العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

العنصر البشري /الأسلاف - سومريون - أكاديون - أموريون - كنعانيون - آراميون - عرب

الدكتور فيصل عبد الله
السبت 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

إن الحد الفاصل بين ما قبل التاريخ والتاريخ هو ظهور الكتابة، دون شك. وإذا كانت أقدم الرموز التصويرية، الكتابة، ربما تعود إلى منتصف الألف الرابع، وقد وجدت في حوض الفرات الأسفل - إقليم سومر - وأخرى في الشمال إثر حفريات جديدة في جبل عرودة قرب مسكنة - إيمار القديمة، فإن أقدم كتابة سومرية مقروءة لا تُؤرخ أبعد من القرن الثلاثين ق.م. واعتباراً من القرن الثامن والعشرين (ق.م) نستطيع أن نستشف من خلال النصوص عوامل التطور الاقتصادي التي كانت سائدة في فترة ما قبل التاريخ. ونستطيع الآن أن نتحدث عن السكان من خلال نصوصهم، وبالتالي معرفة لغاتهم وهوياتهم الحضارية في منطقة مفتوحة على العالم القديم.

لما الاستقرار؟

إن عوامل التحضر والاستقرار التي ظهرت لنا جلية واضحة في فترة في الحضارة، أو ما قبل التاريخ، بعيدة عن أن تكون قد انتهت، وهي ما تزال قائمة في بلادنا حتى هذا اليوم.

يعيش البدو على الحدود القريبة من وديان الأنهار الكبرى، في منطقة رعوية تسمى البادية وليست الصحراء. وهنا، فإن الطبيعة لا تقدم عوامل الاستقرار، ولكنها تقدم قسماً منها على الأقل. قليل من الأمطار، وإن قلت عن 100مم سنوياً، فإنها تحيل الأرض إلى مراع تسرح فيها الأغنام وأصحابها، وقليل من ماء الينابيع، أو الواحات، تكفي في أيام ربيع جميل. ولكن الأمر ليس دائماً هكذا، فقد تمر سنوات عجاف، فلا ماء ولا عشب. وهنا تدب البلبلة والخوف في قلوب البداة، فيسعون إلى مخلص آخر. ويبدأ تسربهم إلى مناطق الحضر، إما سلمياً، وهي حالات ليست نادرة، أو بقوة السلاح، وهناك أمثلة كثيرة.

هنالك خزانان بشريان يعيشان حياة رعي وتنقل، أو نصف استقرار، يشكلان رئتان ضاغطتان على المناطق التي شهدت أوائل أنواع الاستقراء والتحضر حول وديان الأنهار الكبرى، فمن جهة هنالك البادية السورية، وامتدادها في صحراء شبه الجزيرة العربية التي تشكل القسم الأول، وتحيط بالشريط الهلالي الأخضر في العراق والشام، من جهة الجنوب والغرب، ومن الشمال السهول الكبرى الآسيوية الأوروبية حول البحر الأسود والبحر القزويني. لم تكن حياة البداوة من اختيار الإنسان، وإنما جفاف الأرض وقلة الأمطار ونفاذ القوت يدفعان بهم إلى ترك الاستقرار والعودة من جديد إلى الانتقال. لقد وجدت هذه العوامل الاقتصادية الاجتماعية جنباً إلى جنب مع الألوان اللغوية البشرية في مطالع التاريخ المكتوب.

لقد قيض للبشر من القسم الأول والضاغط من جهة جنوبي وغربي الرافدين أن يكونوا ناطقين بلغة، أو لهجات، اصطلح سابقاً على تسميتها سامية، وعرفت نصوصها الأولى في عصرنا هذا على أنها أكادية، وأعطت هذا الاسم لجميع اللهجات الأخرى في ما بعد، وتعتبر الأكادية في رأس العائلة اللغوية - من حيث القدم- التي تنتمي لها لغتنا العربية وبقية أخواتها. ولا بأس أن نسمي كل لهجة باسمها، كما يدل عليها أيضاً الأقوام التي تكلمت بها.

 موقعنا من الصراع العرقي

أما من جهة الشمال، فقد كان الخزان البشري يلغو بلغات لا صلة لها بالعائلة المذكورة أعلاه، وسميت جميع عائلتها بالهندو - أوروبية، وأقدمها الحثية والحورية مما نعرفه في نصوص الرافدين. إن المظهر الأول الخادع للصراع، الذي ينتظره القارئ، ربما كان صراعاً عرقياً، نظراً للاختلاف اللغوي. هذا التوقع هو الذي دفع بكثير من المؤرخين أنصاف متخصصين، أو متطفلين، حتى الستينات من القرن العشرين، إلى اعتبار تاريخ العالم القديم مهداً لمثل هذا الصراع العرقي، دون أن ينفذوا إلى قلب المشكل، وتحليل العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تقدمها لنا النصوص اليوم، ولم يلاحظوا أن أقواماً من عائلة لغوية واحدة تدفع الواحدة منها بالأخرى نحو الدمار، فاليوم أكاديون، وغداً أموريون وكنعانيون، وبعدهم آراميون، ثم عرب، وجميعهم من عائلة لغوية واحدة، وما أن تستقر مجموعة وتصبح متحضرة حتى تمسك بزمام المبادرة، وتقود حملات التأديب ضد البداة، أولاد عم الأمس، فالصراع بينهم ليس عرقياً، ولا عنصرياً، إنه سجال من أجل اقتسام العيش، نسميه اليوم صراعاً اقتصادياً اجتماعياً، باصطلاح أكثر شرعية، لأنه قانون التعايش اليوم، وهو لا يختلف عنه بالأمس!

لقد لعب هذا الواقع دوراً هاماً في تشكيل دول العصور القديمة، وأضيف إليه ذلك الضغط المتمثل بغزو أشد خطراً، قادم هذه المرة من الشمال والشرق.

فقد كانت السهول الآسيوية والأوروبية الشرقية مسرحاً لشعوب صنفت لغوياً تحت اسم هندو أوروبية، وكان بعضهم يتسرب تدريجياً، ويستقر في عالم المشرق وحوض المتوسط، ثم يتهيأ للدفاع عن تحضره ضد غزو إخوانهم البداة، وإنْ لم يكن الحال هكذا، أي تسرباً سلمياً تدريجياً، فهنالك سجل حافل بالغزو المدمر.

