العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

تأملات في مولد نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم

رباب الكزبري الخطيب
السبت 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 
New Page 1

هنالك جدل فكري واسع حول الدور والمكانة التي يتمتع بها الأبطال في التحولات الجذرية والمنعطفات التاريخية الحاسمة، وقد انقسم علماء الاجتماع، وفلاسفة التاريخ إلى فريقين في تقديرهم لهذا الدور. أكثر المفكريين النازيين والفاشيين يرون للرموز الأبطال دوراً مصيرياً في الأحداث التاريخية والتحولات الاجتماعية الكبرى. ومن هذا المنطلق نراهم يرتقون بمقام البطل إلى موقع خاص من القيادة؛ فالقائد في هذا النمط من التفكير ليس مجرد رائد يتقدم على الآخرين في قافلة المسيرة، بل هو آمرٌ مطلق، بيده مصير القوم أجمعين.. والآخرون لا يملكون حياله حق تقرير مصيرهم، وليسوا سوى آلات لتنفيذ أوامره، وما تفاوت في القيمة الإنسانية لأي منهم إلا بمقدار ما يحسنه كأداة طيعة بيد القائد. فالقائد هو عقل المجتمع وقلبه وروحه، ومحور حركته الموجه لها في مسار التاريخ.

وعلى خلاف هؤلاء المفكريين المولعين بالبطل الرمز المعبّر عن توجه فكري معين. يصرّ فريق من أنصار الديمقراطية والاشتراكية على التقليل من مكانة البطل الرمز، ودوره في التأثير على المجتمع والتاريخ، وذلك لصالح القول أن الأصالة للمجتمع لا للأفراد، وأن التاريخ يسير بموجب قوانين علمية موجودة في المجتمعات.

أنا، لا أتفق مع الفريقين، بل أعتبر التاريخ مزيجاً مركباً من [القانون والناس، والصدفة والبطل] وبين هذه العناصر روابط معقدة يتفاوت دور أي عنصر فيها من زمنٍ إلى آخر، ومن بيئة للأخرى، فدور الصدفة والبطل تتصلب في المجتمعات المغلقة التي تتحجر فيها التقاليد والأعراف الاجتماعية، خصوصاً حين نتشابك مع الدين، ويصبح من الصعب تغييرها. فالناس في هذا النوع من المجتمعات تابعون منقادون للسنن والعادات والأعراف إلى درجة لا يستطيعون معها الحفاظ على استقلالية شخصيتهم، أو لعب دور فعال في التحولات الاجتماعية؛ وفي وضع كهذا ينقاد الرموز والأبطال لتلك السنن، ويصبح قصارى جهدهم افتعال الوقائع والأحداث،.. وربما يكون بوسع هؤلاء تغيير الوحدات والمؤسسات.

أما النظام والتركيب العام للمجتمع فيبقى عصياً من أن تطاله يد التغيير. الأمر نفسه يقال لعامل الصدفة، ففي المجتمعات المتفككة طبقياً ودينياً، والتي تعصف بها الأزمات، وتهدد كيانها العام؛ قد يتمكن عامل الصدفة من لعب دور حاسم في المسارات العامة، ولكن سرعان ما يضمحل ويذوب في النسيج الاجتماعي.

ولكن،.. دعونا نقف وبشكل حيادي لنقدم تعليلاً لما حصل في أوائل القرن السابع الميلادي على رمال الحجاز الحارقة من انفجار بركاني مهيب، وتحول تاريخي عظيم على كافة الأصعدة،.. فكرية ودينية واجتماعية وسياسية وإنسانية وأخلاقية، وفي أوساط قبلية نصف متوحشة، لتنبثق عنه إشعاعات حضارية عْمرت العالم القديم بأسره، وفي جميع آفاقه الحضارية. إنها الرسالة المحمدية.. لو كان محمد (ص) قد تمكن فحسب من توحيد القبائل العربية الوحشية المتفرقة. وإيجاد قوة عظيمة استطاعت في غضون عشرين عاماً فقط، كسر شوكة أكبر إمبراطوريتين آنذاك (الروم والفرس) لكان يعدّ بذلك محققاً لواحد من أكبر الانجازات التاريخية، بيد أن اللافت للنظر هنا أن هذه الفتوحات العسكرية ظلت على الدوام هي الأقل جاذبية بالنسبة لسائر منجزات محمد (ص). دعونا نبحر في أعماق الزمان لنرى تلك الحقبة من حياة رجل ترك أعمق الأثر في ملايين البشر، متجردين من تبعات رؤيتنا المعاصرة،.. متسلحين بحياد العلم،.. مبتعدين قدر الإمكان عن خداع السياسة لأنه لا تهديد للعلم وخاصة في حقلي الدين والتاريخ قدر السياسة المرساة على أساس قبلي والمدعومة بسلاح الدين.

