العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

نظرة إلى مفهوم العرق عرق أم إثنية

صخر الحاج حسين
السبت 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

استخدم مفهوم "العرق" Race - وهو مصطلح بيولوجي - في النقاشات العامة لتوصيف جماعة من البشر، تنبني روابطهم بين بعضهم البعض على عوامل أخرى غير العلاقات الوراثية. فمصطلحات مثل "العرق الإنكليزي" والعرق اليهودي و "العرق الإفريقي" و "العرق الفرنسي" على سبيل المثال، تبدو صحيحة هنا. إذ تنطوي هذه المصطلحات على أن اللغة المشتركة، والدين، والإقامة في البقعة الجغرافية نفسها، والمواطنة في دولة واحدة، تخلق روابط عرقية. لكن البشر يطورون تشابهات وراثية بين بعضهم البعض، ويكرسون الاختلافات عن الشعوب الأخرى بغية تأسيس عرق منفصل، وذلك عندما تفصل الحواجز التي استمرت لآلاف من السنين إحدى الجماعات عن الجماعات الأخرى.. لقد هاجر البشر عبر العالم لآلاف السنين، ينزرعون في كل شبر في بيئاتهم الجديدة، وعندما تمت الهجرات تم الاختلاط البيولوجي.

لم تمنع الفروق الجسدية، ولا التحريمات الدينية، والقومية، من الاتصال مع الغرباء - أي من اختلاط الأجناس، فقد موهت العوامل البيئية والاختلاط المتداخل، الحدود بين الأجناس. وتُظهر مئات الدراسات أن الخصائص الجسدية التي تميز عرقاً عن عرق آخر ليست لها معايير بيولوجية ثابتة، بل هناك عوامل أخرى كالمناخ، والتغذية، والأمراض، من بين عوامل عديدة يمكن أن تحدث اختلافات من جيل إلى جيل([1])1.

كما أن ليس هناك من تقسيم حاسم للأنواع البشرية إلى أجناس، ذلك أن انتخاب الخصائص المميزة، ومستويات الاختلاف، عملية اعتباطية بحد ذاتها. ولهذا السبب أثبتت مقولة العرق - كأداة لتعقب الارتقاء البشري والهجرة - عدم جدواها الآن. وعليه فقد نبذ علماء الأنثروبولوجيا هذه الفكرة برمتها. أما العلماء الذين استمروا في الإشارة إلى الأجناس البشرية، إنما يفعلون ذلك للتمييز بين التقسيمات الأساسية بين البشر. وخلافاً للمقولات الشائعة حول معنى العرق الذي يخلط بين البيولوجيا والثقافة، يبقى الاستخدام العلمي له محدداً على الصعيد البيولوجي.

لقد سيطرت الدراسات العرقية في ما مضى على حقل الأنثروبولوجيا، لكن العديد من الأنثروبولوجيين كفوا عن تصنيف البشر على صعيد عرقي. وفي الوقت ذاته روج العديد من الكتّاب لفكرة التفوق العرقي، ونقلوا الانطباع أن علماء الأنثروبولوجيا يصادقون على أن تنسب الصفات السايكولوجية إلى الأجناس، لكنهم تجاهلوا حقيقة أن التصنيفات العلمية قد بنيت أساساً على الفروق في الخصائص المادية. كما أنهم ربطوا "رقعأً" إلى الأجناس أسيء تقديمها، فقد تم تقديم هذه الأجناس على أنها مصطلحات عرقية صالحة.

"فالآري" - وهو مصطلح لغوي وليس بيولوجي - هو صاحب الصيت الأسوأ. لقد ميز هتلر بين الآريين وغير الآريين على أساس سجلات وراثية. وتبعاً للنازية، فإن الأجناس الأخرى من غير الآريين كان يتم تحديدهم بخصائص سايكولوجية وجسدية لصيقة بهم.

إن سوء استخدام مصطلح العرق لتبرير سياسات تحسين النسل، وذبح ملايين البشر، عبأ العلماء للهجوم على مفهوم مصطلح العرق بحد ذاته. وكان في طليعة هؤلاء الأنثربولوجي آشلي مونتاغيو. فقد أوصى مونتاغيو باستبدال مفهوم العرق race بمفهوم "الجماعة الإثنية" Ethnic group، ونصح بأن هذا المفهوم الجديد سيفتح المجال لإعادة التثقيف في ما يتعلق الفروق الجماعية مع إعادة تصحيح المواقف العرقية([2])2.