 الاختلاف اللغوي

هنالك، ولا شك، اختلافات لغوية بين هندو أوروبية سامية أو عربية قديمة. إلا أن إمكانية إيجاد مميزات عرقية بين البشر المتكلمين بهذه اللغات أمر صعب، ومثير للكثير من المشاعر المكبوتة. فإذا كانت نظرية العرق لم تُثبت حتى الآن من قبل الأبحاث العلمية، إلا أن أدبيات الشعوب قاطبة مليئة بنزعات التعصب العرقي. إننا لا نستطيع أيضاً أن نبحث في التاريخ القديم، ومن خلال شواهده على أمثلة لوجود، أو دوام، عرق من العروق. إن الدلائل اللغوية، وليست الدلائل المتعلقة بعلم هيئة الإنسان، هي التي تسمح لنا بتحديد فروق بين قوم وآخر وشعب وآخر، بين لهجة وأخرى من أصل واحد، وبين لغة وأخرى من عائلتين مختلفتين. حتى في هذه الحال، على المؤرخ أن يكون حذراً من استنتاجاته.

 اللغة الأكادية أم اللغة العربية

لقد حلت الأكادية نهائياً محل اللغة السومرية اعتباراً من بداية الألف الثانية ق.م. وحل الأكاديون وأحفادهم محل السومريين وأسلافهم غير المعروفين إلى الأبد أيضاً، لقد كان هنالك انصهار بين لغتين من طبيعتين مختلفتين، وبين شعبين لم تثبت أي القرائن على اختلاف عرقي بينهما. وتم ذلك الانصهار بصورة تدريجية، ودونما اصطدامات مأسوية. إن انتشار لغة ما، وحلول أخرى مكانها، لا يعني شيئاً في بعض الحالات، على الأقل، وقد يعني أحياناً خضوع مدينة، أو بلاد، لوقت ما، إلى سلالة أجنبية. ففي جزيرة كريت مثلاً، حلت الكتابة التي يرمز لها بالرمز آ (لأنها مجهولة حتى الآن) محل كتابة أخرى رُمز لها بـ(ب) (الإغريقية الميسينية) في غضون القرن الخامس عشر ق.م. هذا التبدل لا معنى له، ولا تفسير، إلا بحلول سلالة هلينية في كنوسوس. أما طبقة السكان فلم تتأثر بذلك إلا قليلاً. ولكن في كثير من الحالات، فإن السلالة الأجنبية، أو المحلية، ولكن من فصيلة لغوية أخرى تتبنى لغة البلاد الأصلية، ولا نستطيع معرفة ذلك إلا من خلال تحليل أسماء العلم التي تصل إلينا عن طريق الكتابات، وهكذا عرفنا أن ملوك الإمبراطورية الآشورية القديمة هم في الأصل رؤساء عشائر أموريون، وعرفنا أن أسماء زعماء الميتانيين من أصل آري، وهم ملوك يحملون أسماء حورية في الإمبراطورية الحثية الحديثة. من الواضح أن المسألة العرقية غير مطروحة هنا، وحيثما لا تعكس لنا النصوص تنافراً عرقياً، وهو أمر وهمي غالباً، فإن جميع الفرضيات تؤول إلى الفشل، ولا تعدو كونها طرحاً مجانياً. وتعليل هذا من وجهة النظر الموضوعية أن علم السلالات الإنسانية (الأنثروبولجي anthropology) لا يقدم لنا معطيات ذات قيمة حقيقية إلا عندما يتمكن من إقامة صلة أكيدة بين نمط لجسم إنساني، وبين تبعيته لعرق ما. وحتى يومنا هذا، فإن الفشل هو حليف البحث العلمي في هذا المجال، إذ لم يتمكن المتخصصون من الاتفاق على نقاط جوهرية. ولعل علم الآثار هو الذي يقدم لنا أرضية أكثر صلابة، إذ يلاحظ بعضهم أن مظاهر الاختلاف في بعض الحضارات يمكن أن يدفعنا للاعتقاد بوجود أصول عرقية، وذلك في وضع تنقصنا فيه معلومات سياسية، أو اقتصادية، كافية للبرهان على أوجه التشابه. وهذه بدورها لا تحمل أي معنى - إلا إذا كانت تتعلق بمعطيات أقل تأثراً بالخارج وأنماطه ودُرُجِه، والأقل تصديراً إليه، وخاصة أدوات الاستعمال اليومية من الفخار، وهنا نجد أن الشروط الاقتصادية الواحدة لا يمكن أن تفسر أوجه تشابه عرقي. إن اختلافها وحده هو الذي قد يساعدنا على إيجاد بعض أوجه القرابة بين الشعوب.

 

