فلسفة آليات نشوء وإنتاج المشروع النهضوي القومي الاجتماعي

العدد 1 - تموز 2005 : الياس العبدي
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
تأتي هذه الدراسة، كمدخل لفهم فلسفة آليات النشوء والإنتاج التاريخي والانتروبولوجي، لثقافة الفكر النهضوي لانطون سعاده، المتناول استهدافاً مهمة مجتمعية، وجودية، هي مهمة التغيير النهضوي الجذري، مهمة التجديد لحياة سورية الطبيعية أرضاً وشعباً، سوريا، الهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص.

إن هذا ـ المدخل ـ يتناول عبر قراءته التحليلية، ساحة فلسفة الآلية الإنشائية، الموضوعية التي تطلبها الواقع التاريخي السوري الحديث لتفسير واقع الأمة السورية، المتأخر والمتخلف، والمخلَّف أيضاً، بواقعة آليات تبعيته للأجندات الإمبريالية السياسية، الاقتصادية مما جعل هذه الأمة في حالة عجز وجمود متحجر تاريخياً، وملمعة بمساحيق القرون الحديثة المستوردة ـ أوروبياً وأميركانياً. فمن واقع هذا التفسير، صاغ انطون سعاده آليات عمل (فكرية ـ عملية) لتغيير هذا الواقع، ليواكب عصر النهضة والتنوير والتقدم الاجتماعي العالمي فتعود لسورية الطبيعية التاريخية، سوابق عهودها في البناء والإنشاء الحضاري ـ عالمياً ـ وهو ما أكدته وتؤكده الأبحاث العلمية من تاريخية واقتصادية واجتماعية، في كون سوريا مصدر أول وأساسي لإشعاع (العولمة البنّاء) في التاريخ البشري. وفي هذا السياق يحضرنا إشادة ـ المفكر الاقتصادي الماركسي السوري ـ الدكتور رزق الله هيلان في ملحق البعث الاقتصادي ـ العدد 98 في 4 نيسان 2000، حول الريادة التأسيسية السورية للحضارة العالمية، عبر هذه الخلاصة التاريخية التالية: * (يجب التوقف لحظة عند أمر في غاية الأهمية بالنسبة لنا وهي المرحلة الأولى في العولمة، التي صنعتها شعوب ـ بلاد الشام ـ وهي ما أسميها استناداً إلى المكتشفات العلمية /الثورة النيوليتية/ وهي مجموعة متكاملة من التحولات استمرت نحو ثلاثة آلاف عام.. واكتملت هذه الثورة حوالي الألف السابع قبل الميلاد في بلادنا. وفيها انطلقت جاهزة إلى أوروبا في الألف السادس عبر الأناضول ثم عبر البحر.. ولولا هذا العبور لكانت البشرية استمرت بحياتها على الصيد وجمع الثمار ولما كانت هناك حضارة. بعد ذلك أضافت شعوب بلاد الشام ـ إلى وسائل العولمة ـ مكتشفات جديدة أهمها الكتابة الأبجدية). وأيضاً ومن ضمن هذا السياق التأسيسي للحضارات العالمية نستأنس بخلاصة بليغة للمفكر والفيلسوف السوري /الماركسي ـ العروبي/ الياس مرقص في مقدمة ترجمته لكتاب جان كوفان ـ القرى الأولى في بلاد الشام ـ / معلناً: * (.. يجب أن ندرس، يجب أن نعرف قضية القرى في بلاد الشام بين الألف العاشر والألف الخامس قبل الميلاد، إذن قبل ماري وايبلا وأوغاريت وسيانو، يجب أن نقرأ قصة الانتقال من كهف إلى بيت، من قطف وصيد إلى زرع ورعي ومكاثرة، من الأخذ والقنص إلى الإنتاج بحصر المعنى، إنتاج العيش، يجب