إن معرفتنا بحقيقة إنسان معين أمر في غاية الصعوبة،.. إذا لم تكن مستحيلة. فكيف إذا كان المراد محمد (ص)؛ لأنه توجد نفوس عظيمة لا يرقى إليها الفهم والإدراك بحدوده الطبيعية. هناك نفوس واسعة سعة السماء سامية سموها، وأحاسيس ومشاعر تمتد امتداد المجرّات؛ الجميع يزعمون أنهم يرون السماء والمجرات؛ ولكن من يقدر على ذلك حقاً؟... يقول الكاتب العربي شبلي شميل مخاطباً المفكر الإسلامي رشيد رضا: (محمد في نظري أنا الذي لا أومن  بالله وبالوحي ولا أقول بنبوته أعظم بكثير من محمد الذي تنظر إليه بعين النبوة)... كلام حق!... فإن العظمة الخارقة في روح محمد (ص) ينسبها المسلم إلى الله بينما يعتبرها المفكر غير المسلم من مزايا محمد (ص) وخصائصه الشخصية.

أحاول أن أدنو ما استطعت من هذه النفس الكبيرة فإن الإشراف على قمة جيل عالٍ يناطح السحاب محال على إنسان أرضي. [في الواقع إن حياة محمد (ص) تصنف على ثلاث مراحل:

الأولى: من الميلاد إلى البعثة (570 ـ 610).

الثانية: من البعثة إلى الهجرة (إسلام مكة 610 ـ 622).

والثالثة: من الهجرة إلى الوفاة (622 ـ 632). وسأكتفي في هذا المقال بالمرحلة الأولى... لأهميتها في إعداد هذا الإنسان العظيم.

من حيث الانتماء الأسري، كان محمد من النبلاء، قبيلته قريش تعد أشهر قبائل العرب في الحجاز. وهو من بطن بني هاشم الذي أضفى عليهم انتماؤهم للكعبة مزيداً من الهيبة والقداسة. كان محمد (ص) يتيماً محروماً من نعمة رب الأسرة. فقد توفي أبوه قبيل ولادته،.. ترى هل يكون لهذا الحرمان دور إيجابي في النضج والتكامل الحرّ بشخصيته؟..

محمد (ص) كان محروماً من الأب و"المدرسة". فقد عاش في بيداء حليمة السعدية. هذا الحرمان كان من أكبر النعم التي تمتع بها خلال حياته؟ ذلك إن إشراف الأب، وتربية المدرسة بقدر ما هما ضروريان لسائر أصناف البشر، يعدان أمرين  ضارّين بالنسبة للنوابغ والأشخاص الاستثنائيين الذين تنطوي نفوسهم الكبيرة على قدرات خفية،.. تمكنهم من تجاوز الماضي وخرق المألوف والإتيان بشيء جديد.إن الإرادة المطلقة وقع اختيارها على رجل انبثق من قلب صحراء ظامئة لافحة لم يسجّل التاريخ لها موقفاً يذكر. لقد أحجمت تلك الإرادة على اختيار نابغة من نوابغ أثينا، أو روما أو مدائن كسرى أو غيرها من المراكز التي كانت آنذاك ملاذ قبول الفلاسفة والعلماء والكتاب الذين جمعوا فيها تجاربهم وأفكارهم إلى تجارب وأفكار أجيال متعاقبة من الحضارات الإنسانية لتوظيفها بخدمة الإنسان المتمدن.