لمن تنسب ثقافات ما قبل الحضارة؟

وما هي المشكلة السومرية؟

لا نستطيع أن ننسب المراحل الأولى لحضارة العصر الحجري الحديث إلى أي من المجوعتين البشريتين، أسلاف العرب الأكاديين أو الفراتيين، أو الهندو أوروبيين، فكلاهما يتشكلان من أعراق لا يعرف عنها الكثير على صعيد النسب. واصطناع هذا التقسيم من قبل المؤرخين، لا يعدو كونه اصطلاحاً مبنياً على معطيات لغوية، لا يخدمنا إلا بتحديد مواقع عيشهم الأولى بصورة تقريبية، مجموعة كانت تعيش في السهول الآسيوية - الأوروبية، وأخرى على أطراف البحر الأبيض المتوسط وسهوله وصحاريه الداخلية (بما فيها الجزيرة العربية). ولقد ساعدتنا المكتشفات الكتابية، ومقارناتها اللغوية، على استكشاف بعض الروابط الحضارية لمجموعة دون أخرى، وظلت بعض المجموعات الهامة من القسمين مجهولةً لغوياً، ولكن الدلائل الأثرية تشير إليها بوضوح. وظل بعضها الآخر مشكلة عالقة تحتاج لدلائل لغوية جديدة، قد لا نحصل عليها أبداً، وقد يعثر عليها المنقبون ذات يوم، وأولى تلك المشاكل العلمية اللغوية العالقة هي اللغة السومرية، وكذلك ظهور السومريين! وهم الشعب الذي نعرف عنه الكثير، وما يزال يطبع حضارتنا العربية بطابعه منذ 5 آلاف سنة. وهم المؤسسون لأقدم حضارة مدنية في جنوبي الرافدين، هذه الحضارة لا يمكن أن تنسب إليهم وحدهم. إذ نلاحظ أن أقدم المراكز الحضارية في مدينة أريدو (Eridu) جنوبي العراق تعود إلى نهاية الألف السادس ق.م. ولا نستطيع الجزم إذا كان سكانها آنذاك سومريين. من جهة أخرى، إذا كان هنالك بعض الاستمرارية الحضارية، حتى العصور التاريخية، أي حتى ظهور الكتابة - وخاصة في مجال مخطط بناء المعابد، فإن اسمي النهرين الكبيرين - الفرات والدجلة - واسمي أكبر مدينتين، ليس من أصول لغوية سومرية، بل يعود إلى أصول أقدم، غالباً ما قد تكون أكادية، وعلى هذا فمن المعتقد أن السومريين لم يكونوا وحدهم في جنوب الرافدين منذ ذلك الوقت المبكر، ولربما كان وجودهم قد سبق ظهور كتابتهم بزمن ليس ببعيد، ويعود غالباً إلى نهاية الألف الرابع ق.م، الذي تميز بظهور كتابتهم، وهي الأولى في تاريخ الحضارة الإنسانية. ومع ذلك فإن قوانين التطور الاقتصادي والاجتماعي ليست كافية لشرح بعض التبدلات، مثل استبدال الفخار القديم بآخر مصنوع على عجملة وغير مزين. وهو صناعة كانت معروفة ومستخدمة في جميع المناطق. أما ما يتعلق بأقدم النصوص، فهي ما تزال غامضة، ولم يتوصل علماء اللغات إلى فك رموز إشاراتها، ونجهل إذا كانت لغة تلك النصوص سومرية، أو غير سومرية. ومن جهة أخرى، إذا كانت حضارة السومريين قد ولدت في وسط بشري مزيج، بين مقيمين قدماء، وقادمين جدد، وهو الاحتمال الأكثر موضوعية وإنسانية، فإننا نجهل حتى الآن أصول الطرفين؟ كما أن جميع المحاولات المتعلقة بربط اللغة السومرية بلغات توصف بأنها لا صقة معروفة، قد باءت بالفشل حتى الآن، كذلك فشلت محاولات ربطها بالقوقازية، أو التيبتية عن طريق دلائل عامة وليست قاطعة، إذ أن استخدام نهايات صائتة، أو جذور أفعال، أو مصادر إسمية، أمر شائع في كثير من اللغات.

على أي حال، إن التعايش الواضح بين مجموعة لهجات ولغات - وهو ما عكسته النصوص في العصور التاريخية
-  يدلنا على وجود مزيج إنساني بين قدامى مستقرين، ووافدين في طريق الاستقرار، ووجود موجات متتابعة وجامحة من العناصر الإنسانية الجديدة.

إذا توجهنا إلى الشرق، إلى بلاد عيلام وعاصمتها المعروفة سوزا، فإننا نجد شيئاً من الغموض لا يزال يلف بمعارفنا حول اللغة العيلامية وأصول العيلاميين، فقد أسس هؤلاء حضارة متميزة أيضاً، ما تزال نصوصها الأكثر قدماً مستعصية على الترجمة والفهم، وهي تعود لنهاية الألف الرابع. ويعتقد أن ما قبل العيلاميين - ونجهل هويتهم العرقية - قد كانوا وراءها. ومها يكن من أمر، فإن تأثرهم بالحضارة الرافدية يبدو جلياً واضحاً، اعتباراً من الألف الثالث، وهذا ما يفقدنا إمكانية اعتبار جماعة ما قبل العيلاميين هم أسلاف العيلاميين الذين أقاموا سلالات حاكمة في سوزا، اعتباراً من الألف الثاني وحتى القرن السابع ق.م. كما أننا نجهل كثيراً عن العيلاميين أنفسهم، ومرد هذا صعوبة فهم نصوصهم التي فكت رموزها منذ وقت قريب وحسب.

هناك بعض مظاهر الترابط العرقي مع مناطق زاغروس، وخاصة لورستان، ولكن نستطيع القول إن عناصر سلفية أكادية قد امتزجت منذ وقت مبكر مع العيلاميين. ونجد من جهة أخرى أن الرافديين - أكاديون خاصة - كانوا يعتبرون، من خلال حولياتهم، جيرانهم العيلاميين أعداء أجانب عنهم. وهذه أسوأ المعلومات التي قد تدفع ببعض المؤرخين إلى اعتبارها أساساً لإثبات وجود تباين عرقي بين الطرفين!

