العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

الإنسان المقدس نفسه

الدكتور ميشال سبع
السبت 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 
New Page 2

ارتبطت علاقة الإنسان بالمقدس بخوف منه ورجاء إليه، وأسبغ الإنسان على هذا المقدس صفات، له بعضها، ويحلم ببعضها الآخر، فالقوة موجودة عند الإنسان، لكنها خارقة عند الله، هو الجبار. والإنسان يريد العدالة، ولكن العادل الأكبر هو الله، والإنسان يتمنى الرحمة، والله هو الرحوم العطوف، لكن الإنسان يموت، وهو يتمنى عدم الموت، لذا كان الله خالداً لا يموت.

الله هذا، موجود، وقد لا يكون وجوده يطرح إشكاليةً لولا وجود الإنسان، ولولا موت الإنسان تحديداً، فوجود الإنسان يعني فكره، والفكر يعني السؤال والبحث عن جواب0 والموت، استلاب عن الآخرين، عن الحياة، وهو السؤال الأكبر،00 والجواب هو في الإيمان باللقاء مع الله.

هذه العلاقة بين الإنسان والله أخذت قدسيتها من كون أحد الطرفين مقدساً وهو الله، وكون الله خلق الإنسان، فالإنسان كونه خرج من مقدس فهو مقدس0 وما دام الإنسان في علاقة مع الله فهو مقدس دوماً، ولا يخرج من قدسيته إلا عندما ينفصل عن الله، فيجعل من نفسه إله نفسه، عندها يحتاج إلى أتباع ليقدسوه.

في البدء، ولأن علاقة الإنسان بالله  محكومةً بالخوف، كان الإنسان بالكاد يتمكن من لفظ اسمه، لا بل اكتفى بأن يقول إن الله هو الموجود في المجهول، وكان يكتفي أن يطلب هو من الله حاجاته0 لكنه، عندما تعاطى التجارة التبادلية تساءل مع ذاته، أوليس الله هو آخر، أوليس الآخر يبادل شيئاً بشيء، أنا أطلب من الله، ولكن ألا يطلب الله شيئاً مني بالمقابل، وإذا كان يطلب فكيف لي أن أعرف ما يطلب.

ولأن الإنسان لم يكن يعرف ما يريد الله، راح يقدم له بواكير ما ينتج، وما يتوافر لديه، فذبح الخراف والتيوس، قدّم الأثمار، قدّم الأبقار، قدّم البخور واللبان، كان يريد أن يظهر لهذا الإله خوفه، منه وامتنانه له، لكن الحلم ظل في نفسه، هو أن يعرف الوسيلة للتخاطب مع الله.

لقد لعب الساحر والكاهن دوراً كبيراً في تقديم الارتياح للإنسان، من خلال ما يقوله الساحر والكاهن له، لقد أيقن الإنسان أن لهذا الفرد قوة تتخطاه، وهي كفيلة بالتواصل مع الله، قد لا يكون مؤمناً بهذه المقدرة، لكن الإيمان بها يريحه، ويستطيع من خلالها أن يبعد غضب الله عنه، أو يسترضي رضاه، وقد قام الساحر والكاهن بهذا الدور بشكل ممتاز، خصوصاً بعدما استطاع أن يستعين بالأعشاب والألعاب من أجل تقديم الشفاءات أو التنبؤات، أو السيطرة على بعض القوى بقدرات خارقة للإنسان العادي.

لقد تحول هذا الساحر ـ الكاهن إلى صفة يتوارثها الأبناء عن الآباء، حتى صارت محصورة ضمن عائلة وعشيرة، ومن ثم صارت مؤسسة قائمة بذاتها.

المؤسسة الدينية هذه كانت تتجدد مع كل زعيم يأخذ شكل النبوءة، أو الوحي، أو الإلهام أو التجسد، وبالتالي كانت المؤسسة الجديدة مضطرة أن تنسف القديمة، أو تشكك في شرعيتها حتى تتمكن من الزعامة والسيطرة.

الإنسان كان يتحول بإيمانياته من مؤسسة إلى أخرى طبقاً لسببين: الأول، هو إيمانه بأن الجديد يرد على طموحاته الإيمانية أكثر، ويلبي حاجاته وتطلعاته، والثاني، خوفه من الجديد، خصوصاً إذا كان هذا الجديد يعتمد على قوة مسلحة لإثبات وجوده وكيانه.

الخوف والمصلحة هما القطبان اللذان رافقا الإنسان في علاقته بالمقدس. وهذان القطبان يخفيان رغبة الإنسان في تقديس نفسه والحفاظ عليه، فالخوف هو على نفسه وحياته، وما بعد حياته أيضاً، والمصلحة، هي في استمرارية وجوده بالشكل الأفضل في حياته، وما بعد حياته أيضاً. أي رغبته في استمرار الوجود بالشكل الأفضل، واستمرار الخلود بالشكل الأفضل.

من هنا، لا مقدس إلا الإنسان نفسه، وتكفي قناعته أن المقدس الأول، الذي هو الله، قد خلقه على صورته ومثاله، حتى يرفع ذاته إلى مرتبة المقدس، وهذه المعادلة بين المقدس الذي أوجده، وبين ذاته المقدسة لأنها خارجة من مقدس ليس إلا تعبيراً وحيداً لإثبات ذاته المقدسة.

إن الديانات السماوية لعبت تماماً هذا الدور، فالديانة اليهودية انتمت إلى موسى، ودعيت بالموسوية، حيث موسى كليم الله، أي تحدث معه، التقى به، وأتباعه هم أتباع الله الذي انتقاهم بوساطة كليم وتبعوا وصاياه من خلال موسى، إنهم مقدسون لأن علاقتهم بالمقدس مباشرة من خلال كليمه موسى..

الديانة الإسلامية انتمت إلى محمد فدعيت بالمحمدية، وهو أيضاً ذو علاقة عمودية مع الله، أوصى له في غار حراء، أنطقه الله بما يريد، انتقى شعبه من خلاله، صنع من القبائل أمة كانت خير أمة أخرجت للناس، أعطاهم خيرات الدنيا، ووعدهم بجنات الآخرة، حقق لهم وجودهم وخلودهم.

الديانة المسيحية ذهبت إلى حد التطرف، المسيح لم يكتفِ بأن يكون كليم الله ولا الموصى له، بل تجاوز ذلك إلى أن يكون هو الإله نفسه، ابنه، في ذات الوقت، متجسد على شكل مبشّر، تحدث مع الناس، لمسهم، أكل معهم، ومات مثلهم، لكنه في الوقت ذاته لم يترك قدراته الإلهية، شفى مرضاهم، أقام موتاهم، ومن ثم أقام نفسه من الموت منتصراً على كل ضعف بشري، واعداً إياهم بالسماء، حيث لا وجع ولا حزن، بل راحة دائمة. لقد حقق أيضاً كل ما يصبو إليه البشر من حياة في الدنيا والآخرة.

الإنسان الذي يبحث عن المقدس في ذاته، يريد في النهاية تقديس ذاته، لا بل إعلان هذه القداسة لنفسه كي يطمئن ويريح نفسه.

في. النهاية المقدس للإنسان هو الإنسان،.. ونقطة على السطر0