إن من يراد له أن يشق طريقاً جديداً للإنسانية، وأن يحطم القوالب القديمة ليأتي بغيرها، ويقوم بمهمة تطهير الأدمغة من الأفكار العتيقة البالية تمهيداً لترويج أو خلق أفكار جديدة، مثل هكذا إنسان لا يجوز للأب أن يحمله على سلوك الطريق الذي طرقه آباؤه الأولون،.. ولا للمدرسة أن تعلّمه على النحو الذي يخدم الاتجاه القائم الموجود. يجب أن لا تتدخل في صناعة الرمز العوامل التربوية الخمسة [الأم والأب والمدرسة والمدينة (المجتمع) والمدينة (الثقافة العامة)] من هنا لم يولد محمد (ص) في أوساط مجتمع متحضر، والمجتمع الذي برز منه كان نائياً وعصيّاً على يد التربية والتطويع تماماً كنباتات الصحراء، ولقد شاء القدر أن الشخص الذي كان مقدراً أن تناط به مهمة بناء المستقبل يولد محروماً من نعمة الأب الذي فارق الدنيا قبل أن يرى ابنه، ذلك لكي لا تكون تربية الأب عاملاً في تجفيف ينابيع العبقرية والنبوغ عند محمد (ص) وتجميد شخصيته في إطار سنن وعادات التراث، ولكي لا تتروض أفكاره الجامحة. في ظل تربية الأب وتوجيهاته الداعية إلى مراعاة العقل الجمعي العام والصيرورة جزءً منسجماً مع الاتجاه العام متلوناً بلون الجماعة.

أما الأم؟... أليست هي العامل الأقوى بين العوامل التربوية التي تدخل في صناعة شخصية المرء وهو في مرحلة الطفولة؟.. أو ليست هي أيضاً تشكل الجسر إلى الماضي عبر العادات الاجتماعية ونقلها لهذه العادات والتقاليد إلى طفلها،.. ولو عبر قنوات اللاوعي. ثم إن عطف الأم وحنانها هو الذي يضفي على الروح طابع الرقة، ويحول دون ظهور الكثير من العقد النفسية، وكان المقدر أن تموت أم محمد (ص) وهو في السادسة من العمر. بقيت مشكلة المدينة..!.. مكة مدينة صغيرة وبدائية ولكنها على شاكلة كل مدينة. إذ لها بنية اجتماعية خاصة. وأنساق تربوية وأخلاقية محددة. محمد (ص) ولد فيها ويُخشى على روحه وشخصيته أن تتأثر بالقوالب الثابتة والجامدة. ما هو الحل إذن؟.

حليمة السعدية! امرأة من عرب البادية تنتشل محمداً (ص) من ظلمة الأزقة الضيقة والجدران المغلقة ومن البيئة الاجتماعية لأناس تحجّرت عقولهم وعواطفهم، وتقولبت في شكل هذه البيوت.

تذهب حليمة بمحمد (ص) إلى الصحراء بعيداً عن أمه ومدينته. في العراء تلتقي الأرض والسماء في الآفاق المفتوحة من جميع الجهات في أعمال الرمال، حيث لا جبل شاهق ولا غابة سوداء ولا ضفاف بحر ولا جريان نهر ولا أثر لسقوف أو جدران ولا مدينة ولا استيطان،.. ولا أي شيء آخر يتسم بالثبات. أفق مترامي الأطراف لا يحده شكل ثابت، وهو دوماً في حال تغيّر، وبين الفينة والأخرى تهبّ عاصفة تزيح كثبان الرمل من مواقعها لتتكدس في مواقع أخرى. فتنهار المرتفعات وترتفع المنخفضات. هدوء يسبق العاصفة، عاصفة يعقبها هدوء، هاهنا تبدأ الصحراء والسماء والأفق بإعطاء دروسها لهذا الصبي الصغير. وتلك كانت أولى الدروس التي يتلقاها محمد من مدرسة الحياة. عاد من البادية وهو ابن الخمس سنوات إلى مدينته، على أمل أن يستقر في أحضان أمه وعطفها الدافئ، ولكنه لم يلبث طويلاً حتى وجد نفسه واقفاً بجوار قبرها.. ومن تلك اللحظة سوف يكون يتيم عبد المطلب مثيل إبراهيم الذي سجل له التاريخ الإنساني شرف تحطيم الأصنام الذي نشأ وترعرع في أحضان آزر صانع الأصنام لأهل بابل. وموسى، الذي أنيطت به مهمة القضاء على حكم فرعون، هو ذاك الرضيع الذي وضعته أمه في صندوق وألقته في النيل، ليأخذه عدوه فرعون ويتولى أمر تربيته.