إيران المجاورة

ونجد في أقصى الطرف الشرقي من الهضبة الإيرانية، حضارة مدنية ثالثة قد نمت وتطورت في وادي السند أو الهندوس. وهي تبدو على علاقة وطيدة مع الثقافات الحضرية الإيرانية. هكذا نجد بالنسبة لأرياف بلوخستان وأواسط أفغانستان. ورغم قلة الأمثلة الأثرية في وادي الهندوس، إلا أننا نلاحظ تطور أوائل المواقع الحضرية منذ القرن الثلاثين ق.م، وظهور نوع من الكتابة بعد هذا التاريخ. ولكنها للأسف لم تسلم أسراراها حتى اليوم، بالرغم من المحاولات المتعددة لفك رموزها، لهذا فإننا نجهل إلى أي مجموعة لغوية ننسب لغة سكان الهندوس القدماء. وبالتالي لا يمكننا التفكير بنسبتهم إلى أية مجموعة عرقية. ولكن يمكن طرح بعض الاستنتاجات، فإذا لم يكونوا أصلاً من مناطق بلوخستان، فإنهم ليسوا أريين! هذا، وتختفي أمامنا حضارة وادي الهندوس حوالي منتصف القرن الثامن عشر ق.م، بُعيد تدفق الآريين وغزوهم لكثير من المناطق في الهند وإيران والرافدين. وفي ذلك الزمن ظهر الحوريون لأول مرة، من خلال أسمائهم التي دونت في نصوص الرافدين، ونجدهم في شمالي سوريا من خلال نصوص ماري، ثم ألالاخ وأوجاريت، ونوزي، ويدلنا تحليل أسمائهم على أن لفتهم من عائلة أجنبية على الرافدين، وهي آرية (هندو - أوروبية). ويُعتقد أنَّ نقطة انطلاقهم الأولى هي جبال إيران الشمالية الغربية والهضبة الأرمينية. ثم ظهرت بعض إماراتهم بعد القرن الثامن عشر في شمال سوريا (الخابور). وشكلوا حوالي القرن الخامس عشر المملكة الحورية - الميتانية، التي دامت قرابة قرنين من الزمان، ولم يكن لها من منافس سوى دولة الفراعنة المصرية، إلى أن قضى عليها الآشوريون، وبذلك انتهى دورهم السياسي إلى الأبد، واختفت آثار لغتهم من النصوص الرافدية، ولم يتركوا على ما يبدو نصوصاً حورية خالصة، إلا ما ندر، وهذا ما يُعقِّد عمل اللغويين، ويجعل الحورية لغة غير واضحة تماماً. وهي تبدو من خلال نصوصها القليلة، من عداد اللغات اللاصقة، ولكن دون أية صلة مع السومرية، ولكنها تقدم بعض أوجه القرابة مع بعض اللغات القوقازية المعاصرة، وكذلك الأورارتية. ونعلم إن السكان الأورارتيين قد استوطنوا مناطق بحيرة فان (van) في أرمينيا المعاصرة، منذ بداية الألف الثاني ق.م، ونجهل أصولهم ما قبل هذا التاريخ، وتختفي آثارهم اللغوية في ما بعد، ولربما كان أقدم أسلافهم رعاة في السهول المجاورة لأرمينيا. يضاف إلى تلك القائمة من الشعوب الكاشيون أو الكاسيون الذين ظهروا في وسط بلاد الرافدين منذ القرن الرابع عشر ق.م، قادمين، دون شك، من جهات زاغروس. ولكنهم تمثلوا اللغة البابلية إلى درجة ضياع آثارهم اللغوية.

الغموض يلف الأصول؟!

وهكذا نلاحظ أن الغموض يلف بأصول معظم الشعوب التي تدفقت على العالم القديم من الشمال والشرق، وحملت معها ثقافاتها الريفية، ومن ثم شاركت في بناء وانتشار الحضارات الكبرى التي تعاظمت في عصر البرونز.

كذلك تنقصنا المعلومات الكتابية والأثرية في ما يتعلق بسكان شواطئ البحر المتوسط قبل الألف الثالث، وخاصة شواطئ سوريا وفلسطين، وقبل أن تنتشر في ربوعها جموع الكنعانيين والأموريين. من جهة أخرى، ساعدتنا نصوص لغة خاتي والتي تعود للألف الثاني فقط (التي وجدت في عاصمة الحثيين حاتوشا - قرب أنقرة اليوم) على معرفة أصول الحثيين الهندو أوروبية. وألقت بعض الأضواء على لغة سكان الأناضول في الألف الثالث ق.م، التي يُفترض بها أن تكون لغة أماً للحثية. من جهة أخرى، يميل بعض اللغويين إلى إقامة صلة بين سكان الأناضول في الألف الثالث وسكان بحر إيجة، لا بل منذ العصر الحجري الحديث والنحاسي، ثم البرونز القديم. ويفسر المؤرخون ذلك بوجود قرابة إنسانية ولغوية حتى بين سكان البلقان وبحر إيجة من جهة، والأناضول من جهة أخرى، ويستند اللغويون في ذلك إلى أن بعض الكلمات التي تنتهي بـ س س (ss) و "نث" nth أو "أند" "and" هي في الإغريقية ليست من أصول هللينية مثل: بارناسوس parnassos  كورينثوس carinthos إلخ.. تنتمي هذه الكلمات إلى عبارات مشتركة من أصول متوسطية، أو ما قبل الهندو أوروبية، ويرى علماء آخرون أن أقواماً أخرى يدعون اللوفيون (tes) louvi وهم هندو أوروبيون نعلم أنهم استقروا في الأناضول قبل الحثيين كانوا وراء وجود تلك الجذور اللغوية المتبقية الآنفة الذكر، على أي حال فقد أظهرت أعمال لغوية حديثة أن كلتا الفرضيتين لا تستندان إلى معلومات متنوعة وأكيدة (المرجع نفسه). وعلى هذا تبقى المساعي التي تبذل لمعرفة الأصول اللغوية للأناضول وبحر إيجة محفوفة بالمخاطر، ولكن نستطيع أن نتصور أن هؤلاء السكان كانوا أسلافاً للحضارة الكريتية في الألف الثالث والثاني. ولكن، للأسف، دون أن تترك لنا تلك الحضارة كتابات كما هي الحال في مصر والرافدين، إذ أن كتابة كريتيه نادرة ومجهولة القراءة ظهرت حتى الآن لم تغنِ معلوماتنا عن جذور الحضارة الهيللينية، وهنالك من يعتقد أن جذور الحضارة الكريتية تعود إلى سوريا والرافدين، وأن السكان قد ركبوا البحر منذ عصور ما قبل التاريخ، واستقروا في جزر بحر إيجة، ومنها كريت، ولكن لا توجد براهين تدعم هذا الاعتقاد.

مواطن أسلاف العرب؟

من جهة أخرى شكلت الجزيزة العربية وبلاد الشام، وخاصة الشريط الأخضر، الموطن الأقدم لأسلاف الأكاديين والعرب، وكانت حياة البداوة تفرض على السكان التنقل تارة، والاستقرار والعمل الزراعي تارة أخرى. ولقد تسرب هؤلاء السكان، بدواً وأنصاف مستقرين، منذ نهاية الألف الرابع، إلى أطراف وادي الفرات والسهول الخصبة الماطرة في الشام والعراق، حيث دلت عليهم آثارهم، وعرفوا في ما بعد بالأكاديين في الجهات الشرقية والأموريين في الجهات الغربية، ولهذا يستسهل بعض المؤرخين إطلاق تسمية "ساميين" شرقيين وغربيين.