أن نقرأ قضية التملك والأنسنة في وطنها ـ الأول ـ بمعنى ما، وفي مستوى ما وحاسم ـ الذي هو ـ وطننا. إنها الثورة الريفية، العتبة الكبرى. لنقل إنَّ هذه المسألة القديمة راهنة قومياً وعالمياً: البشرية تنتكس اليوم إلى إنسان القنص والإسراف والتحريب.. باختصار إن هذا الموقف العلمي ـ الفكري بعيد عن غالبية الوعي العربي الحاضر، أو الحاضر الغائب، المنقطع عن الواقع الممتنع الآن عن الإنسان وتاريخه ومصائره). ص7 دار الحصاد 1995. من هنا جاءت الحاجة التاريخية الموضوعية لوجود انطون سعاده المفكر والفيلسوف التغييري ومشروعه النهضوي، حاجة، مؤكدين، أنها حاجة إلى (س) انطون سعاده تطلبها منطق تاريخ الأمة السورية الحديث، التاريخ الذي يصوغ الأسئلة، ثم يصوغ أجوبتها. فالتاريخ هنا ومن ضمن هذه الحاجة يشرحه سعاده في مقالتين فلسفيتين مقالة المجتمع والمجموع، ونظرة سعاده إلى الإنسان في العام قائلاً: (1) الحق والخير والجمال والحقيقة هي قيم اجتماعية، متحدية، لا قيم فردية. لا الكثرة ولا القلة تقرر الحق وتفرضه فرضاً. (2) الحق ليس فردياً ولا عددياً. إن الحق يظل قائماً ما ظلَّ المتحد قائماً. (3) الحق قد يبتدئ بفرد وقد يبتدئ بعدد قليل ضئيل وقد يبتدئ بعدد كثير. ولكن شرط الحق في الإنسانية ليكون حقاً.. أن لا يختزنه العدد الفردي أو المجموعي في نطاقه الخاص فيفنىفيه. أن لا يكون حقاً عددياً بل حقاً اجتماعياً لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به العدد بل يمتد في المجتمع بلا حدود ـ في المتحد نفسه في تعاقب أجياله ـ مبدعاً ـ الإنسان المجتمع، إنسان فلسفة الكليات حسب سعاده. شروح في العقيدة ص171 ـ 164. إذاً ـ وفق سعاده ـ لابد للحق والخير والجمال والحقيقة، من الوجهة الإنشائية البنائية، أن تبدأ بفرد ولكن لابد لها من أن تمتد في كل النسيج الاجتماعي للأمة بكافة مكوناته التي انصهرت فيه لتصبح تعبيراً حياً عن حاجتها الموضوعية في التغيير المجتمعي ـ الاجتماعي المطلوب تاريخياً، وإلا فقدت قيمتها الإنشائية. إذاً لابد من نواة مجتمعية، بفرد أو مجموعة، كحامل مجتمعي، بدأ هنا بسعادة الفرد وانتقل به إلى طرح قضية مفهوم دولة الأمة السورية عبر شبكة حيوية مجسدة ـ بمؤسسات جديدة ـ تصهر الأفراد وتنسق الجهود وتضبط القوى في كائن حي، هو كل متكامل متفاعل ومتجانس، نطلق عليه (الإنسان المجتمع)، المتحدي مجتمعياً، كوحدة في الفكر والإدارة المؤسساتية المتنوعة الأنشطة الاجتماعية المدنيّة. إنها (دولة الوحدة العضوية) لنظام ثقافة فكر عقيدته القومية الاجتماعية، ونظام ثقافة فكر مؤسساته، المنشأة بالتطور والارتقاء الفكري العصري للحق السوري الممتد مجتمعياً في النسيج الشعبي لساحة أمة سورية الطبيعية، بآلية الكتلة التاريخية السورية المعاصرة والمكثفة مجتمعياً، بآلية فعل وحركية الدولة الشعب السوري القومية الاجتماعية، التي هي علمياً ـ المظهر السياسي ـ المجتمعي لتجدد هذه البنية الشعبية.