كذلك محمد (ص) ينمو في أحضان عبدة الأوثان في أحضان شريف مكة عبد المطلب رافع أستار الكعبة وساقي روّادها من المشركين، وحارس أوثانها، والمتصدي رسمياً لمعبدها، وعلى محمد لاحقاً تحطيم هذه الأوثان. إن شخصيته الآن تتكون، وهي في حالة صيرورة دائمة، ويعاود القدر تدخله فيعيده مرة ثانيةً إلى الصحراء. هذه المرة على هيئة راعٍ في ريعان شبابه، عاد إلى الأحضان الأولى التي تقاسمت مهام تربيته. الطبيعة والصحراء وكثبان الرمال وأشعة الشمس والسكون والعظمة وعالم اللامحدود.. الطبيعة والصحراء علّماه دروساً جديدة في النظم الدقيقة إلى جانب التحول المستمر، لا شيء يحصل اعتباطاً من دون قانون، لا شيء ثابت على الإطلاق، كل شيء في حال تبدل وتغير وصيرورة وسيرورة في ضوء نواميس مدهشة. محمد (ص) راعٍ. وكذلك الأنبياء السابقون من قبله. فهل بين الرعي والنبوة من وجه اشتراك؟!.. نعم.. انه القيادة! الراعي يرعى القطيع ويصونه من الأخطار يدرأ عنه خطر الذئاب، ويسوقه نحو المرتع الوفير والماء الغدير. ناهيك عن أن الرعي هو الحرفة الوحيدة التي يضحّي فيها صاحبها بكل ما لديه من أجل القطيع، إنه يهجر الأهل والديار، وينطلق بها إلى الصحراء رابطاً مصيره بمصير القطعان التي يرعاها، حارماً نفسه من مجمل مواهب الحياة من أجلها. ويتعلم الراعي درساً آخر يصعب على الآخرين تحمّله،.. إنه درس التضحية من أجل الجماعة التي لا تدرك قيمة هذه التضحية. ولا تفقه معناها، وحمل همّ مخلوقات لا همّ لها إلا بطنها وإشباع رغباتها، هذا هو السرّ الذي ينطوي عليه احتراف الأنبياء لمهنة الرعي ومهمة الرعاية،.. ذلك أنهم يريدون التضحية من أجل قوم يشبهون في واقعهم القطيع من حيث أنهم لا يفكرون سوى برغباتهم وإشباع بطونهم كالأغنام.

الدرس الآخر هو فن العزلة. بكل ما ينطوي عليه من الاستقلال النفسي والروحي والقدرة على الاستغناء عن الآخرين وعدم صيرورة الإنسان أسيراً للعلاقات والسلوكيات التي تفرضها عملية الاختلاط بالآخرين، والخضوع لاملاءات المجتمع،و مجاملتهم تحت ضغط الحاجة. فمهنة الرعي تلهم صاحبها دروساً وعبراً في الوحدة والعزلة والتوحد مع الذات. والغنى عمّا في أيدي الناس.

اليتم، قساوة العيش في البادية إلى خمس سنوات، وفراق الأم في السنة السادسة، وفاة عبد المطب جده العطوف ذو الجاه والثروة والاقتدار، ومحمد ما زال في الثامنة، ثم انتقاله لحماية عمه أبو طالب ذو العيال والحاجة ومن ثم حياة الرعاة في عمق الصحراء. وحياة الفقر والحرمان من كل مواهب الحياة، والتي استمرت حتى الخامسة والعشرين. هذه وغيرها دروس نفيسة للغاية، سوف تكون نافعة في تأهيله لحمل الرسالة، والأمانة الثقيلة التي تنتظره. لقد تعلم الصبر والصفاء بالطبيعة من معايشته للصحراء، وتعلم القيادة والمسؤولية والتضحية من أجل الآخرين من دون انتظار أجر من مهنة الرعي، وتعلم الرياضة وصلابة الروح والنضج وحب المخلوقات وبغض الظلم والجور من مكابدة الفقر والجوع، وهكذا شاء القدر للرجل الذي عليه أن يغير مجرى التاريخ أن ينشأ في أحضان اليتم والبادية والمراعي والفقر.