لقد ظهر الأكاديون كأول قوم من أسلاف العرب منذ مطالع الألف الثالث، واستقروا في بلاد الرافدين حول مدينتي كيش Kish وآشور Assour وحول مدينة ماري، واستطاعوا أن يحلوا محل الطبقة السكانية المتحضرة التي سبقتهم، والتي لم تترك لنا أثراً لغوياً يدل على أصولها. ولكن الأكاديين الذين سكنوا مناطق الفرات الأسفل امتزجوا بالسومريين، وتأثروا بحضارتهم، واستطاعوا بعيد أواسط الألف الثالث أن يؤسسوا أول امبراطورية سلفية في تاريخ العرب والعالم، وعرفت عاصمتها من خلال النصوص فقط، وهي أكاد، والأصح "أجاد"، وهكذا ينتسب الأكاديون إلى اسم مدينتهم وعاصمة إمبراطوريتهم الشهيرة. وحققت لغتهم نصراً ساحقاً على اللغة السومرية، التي اندثرت كلغة رسمية، وبقيت حية في الأكادية، وتحولت الأكادية في ما بعد إلى لهجتين، شمالية آشورية، وجنوبية بابلية، وصارتا لغة السياسة والأدب والفكر، اعتباراً من مطلع الألف الثاني ق.م، وحتى ظهور السيد المسيح.

الأموريون

أما الغربيون، أو الأموريون والكنعانيون، فقد استقروا منذ نهايات الألف الثالث في سوريا وسواحلها، ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن، وحلوا محل الحضارة البرونزية القديمة منذ القرن الثالث والعشرين تقريباً في تلك المناطق. من جهة أخرى نجهل الأصول اللغوية لحضارة البرونز القديم التي سبقت توضع الأموريين والكنعانيين، هؤلاء الذين بدأوا على مايبدو تطوراً حضارياً بطيئاً سيدوم بضعة قرون، قبل أن يؤتي ثماره في بدايات الألف الثاني. حيث ظهرت مدن تحمل أسماء قديمة مثل أريحا (Jevicho) وجبيل Biblos قرب بيروت اليوم. وما إن حل القرن التاسع عشر قبل الميلاد، حتى اتخذت سوريا ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن طابعاً أمورياً كنعانياً سلفياً للعرب بصورة أبدية. ولم تتأثر في ما بعد، إثر قدوم عناصر أجنبية كالحوريين، وغيرهم واستمر تسرب السكان البدو من البوادي المجاورة، حيث لعبوا مع إخوانهم دوراً حضارياً هاماً، وظهرت في ما بعد لهجات محلية أوجاريتية وجبلاوية (نسبة إلى جبيل) وفلسطينية قديمة (لهجة محفوظات تل العمارنة) وآرامية التوارة، وجميعها تنتمي إلى لغة أُم، هي الأكادية الشرقية والأمورية الغربية، اللتان أعطتنا محفوظات ونصوص تعود للألف الثالث، وخاصة نصوص ماري وإيبلا والكتابات الملكية الأكادية. أما وادي الفرات (بلاد الرافدين) فقد شغله الأموريون، الذين كما ذكرنا قد خلفوا إخوانهم الأكاديين، وكانوا أحد الأسباب الرئيسية في إنهاء السيطرة السياسة لسلالة أور الثالثة السومرية، التي نهضت لفترة قصيرة في أعقاب انهيار إمبراطورية أكاد. واستقر هؤلاء الأموريون في مدن سوريا ولبنان خاصة، ولكنهم استطاعوا في مستهل الألف الثاني أن يسيطروا على مجمل مدن العراق وسورية ولبنان وفلسطين خاصة، أما أشهر مدنهم فكانت في جنوبي العراق، لارسا وبابل واشتونا وآشور وماري، وظلت لغة أسلافهم الأكادية لغة الحضارة إلى حد ما، مع تسرب لهجتهم الجدية إليها، تلك اللهجة التي اختلف العلماء في تصنيفها نظراً لانعدام نصوصها، إذ ظهرت السلالات الأمورية في بابل وماري وآشور وحلب، وأنها استمرار للغة والديانة الأكادية السومرية. ولعل هذا التمثل السريع لحضارة الأجداد أكبر برهان أن لهجة أمور، ولهجة أكاد، لا تختلفان عن بعضها أكثر مما تختلف اللهجة العربية لأهل العراق ولهجة أهل الشام في عصرنا. ولكن يصعب على اللغويين الأوروبيون أن يعتبروا لهجة أمور ولهجة أكاد لغة واحدة، نظراً لاعتبارهم اختلاف اللهجة والنطق الصوتي اختلافاً لغوياً أساسياً!

وظهرت أقوام بدوية شقيقة للأموريين والأكاديين. ولكنها لم تحتل مكانة سياسية هامة، نذكر منهم أهل خانا (الحنانيون) وبني يامين الذين ظهروا في عصر ماري وآشور في غضون القرن الثامن عشر والسوتين في شمال سوريا، الذين كانوا يزعجون دولة آشور، وأخيراً الأراميون الذين سيكون لهم شأن سياسي وحضاري لا يختلف عن أسلافهم الأموريين والأكاديين، فقد وصل انتشار قبائلهم إلى شواطئ المتوسط، وغمروا مناطق وادي الفرات وسهول سوريا والعراق، في غضون القرن الثاني عشر ق.م، وأسسوا ممالك وإمارات في جميع أنحاء سوريا، وظهرت خلافاتهم القبلية، وكذلك خلافاتهم مع أقربائهم في فلسطين والساحل عامة، وامتد نفوذ ممالكهم شمالاً من التخوم ذات التوطن الحثي (جبال طوروس) إلى الجنوب (دمشق) وتخوم فلسطين، وقد حمل عبء قتال هذه الممالك الدولة الآشورية الحديثة في شمال سوريا والعراق، التي لاتزال تحتفظ بقواها، ولكن رغم هذا فقد تسرب الآراميون لغة وسكاناً حتى قلب آشور وبابل، وقبل أن تنهار تلك الدولتان العظيمتان كانت الآرامية قد غدت لغة سوريا والعراق وفلسطين ولبنان والأردن بلا منازع، وأزاحت الأكادية الأم التي تكلم بها الناس أكثر من ألفي سنة، وتحولت اللغة الآرامية إلى لغة دولية يسهل استخدامها بفضل أبجديتها العملية، وهجر النسّاخ تلك الكتابة المسمارية السحرية الصعبة. وكان آخر تغلغل للبدو في ذلك المناخ هو العرب، حيث ذكرهم شملنصر الثالث (858 - 824) وكانوا قد بدأوا بإزعاج مراكز السلطة السياسية الرافدية (البابلية - الآشورية). ولكن دون أن يكون لهم دور متميز آنذاك سوى مساعدتهم ملوك آشور أثناء حملاتهم ضد المصريين، هؤلاء الذين شنوا ضدهم بعض الحملات التأديبية.