فلسفة آليات النشوء، أو الإنتاج التاريخي للأمة السورية ـ المتجددة إن تبنّي فكرة القومية الاجتماعية التي جاء بها انطون سعادة بأصعدتها التفسيرية، والمعيارية التغييرية، المنتمية من الوجهة التاريخية العالمية الحديثة إلى المدرسة الاجتماعية التركيبية تدفعنا بالمحصلة إلى تنكب مهمة إلقاء أضواء على فلسفة نشوء هذا الفكر التنويري الحداثي، والراهني، في خطوطها أو ملامحها العريضة، حيث شكلت ـ ثورة معرفية ـ في ساحة العمل الفكري والسياسي، سورياً وعربياً وعالمياً، مثبتة ـ قطعها المعرفي ـ في حركيتها التغييرية بما تضمنته أركانها النظرية، من فلسفية واجتماعية وسياسية، موحدة في محورية علاقة جدلية أركانها، باتجاه مهمة كشف حقيقة تاريخية ـ وانتربولوجية، لأمة أُسّ وأم الحضارات والمدنيات البشرية، حقيقة وجود ـ الأمة السورية ـ أمة شمس حضارات الأمم، التي تم التعبير عنها بمشروع انطون سعاده، تكثيفاً بظاهرة الدولة السورية القومية الاجتماعية، المجددة لهذه الأمة. إن مفهوم دولة الأمة السورية الجديدة يستند إلى جملة من الحقائق تعبيرياً، وفاقاً للأسس الإنشائية لفلسفة (الفكرة والحركة)، فكرة معبرة عن أساسه العقائدي المجتمعي لسورية الجديدة، وحركته المعبرة عن فلسفة نظام ثقافة مؤسساته والتي مهمتها الاستراتيجية والخطيرة تجسيد فلسفة نظام ثقافة عقيدة هذه الدولة ونهجها في الإدارة والسياسة والحزب، كنقطة ضوء انتشارية في ساحة النسيج الشعبي لسورية الجغرافية ـ التاريخية وهذا الأمر هو ما أشار إلى أهميته الاستراتيجية سعاده في خطابه في الأول من آذار عام 1938 معلناً: بعد أن وضعت مبادئ القضية القومية التي هي مصدر جلاء الأفكار ووحدة العقيدة والاتجاه، وأوقفت الاختلاطات السياسية الدينية في المسائل القومية من الوجهة النظرية، شرعت في إيجاد الوسائل العملية لتحقيق القضية القومية.. وتمكنت من العودة إلى الاهتمام بأهم عمل أساسي بعد تأسيس القضية القومية، ألا وهو إيجاد المؤسسات الصالحة لحمل مبادئ الحياة الجديدة وحفظ مطاليبها العليا وخططها الأساسية، فأعدت المؤسسات التي أنشأتها قبل انكشاف أمر الحزب وزدت عليها مؤسسات لجان المديريات الاستشارية ومجالس المنفذيات والمكتب السياسي وشعبه السياسية، وفسحت بهذا العمل المجال أمام الكفاءات السورية القومية للقيام بالأعمال المؤهلة بصورة نظامية وهنالك طائفة من المؤسسات الصغرى الإذاعية والثقافية هي الآن في دور التأسيس ومتى استكملت تأسيسها كانت جهازاً دقيقاً عظيم الفاعلية. وإن إنشاء المؤسسات ووضع التشريع هو أعظم أعمالي بعد تأسيس القضية القومية لأن المؤسسات هي التي تحفظ وحدة الاتجاه ووحدة العمل وهي الضامن الوحيد لاستمرار السياسة والاستفادة من الاختبارات. (كتاب أول آذار ص32 + 47 + 48 ـ طبعة 1956). من جهة ـ فكرة عقيدة القضية القومية ـ فقد اجتهد سعاده بكل ما تعني هذه الكلمة مع معنى لإرساء هذا الفكر العملي إلى الحقائق العلمية الحديثة والمعاصرة