفيض الأسعار نتيجة سوء العرض والطلب، وفي الحالين يكون المنتجون غير مستوعبين عملياً ماهية السلعة التي يعملون/ يلعبون بها، هذا إذا أعبرنا أنهم يؤمنون بالفن عموما ولا يعتبرونه إثما، ولا يعتبرون العمل به مجرد سبوبة، أو مجرد واجهة تقدم لهم برستيجا اجتماعيا وثقافيا، أو اضطرارا لفتح السبل إلى مناجم البترودولار. تحت هذه العناوين لا يمكن إنتاج سلعة حداثية كالمسلسل التلفزيوني، كما أنه لا يمكن إدارة هذا الإنتاج اقتصاديا ـ بغض النظر عن العلاقة المتعدية بين الفن والاقتصاد وهي علاقة مركبة لا يستطيع هكذا نوعية من المنتجين استيعابها ـ ففي سوق لا تستطيع المنتج المحلي تمييزه عن سوق الخضار، تصبح المنافسة فيه هي المقدرة على تدمير المنافس حتى لو أدى الأمر إلى تدمير السلعة ذاتها، وهذا ما حصل هذا العام حيث تهافت المنتجون على أبواب المحطات التلفزيونية العربية بفوضى تعاكس مفهوم الاقتصاد والفن معا، وبدأوا لعبة قذرة تسيء إلى الفن والأخلاق. والأهم أنها تسيء إلى ذلك القطاع من الأيدي المنتجة لهذه السلعة التي لم تستوعب ملكات المنتجين الفكرية والروحية قيمتها الاجتماعية  ودورها الأساسي في دعم اقتصادٍ هم بالذات جزء منه، فدخلوا في لعبة تنزيل الأسعار من دون تقدير خطورة الإقدام على مثل هذا الأجراء الغبي اقتصاديا، بالإضافة إلى كونه غير محترم لأنه يعبث بقوت الناس الذين يجدون في سبيل الحفاظ على لقمة عيشهم تاركين لعبقرية المنتجين الخلبية عملية إنماء إنتاج هذه السلعة.

ومع تنزيل سعر الحلقة التلفزيونية إلى النصف، خضوعا متسرعا لمسألة العرض والطلب قلب المنتجون القادرون على تحمل الخسائر المعادلة، لتصبح معكوسة، غير آبهين لمستقبل هذه الصناعة / الحرفة ولا لمستقبل أهلها ولا لمستقبل النتائج التي تتمخض عنها كسلعة حداثية مركبة، حيث يمكنهم الإقلاع عن التفكير المنطقي السليم مقابل الأضرار بالمنافسين الذين قد لا يحتملون الخسائر، كل هذا يعكس مدى يتم أميتهم الاجتماعية والمالية والأخلاقية،.. حيث يظهرون تحديثي نعمة (يلعبون بالمصاري لعب) لكنهم لا يرتقون في حصافتهم المالية إلى مكانة عامل بورصة في دنيا البزنس .

في هذا الأفق يبدو مهرجان رمضان التلفزيوني كجرس إنذار ينعي بوضوح مستقبل هذه السلعة الإستراتيجية النبيلة ليذكرنا بما حصل من أخطاء تأسيسية في المسرح والسينما، خصوصا أن الدرامة التلفزيونية السورية لم تخضع لأي دراسات اقتصادية أو فنية، فليس هنالك من شركة قامت بدراسة ما حول المشاهد والمشاهدة، أو حول مستقبل المسلسل التلفزيوني والمنافسين المحتملين وإمكانيات هؤلاء المنافسين، ولم تخضع كذلك لأي إجراءات داعمة لحضورها كفعالية محترمة، فهي لم تصنع نجما، ولم توفد أحداً لدراسة احد الاختصاصات الفنية من مكياج أو ديكور أو حتى تطوير العملية الفنية لتصبح حداثية أو من نفس الرتبة المدنية للكميرا التي يصور بها العمل .حيث بدا المنتجون هذا العام (أقصد الذين قاموا بتنزيل الأسعار) كقوم متخلفين.... ولكنهم متخمون من فتات موائد الحداثة سعيدون بأنهم استطاعوا بفهلويتهم بلف الحداثة !!!!!!!