هندو - أوربيون

لقد واجه التوطن والاستقرار السلفي للعرب أخطاراً خارجية منذ ظهور الأكاديين. فقد دخلت على ساحة المشرق العربي أقوام اصطلح لغوياً على تسميتها هندو - أوروبية، نظراً لاختلافها اللغوية، ومن ثم العرقي، عن السكان الأصليين، أسلاف العرب، وقد أضافوا جملة من المشكلات السياسية والسكانية واللغوية في المنطقة، ومنذ ذلك الوقت المبكر، أو ذلك الوقت الذي نجهل تماماً تاريخ بدءه، ولكن النصوص المكتوبة تجعلنا نقدر أن هذا الاختلاط والتسرب الهندو - أوروبي قد بدأ منذ مطالع الألف الثاني ق.م، وكان هؤلاء أقوام بدوية، أو نصف بدوية، وقرويون يسعون إلى مزيد من الرزق والسلطة إذا ما سمحت الفرصة. ولم يكن هؤلاء الهندو أوروبيين، كما يصورهم البعض، كسلسلة من البدو تقوم حياتها على الحرب والدمار، بل مكان بعضهم قد وصل إلى مرحلة متطورة من التحضر، حيث أن كلمة قمح في الحضارة الميسينية هي من أصل هندو - أوروبي. وبما أن اسمي النبيذ والزيتون من أصل سابق لهم، فمن البديهي أن يكونوا قد مارسوا الزراعة، قبل أن يتوجهوا إلى المناطق الأكثر خصباً في وادي الرافدين ومناطق بحر إيجة.

يبدو منطقياً أن نقاط بدء سير أولئك الهندو أوروبيين كانت في سهول أوروبا الآسيوية، كما تدل على ذلك بعض العوامل اللغوية، المتبقية في اللغات الآرية، فاسم شجر الزان المشترك في جميع اللغات الهندو - أوروبية قد جعل بعض المؤرخين يعتقدون بأنهم جميعاً قد عاشوا قرب سهول الدانوب وروسيا الغربية، ولكن هذا التحليل غير مقنع لأن تلك الأشجار كانت منتشرة منذ فترة ما قبل التاريخ في مناطق أخرى!

إن هذا التحليل الخاص، الذي يهدف إلى استنتاج إمكانية وجود عرق صاف، عاش في إقليم محدد، قد سقط مع المعطيات الحديثة التي أثبتت أن الإنسان كان على اختلاط وتمازح دائم، وهذه هي مميزته الحضارية والإنسانية الرائعة، وهكذا فلا وجود لما يسعى بعضهم لتسميته بالعرق الهندو أوروبي، ولا وجود لعرق "سامي" أو عربي، أو أي عرق صاف آخر، كما أسلفنا! بل هناك حضارة تتميز بخصال لغوية واجتماعية لكل مجموعة إنسانية.

بدايات الاختلاط الشرقي - الغربي

 ظهرت أوائل الآثار اللغوية الهندو أوروبية في أسماء العلم التي ذكرتها نصوص لا تعود لأبعد من الألف الثاني قبل الميلاد. وكانت أصولها اللغوية هي حثية، هؤلاء الذين بدأوا بتأسيس إماراتهم في أواسط الأناضول وغربها منذ ذلك الوقت على وجه التقريب. وظهر إلى جانبهم أقوام أقل أهمية منهم، هم اللوفيون، علماً بأن اللغة الحثية التي وجدت في نصوص محفوظات عاصمتهم (خاتي) أو حاتي، لا تتضمن أكثر من مئة كلمة هندو أوروبية، ثم إن الحثيين قد حلوا فوق طبقة حضارية أقدم، ومجهولة، ولكن مستوطنات الآشوريين التي وصلت إلى أعماق الأناضول، وازدهرت في نهايات القرن العشرين، والقرن التاسع عشر، ربما تلقي مزيداً من الضوء على تركيب السكان في الأناضول قبل ظهور الهندو أوروبيين، ونعني بذلك أن سوريا والعراق كانت على اتصال مباشر منذ الألف الثالث في عصر الإمبراطورية الأكادية، ولكن للأسف لا توجد نصوص لغوية تميط اللثام عن هوية السكان آنذاك، في حين كانت لغة المستوطنات الآشورية هي اللغة الأكادية، أو الآشورية القديمة، ولا توجد لدينا شواهد توضح كيف سيطر الحثيون على الأناضول، ومن هم الذين سبقوهم في تحضيرها وتعزيز السلطة فيها، رغم أننا نخمن أن الآشوريين وأسلافهم الأكاديين لم يكونوا بعيدين عنها.

إن أول اسم لشخصية حثية هو أنيتا Anita  الذي أسس الحجر الأول لما عرف في ما بعد الإمبراطورية الحثية في مدينة حاتوشا (خاتي). من جهة أخرى، فإن تبني الحثيين للكتابة المسمارية الأكادية يدل على أنهم كانوا على اتصال مباشر معهم منذ وقت بعيد غير معروف، كما هو الحال عندما قدم الأتراك المغول من آسيا الشرقية، وسكنوا الأناضول في العصور الوسطى، ومن ثم تبنوا الإسلام واللغة والكتابة العربية، وصاروا هم الطبقة الحضارية الرئيسية فيها. لقد أظهرت الحفائر الأثرية، من جهة أخرى، أن هناك قرابة في طرائق العبادة بين الحثيين ومن سلفهم في الأناضول.

أحفاد الإغريق

أما من جهة بحر إيجة، فلقد ظهرت لنا مشكلة من القبيل ذاته، تتعلق بالحضارة المسينية وهويتها اللغوية على الأقل، حيث أنها لم تترك لنا كتابات هامة مقروءة، ولكن المقدر أن فك رموز الخط الكتابي، الذي لم يعرف له اسم، إن أُعطي الرمز (ب-B) أن اللغة الميسينية كانت سائدة في بحر إيجة منذ القرن التاسع عشر، أو الثامن عشر ق.م؟ من جهة أخرى، تتشابه حضارة مسينيا من حيث إنتاجها اليدوي الفخاري والبرونزي مع مثيله في الأناضول. وهذا ما يدفع للاعتقاد بأن المجموعات البشرية هي واحدة، وأن الهندو أوروبيين هم وراء ذلك النهوض الجديد في الأناضول وإيجة، وهذا يعني أن طلائعهم قد وصلت إلى مكدونيا واليونان.

