جولييت المير سعاده...دخلت السجن المظلم وهي تحلم بالشمس الساطعة..

العدد 3 - أيلول 2005 : يوسف عادلة
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 
في العام 1938م ومن قبل.. تراكمت المآسي على إنسان عالمنا العربي من فعل الحرب التي سببت المجاعة وما تركته من أثر على الوطن وعلى ساكنيه من تفشي الأمراض وازدياد عدد الجائعين المحرومين من معيل العائلة.

كيف ولم لا؟ والمستعمر كان يبحث عن كل قادر على حمل السلاح والخدمة في العمل الحربي، يأخذهم أفواجاً ليحاربوا نيابة عنه ضد عدوه الذي هو مستعمر آخر. فالإنكليز جيَّشوا من جيَّشوه ضد الفرنسيين والفرنسيين جيَّشوا من جيَّشوه للقتال ضد البريطانيين ومثلهما فعل الإيطالي وغيره.. والكل قصد المنطقة العربية لسف وغرف ما فيها من ثروات وخيرات طوَّر حياته بواسطتها.. وأبقانا على ما نحن عليه نصبح ونمسي!!

طبعاً بقي إنسان العالم العربي يعاني من الفقر والإفقار ومن تفشي الأمراض وازدياد عدد الجائعين والمجوَّعين.. أمام هكذا واقع وبفضله ارتحلت عام 1938م وقبله عائلات كثيرة وكثيرة إلى الأرجنتين وسواها.. من بينها عائلة كاتبة المذكرات جولييت المير وقد بدأت كتابة مذكراتها بتعريف القارئ على تكوين أو تكوُّن شخصيتها وهي العارفة بحقيقة نفسها وطبيعة تكوينها على صعيد قضية وطنها ـ سورية قبل تجزئة المستعمر ـ المستثمر.. لها كما هي في واقع الحال والأحوال!! تقول:

لم تكن لي قضية وطن حر، وطني سورية بحوزة متآمرين مستعمرين منذ زمن بعيد، كثيرة هي الأسباب خارج إرادتنا وبإرادتنا، خارج إرادتنا بسبب المطامع الأجنبية وبإرادتنا بسبب الجهل (ص 52) وعلى صعيد وعيها لحقيقة نفسها تقول:

ـ طبيعتي ومزاجي كانا عاملين كبيرين في تكوين شخصيتي. كنت أنفر من الأنانية ومن السطحية ومن الاستهتار والاستهزاء وعندما أُلاحظ أن الجمع حولي يستهتر بشعور غيره أنفر وأنعزل، والاستهزاء كان بالنسبة إليّ من علامات الضعف الشخصي فأنفر منه والأنانية تجرحني بعمق.

من خلال هذا الوعي أو الإدراك لحقيقة ذاتها وللمحيط الاجتماعي المحيط بها ـ في الأرجنتين ـ سواء في البيت أو البيئة الاجتماعية العامة ـ حيث عملت ممرضة في أحد المستشفيات.. تقول:

ـ قررت أن أُهذِّب نفسي وأن أكتسب درساً من كل ما أجده في هذا المحيط الجديد الذي قدَّرت حسناته وعرفت سيئاته فعكفت على عملي كممرضة بكل قوّتي وخبرتي وصبري ورحت أقطف ثمار هذه الجهود نفسياً ومعنوياً، إذ أصبحت محطَّ ثقة واحترام جميع الأطباء والموظفين. (ص 50)

كان عملها لسان حالها، لقد كانت صموتة، قليلة الكلام ليست من الثرثارات.. وراحت تعمل بصمت وتترك لعملها أن يكون لسان حالها الناطق.. وفعلاً كما تقول:

ـ خلال 3 سنوات أخذتُ أُعوِّض ما فقدته من تعبير نفسي عن طريق هذا العمل الإنساني لينعكس عليَّ بالثقة والتشجيع وابتدأت أشعر بأنني سيدة نفسي في العمل والقول والاختيار.. وكنت سعيدة بذلك، فمن هنا ينطلق الفرد حسب نفسه صعوداً أو نزولاً، حقيقة نفسي كانت تخطُّ لي الطريق كي أسير عليه.(ص53)