لزمانه، خاصة منها مرجعيته العلمية المحورية، (كتابه نشوء الأمم)، المتضمن نظرته العامة في علم الاجتماع البشري أو بالأحرى مذهبه العلمي في الاجتماع البشري في العام 1937، مع ملاحظة أنه قدم لهذا الكتاب يبحث عبر مقالتين في أيار وحزيران العام 1933 تحت عنوان: (معنى الأمة وصفتها). لقد اشتمل إنتاج سعادة (الفكري ـ النظري) على قيامه بتفسير واقع عالم الاجتماع الإنساني وسياقه التاريخي العام في كتابه الأول ـ نشوء الأمم ـ ثم عالم واقع مجتمع أمته السورية التاريخي الانتروبولوجي، وسياقها العام في كتابه الثاني (نشوء الأمة السورية) الذي صادرت الدوائر الاستعمارية الفرنسية في حينه مسوداته ولم تفرج عنها إلى الآن. وبالاستناد إلى هذين الكتابين (العام والخاص) صاغ سعادة كتابه الهام في العقيدة السورية القومية الاجتماعية، الذي شكل بدوره كإنتاج ثالث، الأساس المعرفي ـ النظري، لفكره العلمي التاريخي والانتروبولوجي والاجتماعي، فظهر في العام 1948 بعنوان (المحاضرات العشر، والذي مهد له سابقاً في العام 1932 بكتيب مبادئ الحزب، فقبض من خلالهما على فلسفة فهم حركية تغيير واقع أمته السورية، وجبهة حوض عروبتها، من خلال عملية التملك الإدراكي المعرفي الإنسانية ـ المجتمعية ـ القومية ـ وسياق سيرورتها التاريخية الخاصة، بمعنى امتلاكه لمعرفة تاريخية التكوين المجتمعي السوري، آيلاً من هذه المعرفة إلى إنجاح مشروع هذا التغيير، بواسطة تأسيس الوعي المعرفي التاريخي المرتبط جدلياً بحركية الصراع الجديد للأمة السورية المتجددة، والمتكون وعيها الجديد في دولة الأمة السورية الجديدة ـ تكثيفاً شعبياً ـ (كفكرة وحركة) التي هي الهيئة الاجتماعية الوضاحة التي تحقق في نسيجها الاجتماعي وعي الحقيقة التاريخية السورية ونظرتها إلى الحياة والكون والفن. أي وعي نظام مجرى وجودها الحضاري الأساسي، التاريخي العام والخاص بالحياة القومية السورية قديماً، وحديثاً، بحيث تصبح قوة فاعلة تعمل وتنشئ وترتقي وتخلق، بالممارسة الحية لأعضاء هذه الدولة في واقع الأحداث السورية والعربية والدولية، ممارسة الوحدة العضوية لجدلية نظام ثقافة العقيدة والمؤسسات، نظام الثقافة المتحدية الواحدية لدولتها، آليات عقلها، عقل معرفة للفكر والمؤسسات، أي نظام ثقافتهما ـ نظام الثقافة القومية الاجتماعية. وفي العام 1947 في 28 ديسمبر وتأكيداً منه على العلاقة الجدلية العضوية بين إنتاجه للعقيدة القومية الاجتماعية المجددة للحياة السورية، وبين المؤسسات الجديدة المناسبة لها، المتنكبة حمل أعباء الحياة السورية الجديدة في خط ونهج مناقض لمجرى المؤسسات العتيقة والرثة، يعلن سعادة: [إن الحزب السوري القومي قد جاء إلى الأمة بالمبادئ المعبرة عن شخصيتها ومزاياها، والقواعد الموحدة مصالحها الداخلية الاجتماعية والاقتصادية ووضع لها أساس السياسة القومية الذي يجب أن يحل محل السياسة الشخصية القائمة عليه الأشكال السياسية الحاضرة المتصدعة. وجاءها