العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

حرب الجنوبين أم حرب المشرقين ؟

فايز فارس
السبت 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

تعلمنا في كتب التاريخ أنّ الولايات المتحدة الأميركية هي وطن الحريات، وأنّ تمثالاً ضخماً يحرس المدخل الشرقي لأهم مدنها، وأنّ تمثال الحرية هذا هو هدية من فرنسا، بلد الثورة التي دكّت عروش أوروبا، واضعة حداً لسلطة مؤسسة دينية كنسية دامت أكثر من عشرة قرون.

كتب التاريخ في فرنسا وبريطانيا، وغيرهما من الدول الأوروبية، مليئة بالاعترافات، إقراراً بما ارتكبته حكوماتها من أخطاء تاريخية في حق شعوبها وشعوب العالم التي استعمرتها، بينما المجتمع الأميركي نشأ وقام وعاش على مجموعة أكاذيب كبرى، ومفاهيم وادعاءات فارغة يصعب تقبلها، أو القبول بها. والأمثلة كثيرة، مسرحها بلاد العالم بأكمله، من أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، إلى آسيا، مروراً بالقارة الأفريقية، وانتهاء بأوروبا الشرقية.

إني أبحث عن تجربة واحدة تؤكد لي نجاح الولايات المتحدة الأميركية في تطبيقها لمخططها القاضي بنشر مفاهيم الحرية بين الشعوب، ودعم سيادة واستقلال دولها. هي نجحت فقط في إقناع شعوب الأرض بتناول مأكولاتها السريعة، ومشروباتها الغازية السامة، وارتداء الجينز، والاعتماد على الإنترنت، كمصدر أساسي، حتى لا نقول أوحد في التحصيل العلمي واكتساب المعرفة، بسرعة قياسية، وبأسلوب سطحي. أهم إنجازات أميركا الوهمية التي صدّقها العالم الحرّ كان سقوط الامبراطورية السوفياتية، مع العلم أنّ أغلبية الأبحاث الجديّة والدراسات العلمية الرصينة تؤكد أنّ النظام السوفياتي انهار من تلقائه، بسبب فشله في المحافظة على مكتسباته، مثله مثل كل المشاريع الإمبراطورية.

وتحاول هذه الولايات المتحدة الأميركية، جاهدة منذ سنوات، تحقيق مشروع ما في هذا الشرق الأوسط الكبير، بأساليب غامضة عندما لا تكون عبثية، أو ملتوية، إلى درجة جعلتنا نترحم على ممارسات الاستعمارين التركي والأوروبي لبلادنا.

نعم! نجحت أميركا في إنقاذ أفغانستان من الهيمنة السوفياتية، بواسطة صنيعتها حركة طالبان، لتبيعها بعد سنوات بأبخس الأثمان، وترمي بشعوب هذا البلد في أتون النزاعات القبلية. ونجحت في تحرير العراق من نظام كانت دعمته مع حلفائها الأوروبيين على مدى عقود، ودفعته إلى خوض حربين مجانيتين ضد إيران، واجتياح لبلد عربي جار عزيز. ونجحت في تحطيم منظمة التحرير الفلسطينية، بعدما جردتها من كل رصيدها النضالي البطولي، دمرت صورة رئيسها، بعدما أغرقته في وحول الوعود الكاذبة. ولم تكتف هذه لأميركا بإطلاق حروب على خلفية صراع الحضارتين الشرقية والغربية، بل نجحت في إشعال حرب المشرقين.

من هنا يحق لنا، لا بل يجدر بنا، كلبنانيين، أن نسأل قادة أميركا والعالم الحرّ : ما هو مضمون المشروع الذي تعدونه لنا، مع العلم أننا شعب خضع لأربعين سنة من الضغوط الدولية والإقليمية، كما تعرّض لسلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، إضافة إلى الحروب المتعددة الأشكال والألوان، التي خضناها ضد الآخرين، وضد بعضنا البعض ؟

آخر الكلام: يبدو أنّ هذه الحرب الحقيقية التي يخوضها اللبنانيون، لأول مرّة ضد أعداء حقيقيين قد أنتجت أيضاً لأول مرّة، وحدة وطنية حقيقية، وعلى المستويين الرسمي والشعبي، فطهّرتنا من حروبنا الأهلية السيئة الذكر. هي حرب تحرير قومية شعبية تجري على أرض لبنان، لتعانق ثورة تحرّر قومية شعبية على أرض فلسطين، هذه التي اعتدنا على تسميتها انتفاضة، رغم مرور سنوات على انطلاقتها.