وبعد.. هذه ملامح بدايات تكوُّن وتكوين شخصية الفرد ـ ابن البيئة الاجتماعية ـ سلَّطت ـ الكاتبة ـ عليها الضوء وأخرجتها من أعماق ذاتها وهي الفتاة الشابة المغتربة مع أسرتها في الأرجنتين حيث هاجرت أو هُجِّرت إليها هرباً من الحرب وويلاتها التي كانت حاطَّة رحالها في سورية وما حولها وكانت الحرب العالمية الأولى هي بداية تنفيذ ما ورثته الأجيال اللاحقة من تقسيم الأمة إلى عدة كيانات متباعدة ـ متباغضة لا تستقر على حال.. داخل حدود هشة وضعها المستعمر ـ المستثمر فيما بينها من أجل إفقارنا ويظل هو الغني والمستغني.. إن الاستيطان الذي ابتليت فيه الأمة هو نتيجة أسباب كثيرة، بعضها خارج إرادتنا وبعضها بإرادتنا، وهنا تكمن معضلة الداء الذي نشكو منه ونبحث عند الآخرين عن دواء ناجع شافٍ له!!

هذه بعض الملاحظات الأوليَّة خلصت بها بعد قراءتي لمذكرات ـ جولييت المير ـ الفتاة الشابة في بلاد الاغتراب ـ الأرجنتين ـ والعائدة للوطن مع سعاده زوجةً وأُماً لبناتها.. وعبر رحلة حياتها ظلت وفيَّة أمينة للرسالة التي نذرت نفسها لها.. لقد كتبت مذكراتها لتكون عبرة لمن يعتبر من بنات بلادي ـ بشكل خاص ـ فكم هُنَّ بحاجة للقدوة في تحمُّل الصعاب من أجل تحقيق شخصية تعرف ألف وباء والحياة.. وأول ما يجب فعله ووعيه معرفة الأنثى لنفسها وسعيها لتحقيق ما تريده هي ـ بقناعتها ـ لا ما يريده لها الغير.. وإزاء ذلك عليها تحمّل ما تلقاه من مكابدة وعناء إذ أن في ذلك الأبجدية الأولى لتحقيق الذات وتأكيدها حقيقة ـ لا حلم يقظة ـ ثم لبناء الأسرة الواعية التي تعطي للوطن أبناء ـ من كلا الجنسين ـ جديرين بتحقيق وطن حر منيع على الأجنبي والدخيل.. وهذا ما سعت لتحقيقه كاتبة المذكرات وتحمَّلت من أجل تأكيدها لذاتها الكثير من العذاب وتجرَّعت مرارة العذاب والألم المرِّ، خاصة في السجن الذي فتحت أبوابه المغلقة لتُطلع القارئ على ما تحويه جدرانه ـ القليلة المساحة أو الأكثر سعة واتساعاً.

والأهم منذ ذلك أنها دخلت السجن لتجد نفسها مُحاطةً بفوضى عمياء مع توالي الأيام استطاعت بالتوعية أن تكسب ثقة السجينات وتصبح مسموعة الكلمة.. تُبدي رأياً فيُطاع وتقول فكرة إصلاحية فتُتَّبع بشكل طوعي وبذلك استطاعت بما ملكته من قدرة عن الإقناع والتحمُّل أن تحوِّل ـ القاووش ـ إلى صف يُنَفَّذُ فيه (الواجب) اليومي من قبل السجينات بكل حذافير (النظام) وبذلك أصبحت مرشدة اجتماعية بدَّدت من ذات كل سجينة بعض ما فيها من عتم الجهل والتجهيل وفرض قناعات العرف والعادة..

و.. بالرغم من أنتها بدأت المذكرات بنفسها هي كفتاة إلا أنها أضاءت على حياتها كزوجة لرجل مفكر نابه ـ سعاده ـ واضع النظرية المدرحية. فعرفت ما يجب أن تؤديه من واجب الحرص على ديمومة عطائه سواء في البيت أو خلال تواريه عن أنظار رجال السلطة ومتابعاته المستمرة في كل الحالات والأحوال لتنفيذ برنامج يومي يحرص على تنفيذه بنظام دقيق فكانت لذلك هي الأمينة الأولى للمؤسس والأم لبناتها صفية وأليسار ثم لراغدة. لقد أعطت في كل مراحل عملها وعمرها.. عطاء أصبحت بفضله مثالاً وقدوة!!

جولييت المير دخلت السجن المظلم لتفتح أبوابه لشمس المعرفة