أيضاً ـ وهنا بيت القصيد عند سعادة الإنشائي ـ بالمؤسسات القومية العديدة، لتحل محل المؤسسات التقليدية العتيقة، التي هي المؤسسات الدينية والإقطاعية والعشائرية أو العائلية ـ هي مؤسسات لا تصلح لمطالب الحياة القومية.] إن آليات إنتاج ونشوء الأعمال الإنشائية الفكرية والمؤسساتية عند سعادة، تستند إلى مخطط مشروعه النهضوي، المتمركزة في فلسفة مرجعياته المبدئية التي عرضها في العام 1948، في سياق شرحه الموسع والمستفيض لخطابه المنهاجي الأول المعلن في العام 1935 وفق ما يلي: [النظام في عرفنا، ليس مجرد تنظيم دوائر وصفوف. النظام شيء عميق جداً في الحياة، بل هو نظام الفكر والنهج، ثم نظام الاشكال التي تحقق الفكر والنهج. وبالانتقال إلى النواحي التطبيقية ـ نصل إلى هذه النقطة، إن الحزب هو النظام الذي لا بد منه لتكييف حياتنا القومية الجديدة ولصون هذه النهضة العجيبة التي ستغير وجه التاريخ في الشرق الأدنى ـ المحاضرات العشر ص40.] وفي شرحه الموسع لهذه النقطة نتابع معه في نفس المصدر عينه ما يلي: [.. إننا نفكر في أن الأشكال التي تعرقل تقدمنا وتمنعنا من التقدم نحو حياة أفضل يجب أن تزول ويقام محلها نظام جديد فيه التعبير الصحيح عن مصالحنا القومية وعن إرادتنا المجتمعية ص166. البعث القومي، هو محور اهتمام الحزب، ويتضمن ـ تأسيس فكرة الأمة وتأمين حياة الأمة السورية وسائل تقدمها وتجهيزها بقوة الاتحاد المتين والتعاون القومي الصحيح وإقامة نظام قومي اجتماعي جديد للحياة يجعل الحياة أرقى وأفضل وأجمل. ص166 ـ 167.] (وإنشاء تقاليد جديدة ترسخ فيها نظرتنا الجديدة إلى الحياة ومذهبنا القومي الاجتماعي.. نحن نقول بتعطيل تقاليد تحجر حياة المجتمع وتمنعها من التطور والارتقاء ـ تحطيم قوة التقاليد الرثة وتحرير الأمة من قيود الخمول والسكون ـ نحو أفضل المثل العليا وأجملها، وإشادة تقاليد جديدة تحل محلها وتكون مسهلة تطور الحياة وارتقاءها من حياة جديدة فيها العز والكرامة والخير والمجد ـ ص170 + 171). وارتكازاً لمضمون هذا النص أنشأ سعادة آليات الإحياء القومي والاجتماعي لأمة سورية متجددة، فأنتجت المبادئ الأساسية الثمانية، مؤسسة لوعي مركزي بهوية الانتماء للشخصية المجتمعية القومية السورية أرضاً وشعباً، والتي تحمل بأليات جدلية ممارستها، وعياً واقعياً بالحقوق التاريخية والسياسية والاستقلالية لقرار السياسي ـ القومي المتعلق بسيادة المجتمع السوري ودولته على كامل التراب القومي السوري، وهو ما عبر عنه بشق عقيدة وحدة الاتجاه القومي. أما الشق الثاني فهو أليات الإحياء الاجتماعي، المعبرة عن النظام القومي الاجتماعي، أي العقيدة الاجتماعية لدولة الأمة السورية الجديدة، فأنتجت المبادئ العلمانية الثلاثة [تفصل الدين عن الدولة، ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب]، من رحم المبدأ الأساسي القومي السادس [الأمة السورية مجتمع واحد] وهذا مفصل إنشائي أولي مهم. وفي السياق