إن الإشارات الكتابية المسمارية التي استعملها أوائل الحثيين هي من نمط بدئي قديم، تعود إلى ما قبل القرن التاسع عشر ق.م، حيث كانوا على اتصال مباشر مع حضارة بلاد الرافدين، كما أسلفنا، واستعاروا منها الكتابة، وعلى هذا فإن غياب الشواهد الكتابية في الأناضول في فترة الألف الثالث لا تعني انقطاعاً حضارياً أو سكانياً، فمنذ بداية عصر البرونز القديم في بدايات الألف الثالث ق.م، اكتشفت أدوات مرافقة للميت في قبور الملك في ألاديا هيوك Aladyia Huyuk حيث تتشابه محتوياتها مع أدوات القبور في العصور اللاحقة، وخاصة عصا الملكية (lituuy) (ن. ديشاييه 570) التي يحملها الملوك الحثيون في مشاهدهم الفنية النحتية، وكذلك تمثيل الأيل ذو القرن المتشعب، والذي يرمز إلى الدور النفسي التفخيمي والتهويلي الذي يلعبه الملك الحثي من خلال هذا الحيوان. وهكذا نتلمس وجود اتصال واستمرارية بين سكان العصر البرونزي القديم الأناضولي، وبين ظهور الحثيين في بدايات الألف الثاني.

من جهة أخرى، تبرز مشكلة مماثلة تتعلق بمناطق بحر إيجة، حيث أن فك رموز الخط الكتابي المسييني الذي يرمز له بالحرف (ب-B) من قبل فنترس ventris  قد أثبت أن الميسينيين كانوا يتكلمون لهجة إغريقية منذ القرن الرابع عشر والثالث عشر ق.م، ويتساءل ديشاييه (المكان نفسه)، ولكن في أي وقت استقر الهندو أوروبيون في جزر بحر إيجة؟ إن الحضارة الهلادية (نسبة إلى منطقة هلاد Hellade في بلاد الإغريق) التي ازدهرت في القرنين التاسع عشر والثامن عشر ق.م. تنسب عادة إلى سكان هللنيين (نسبة إلى هللين Hellen في الأسطورة الإغريقية حيث هو ابن دوكاليون و "بيرها" جدان أسطوريان للهللنيين أو الإغريق). ولكن عصر البرونز القديم ينبئ بظهور الحضارة الميسينية، وهو يتشابه مع مثيله في الأناضول بصورة واضحة وخاصة الفخار، وحلي الزينة، وصناعة الأسلحة والأدوات، فإذا أضفنا هذه الملاحظات إلى أخرى تدل على انقطاع واضح بين العصر النحاسي والعصر الذي يليه (البرونز القديم) في كل من الأناضول وبلاد الإغريق، فإننا نستطيع أن نفترض أن أول وصول للهندو أوروبيين إلى المنطقتين يحدد قبيل أواسط الألف الثالث ق.م، كما يمكن أن نستنتج أنهم وصلوا إلى مناطق الدانوب في الفترة ذاتها.

ويبدو أن جزيرة كريت قد تأثرت بهذه المرحلة، وخاصة على سواحلها الشرقية، ولكن القادمين الجدد سرعان ما ذابوا في السكان القدماء. ويجب أن لا ننسى أن النصوص القليلة التي عثر عليها في قصر كنوسوس Cnossos قد قدمت لنا عدداً لا بأس به من الأسماء الإغريقية الأصل، التي كانت، ولا شك، منتشرة في جزيرة كريت، ويحملها أناس يعملون في مهن مختلفة: ولكن ربما لا يكفى هذا الشاهد، وكذلك قيام سلالة من أصل هلليني لبضعة عشرات السنين لإثبات غلبة العنصر الهلليني منذ هذا الوقت المبكر؟.

ينتمي القادمون الغزاة في كل من الأناضول وبلاد الإغريق إلى أحد الفرعين الرئيسيين للعائلة اللغوية الهندو أوروبية، وهو المجموعة المسماة سنتوم (نسبة إلى الرقم مئة سنتوم centum). إن اللغة الحثية التي تترابط بشكل واضح مع اللغتين التركستانية الشرقية والتوكرانية، ربما تبرهن على أن الحثيين قدموا من السهول القزوينية عن طريق منطقة دربنت Derbent وليس عن طريق بلاد الدانوب، كما كان يعتقد سابقاً، وتبدو المشكلة أكثر تعقيداً في ما يتعلق باللوفيين في الأناضول الغربية والإغريق، حيث لم تتمكن أية فرضية تتعلق بأصولهم من أن تقدم براهين كافية، ولا يمكن التقدم في هذا المجال إلا بعد وضع تسلسل تاريخي نسبي لجميع التلال الأثرية في الأناضول والبلقان، كما يعتقد أن الحضارة الريفية والنصف مدنية التي قامت في أواسط تركستان قد ساهم بها الهندو أوروبيون التي نستطيع تتبع آثارها حتى نهاية الألف الرابع ق.م. إنها تتشابه مع بعض الثقافات الريفية في السهول الأوروبية الآسيوية، في نطاق حلي الزينة والأدوات، كما تتشابه مع الثقافات الأناضول والإيجية، ولكن، للأسف، تلك الثقافات تنطفئ بصورة تدريجية، وتختفي نهائياً في بدايات الألف الثانية، دون أن تترك آثاراً كتابية تدل عليها، ولاندري إلى أي الفرعيين اللغويين الهندو أوروبيين، سنتوم أو ساتم satem (أي الرمزين المختلفين للتعبير عن الرقم مئة) ينتميان.