كان في الخامسة والعشرين عندما تزوج بخديجة،.. المرأة الثرية البالغة من العمر خمساً وأربعين سنة، كان يعمل لها في التجارة، ولكن خلق الرجل وصدقه وأمانته دعاها إلى اتخاذ ذلك القرار الجريء، لقد انقلبت حياة محمد، يتيم أبي طالب، فهو الآن زوج خديجة، وله الحق التصرف في جميع أموالها.

يقول توينبي: ثمة مرحلتان في السيرة الحياتية لنوابغ التاريخ، هاتان المرحلتان: هما الخروج من المجتمع والعودة إليه، في المرحلة الأولى لا يطيق المرء أوضاع مجتمعه، فيبتعد عنه ويهجره، ويغيب فترة تطول أو تقصر، فإذا انتهت فترة الغيبة عاد إلى المجتمع ليبدأ حمل رسالته.

محمد (ص) لم يهجر مكة في الفترة بين سن الخامسة والعشرين وبين الأربعين. إلا أن حياته انطوت على المرحلتين التي يقول بهما توينبي: فراق المجتمع والعودة إليه. سوى أن هاتين المرحلتين، تحققتا في وجدانه المليء بالأسرار. وروحه المضطربة بحثاً عن الحقيقة. تأملات.. وهو في عزلته بغار حراء في جبل   نور تمثل مرحلة الابتعاد عن المجتمع، عن مكة وأوثانها وعاداتها وحياتها اليومية. وفي تلك الليلة العظيمة التي انحدر فيها محمد (ص) من حراء إلى الوادي الذي تناثرت بيوت مكة على جانبيه كان يهدف على حد تعبير توينبي لمواجهة التاريخ كله. في تلك الليلة بدأت مرحلة للعودة إلى المجتمع. ولكن شخص محمد (ص) لم يكن مغيباً عن الأنظار.. في تلك الليلة من رمضان،.. وفي عمق الليل وجوف الغار. أنهكته الأفكار والتأملات الأليمة التي تشابكت في روحه كأنها لا تريد أن يستقر بها المطاف، أخلد إلى النوم ولكن لا سبيل إليه.. سمع صوتاً خفياً كأنه يصدر من كل ناحية من نواحي الكون، نواحي وجوده.. اقرأ.. ما أنا بقارئ؟.. ويتكرر الموقف ثانية اقرأ وثالثة اقرأ.. {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم} (العلق: 1 ـ 4) وانتهى الأمر!... وتوقف الكون عن الحركة والكلام.. سكون وسكوت مطلق، لم يبق سوى محمد (ص) والغار والعزلة.. وحملّ الأمانة وحمل الرسالة.. كان عليه أن يزرع أسمى الملكات الإنسانية في أحط النفوس وأشدها جموداً، كان على محمد (ص) أن يشيد في قلب الصحراء القاتلة الحالكة،.. وعلى هذه الرمال المتحركة، حضارة تقوم على دعامة التوحيد، جدرانها الأربعة (المساواة، والعدل، والحرية، والمحبة) ويعيش أهلها أحراراً من سلطة آلهة الترغيب والترهيب. شاء القدر أن أول حديثه في مدينة شيّد فيها أول بيت للناس. ولأجل أن يتسلط على أهلها رباعي الهيمنة والتسلط المؤلف من فرعون: رمز الاستبداد السياسي وقارون: رمز الاستبداد الاقتصادي. وهامان: رمز الاستبداد الديني ممثلاً برجل الدين الرجعي الذي مثله القرآن بالكلب {إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} الأعراف: 176.

وأخيراً الملأ: رمز الاستبداد الاجتماعي. وجاء النداء مفصحاً عن المهمة مبتداً بالأقرب. نداء بدأ من النواة الأولى وأنطلق ليكون للعالمين رسالة رحمةً وهداية {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} . ابتدأ بـ اقرأ: {وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} الشعراء: 214 ـ 216 ـ ما أصعبها من مهمة. وما أثقلها من أمانة. خاصة حينما يتقلد أعيان المجتمع وأشرافه مناصب دينية، أو يتحول رجال الدين إلى أشراف وأعيان المجتمع، حينئذٍ سيقف هؤلاء صخرة عنيدة بوجه أي تيار تجديدي، ويصبحون سداً حائلاً بوجه أي عملية تحوّل أو تغيير، وعلى محمد (ص) الآن أن يحرث في قلب صخرة لينثر البذور الأولى للدين الجديد.