عينه أنتج المبدأ الاجتماعي الرابع المختص بالتغيير الاقتصادي ـ المادي من رحم المبدأ الأساسي القومي الخامس المحدد لهوية الأرض السورية التاريخية ومواردها الطبيعية، وهذا مفصل إنشائي ثاني مهم أيضاً، فنص على [إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة] وهو ما يؤسس برؤية سعادة الإنشائية إلى [إيجاد التوازن الصحي بين توزيع العمل وتوزيع الثروة]. واستكمالاً في متابعة إنشائه للعقيدة الاجتماعية، توّجها بمبدأ القوة المادية / السكرية، الحامية والحافظة للأمة ودولتها، فنص المبدأ الإصلاحي الخامس على [إعداد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن] لأن سعادة يرى أن [فضائل الجندية هي معالم أساسية للدولة]. ولأن [الحق القومي لا يكون حقاً في معترك الأمم إلا بمقدار ما يدعمه من قوة الأمة. فالقوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره]. من كل ما تقدم، نلحظ أن فلسفة آليات المضمون الإنشائي للعقيدة القومية الاجتماعية المعبر عنها ـ بمشروع سعادة النهضوي ـ في شق الفكرة ـ أنها فلسفة إنشائية مترابطة بعلاقة جدلية بين أسسها القومية التاريخية والانتروبولوجية، وأسسها الاجتماعية، المعبرة بشموليتها عن علاقة الوحدة العضوية الناقضة والمغيرة لطبيعة التكوين السوري القروسطي المتأخر والمتخلف والمخلف في آن معاً إلى حالة نهضوية تنموية ـ تقدمية ـ إلى الأمام، معبرة بلوحتها الفكرية الجديدة عن جوهر النظرة السورية الجديدة للحياة والكون والفن، ومحققة بوعي مضامينها، [إيجاد موصل الاستمرار الفلسفي التاريخي بين قديم النفس السورية الحضارية وجديدها القومي الاجتماعي]. طالع [كتاب سعادة ـ الصراع الفكري في الأدب السوري ـ فصل القسم الثاني من الظلمة إلى النور + فصل طريق الفكر السوري]. وفي بشامون يكثف سعادة نهجه هذا بالأطروحة التالية: (نحن نبني أنفسنا حياة وحقاً، نبني أنفسنا زحفاً وقتالاً في سبيل قضية واحدة هي قضية أمة لا قضية أشخاص)، مراحل المسألة الفلسطينية ص166 طبعة 1977.) ختاماً نشير إلى رؤيته الاستراتيجية ـ العملية ـ الصراعية الجديدة في أطروحته لمشروع منظمة دولة الأمة السورية الجديدة معلناً أنه: (.. لم يرم قط إلى إنشاء كتلة عقائدية متحجرة، بل إلى منظمة عقائدية تفعل إرادة وسياسة وحزباً، لتحقيق غايته، ودستور الحزب وتشكيلاته كلها تدل على اتجاهه العملي مع تأمين أساسه العقائدي ـ رسالته لغسان تويني في تموز 1946). وحول النوعية الاختصاصية المؤسساتية، لفلسفة عمل الأجهزة، نشير إلى فقرة من جملة توجيهاته إلى وكيل عميد الإذاعة في آب 1948: (.. وأعني بلفظة سياسي كل ما يمس قضية من القضايا العقائدية أو العملية للحزب.. إن الجهاز الإذاعي شديد الاتصال بجميع القضايا السياسية.. لأنه الجهاز المخصص للتعبير عن سياسة الحزب وشرحها وشرح موقف الحزب من جميع القضايا السياسية والروحية، إذاعياً، ومن وجهة نظر الحزب). كتاب الرسائل ـ الجزء 3 ص865 ـ 869.