لقد ظهر أوائل الهندو آريين، الذين تكلموا لغة تصنف مع فرع ساتم الهندو أوروبي الغربي في الربع الثاني من الألف الثاني ق.م، ولأول مرة في التاريخ، ونراهم يتسربون بأعداد صغيرة في بلاد الرافدين وسوريا وفلسطين، وكذلك في وادي السند (الهندوس). ولم يعرف الآريون إلا من خلال أسمائهم في بلاد الرافدين وسوريا وفلسطين، نعني بتلك الأسماء أسماء ملوك الميتانيين وبعض الكاشيين. وهذا يدل على احتمال وجود مجموعات محاربة صغيرة من أصول أجنبية استطاعت أن تتكتل وتجر خلفها بعض الفصائل الحورية، لتشكل سلالات حاكمة. وكان إلههم يحمل اسماً هندياً (ن. ديشاييه ص64) كما عثر على وثيقة مكتوبة في العاصمة خاتي تتضمن بعض الأسماء التي تستخدم في مجال تربية الخيول من أصل هندي (ن. نفسه). لقد تكلم هؤلاء الآريون على الأغلب لهجة هندية قديمة سبقت المرحلة التي ظهر فيها الكتاب المقدس الهندي الريجفيدا Rijvede بعدة قرون، علماً بأن الأشعار الفيدا Veda التي تؤلف الكتاب الآنف الذكر، لا يعود أقدم أسطرها لأكثر من القرن العاشر، أو الحادي عشر قبل الميلاد، ومن المؤكد أن هذه النصوص قد كتب في وقت لاحق، أي بعد قدوم الآريين إلى الهند، حيث يظهرون بمظهر بطولي.

لقد كانوا مجهزين بالعربات، يقودهم إلههم المسمى إندرا indra ويبدو أنهم قاموا بتدمير الحصون في طريقهم التي تنسب إلى "البربر" الذين ينسب إليهم إنشاؤها في مدن حضارة وادي السند، وخاصة مدينتي خارابا Harappa وموهنجو دارو mohenjo Daro اللتان هجرتا في حوالي القرن السابع عشر ق.م. من جهة أخرى، فإن اختفاء حضارة وادي السند قبل الآريين، تلك التي ازدهرت في مطلع الألف الثاني يعزى إلى الكوارث الطبيعية، وخاصة الطوفانات التي دمرت اقتصاد وادي السند، وليس الغزو. كما أن المواقع المدمرة قد سُكنت من جديد من قبل السكان المجاورين القادمين من بلوخستان، وربما من إيران. أما بالنسبة للآريين فقد مارسوا حياة نصف بدوية، ولهذا لا نجد كثيراً من آثارهم المادية في الألف الثاني ق.م. من جهة أخرى، فقد جذب المشرق العربي القديم وشواطئ المتوسط هؤلاء الهندو أوروبيين، نظراً لدفئه وغناه الحضاري، ولهذا فإن ضغوطهم البشرية الحربية والسلمية التسربية لما تتوقف، وقد استطاعت دول المشرق، وخاصة الآشوريون والحثيون والميسينيون، احتواء كثير من تلك الضغوط، وشن حروب تأديبية ضدهم. ولقد ساهمت أزمة القرون الأخيرة من الألف الثالث، المتمثلة بغزو وهجرة شعوب البحر، بإضعاف وتخفيف تلك الضغوط، كما سنرى في ما بعد. إلا أن بدايات الألف الأول ق.م. ستشهد قدوم أقوام هندو أوروبية جديدة، وخاصة الإيرانيون الذين سيظهرون لأول مرة في التاريخ، حيث تصنف لغتهم مع الفرع الشرقي ساتم satem وبينهم الميديون والفرس، الذين بدأوا بالتحضر والتمركز في المدن، ولكن تاريخ ظهورهم في الهضبة الإيرانية غير محدد تماماً. ولعل بعض مجموعات منهم قد هاجرت من تركستان الوسطى حوالي القرن السابع عشر ق.م. واستقرت في ما بعد شمال غرب إيران، ولربما لعب بعضهم دوراً من خلال ما ذكرته النصوص الآشورية في القرن الحادي عشر. لقد كانت جماعات السيت seythes من البدو الإيرانيين الذين دفعوا أمامهم جماعات أخرى يسمون السيمريون، واجتاحوا شمال إيران والأناضول وسوريا وفلسطين، وهددوا مصر بالذات. وكان آخر مجموعة هندو أوروبية ولغتها من نمط "ساتم" هم الأرمن، ولم يظهر هؤلاء على مسرح الشرق قبل القرن السابع ق.م. قادمين من مناطق البحر الأسود. وقد استقروا حول بحيرة فان van بعد تدمير مملكة أورارتو ourartou تحت ضربات السيتيين والميديين.

وظهرت جماعات هندو أوروبية أخرى في أعقاب اضطرابات نهاية الألف الثاني، تنتهي لغاتهم إلى فرع سنتوم الغربي، قادمين من البلقان غالباً، وخاصة الفريجيون الذين وصلوا إلى الأناضول قرب نهر ساكاريا sakariya، وكذلك الليديون الذين استقروا في وادي هرمس Hermos أما الحثيون الذين طردوا من الهضبة الوسطى، فقد استقروا جنوب طوروس وسفوحها الشمالية السورية.

وهكذا نرى من خلال تلك اللوحة البشرية المتحركة أن الشرق، والمشرق العربي القديم خاصة، كان متبدلاً متجدداً ومتمازجاً في عنصره البشري. ويعود تاريخ هذا التمازج والاختلاط إلى عصور أقدم، تصل إلى عصور ما قبل التاريخ، ذلك أن عامل التمدن يؤدي بدوره إلى نتيجتين حتميتين، الأولى هي الازدهار والغنى الناتج عن تكدس الثروة الزراعية، وهي التي تشد إليها البدو فيغزون ويخربون، أو يستقرون سلمياً، حول المدن، والنتيجة الثانية استنفاذ خصوبة الأرض وزيادة ملوحتها بسرعة، مما يؤدي إلى الجفاف وانقراض الغابة وتغير المناخ. هاتان النتيجتان تدفعان بالسكان المستقرين، وخاصة أولئك المقيمين على أطراف البادية - وبصورة نادرة بالنسبة لسكان الأحواض النهرية الكبرى - إلى الانتقال والهجرة بحثاً عن أرض جديدة. وهذا ما يؤدي إلى اضطرابات هامة، تؤدي إلى تبدلات سكانية وخلق مشاكل شديدة التعقيد.

  الدكتور فيصل عبد الله

أستاذ تاريخ ولغات الوطن العربي القديم

      بكلية الآداب بجامعة دمشق