كما أصدرت مجموعة من علماء الاجتماع في عام 1952 كتاباً عن منظمة اليونسكو بعنوان The Statement on Race وقد استفاد الكتاب من توصيات مونتاغيو في وجوب إسقاط مصطلح عرق "واستبداله بمصطلح"جماعة إثنية" وهو مصطلح يميز الجماعات عن بعضها البعض على الصعيد الجسدي.

لقد اشار "الكتاب" إلى أن "العرق" كمصطلح بيولوجي يعطي انطباعاً أن الفروق في الخصائص الثقافية شأن الدين والقومية واللغة والسلوك، هي فروق فطرية وغير قابلة للتغيير. أما مصطلح "الجماعة الإثنية" فيتضمن أن هذه الفروق ليست موروثة، بل مكتسبة. وتم اعتماد مصطلح "الجماعة الإثنية" كمصطلح ملائم للتعبير عما يعنيه البشر عندما يتحدثون عن العرق. فبرأيهم سوف لن تحقق الجهود المبذولة لإبطال استخدام مصطلح العرق، إلا إذا امتنع البشر عن تعريف الشعوب بالمصطلحات البيولوجية.

لكن مشكلة أخرى تظهر هنا في هذا السياق تتصل بالجهود العقلانية التي تسعى لإحداث تغيرات في المفردة (العرق) كوسيلة لوضع حد للأذية والتمييز الناجمين عنها. ويبقى من المغالطات الجسيمة أن نقول بأن الصفات (الدونية) التي تضفيها جماعة على جماعة أخرى، تتأصل في جبلة البشر.

وهنا يتم تعبئة البشر بالنزهة العنصرية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ويصبح من السهل التركيز على الفروق على أنها صفات أزلية. إن النزعة العرقية تزدهر، سواء زعم الشعب المضطهِد (بكسر الهاء) أو لم يزعم باختلافه عن ضحاياه.

لكن ولسوء الحظ لم تنجح الجهود المبذولة لتصحيح المفاهيم الجماهيرية حول العرق في التخفيف من المواقف العرقية، ولا استطاعت أن توضح المعاني الحقة للعرق والتمييز العنصري. فالكثير من التشويش المرافق لمعاني "التمييز العرقي" ينبع أساساً من تضارب الآراء المتعلقة بتحديد مفهوم "العرق".

بالرغم من أن الأنثروبولوجيين يشيرون إلى العرق، فهم يقصرون هذه الإشارة على تنوع الاختلافات البشرية الأساسية. وإذا ما سلم المرء بأن هناك العديد من الأعراق ضمن كل تقسيم من التقسيمات الأساسية للبشرية، عندئذ يمكن أن نلبس الممارسات التمييزية للبيض ضد السود والسود ضد السود، قبعة النزعة العنصرية. ولكن ماذا إذا كان هناك فقط ثلاثة أجناس بشرية رئيسية؟

عندما يبدأ السود والبيض والآسيويون التمييز ضد بعضهم البعض، نستطيع القول بوجود تطبيق محكم للنزعة العنصرية. أما إذا كانت الأجناس غير موجودة، فذلك يستتبع أن النزعة العرقية غير موجودة أيضاً.

دون اتفاق وإجماع بين الأنثروبولوجيين والمعنيين بمسألة الأجناس، يصبح تحديد النزعة العنصرية غير دقيق. لقد تطور، وكما أسلفنا، مفهوم هذه النزعة من النموذج النازي، متخذاً ثلاث مقدمات: الأولى الإعلان عن أن الأغلبية من الشعب تتميز عن الأقلية. والثانية عملية عقلنة للتمييز العنصري تتأسس على نظريات التفوق العرقي. أما الثالثة فتبني مقولتها على تحريم الزواج المختلط الذي يفسد الطهارة العرقية للجماعة العرقية المتفوقة المزعومة. لكن هذه الملامح لا تحتاج لأن تظهر في سياسة التمييز العنصري.

إن تضمين هذه الملامح في مفاهيم متعلقة بالعنصرية تهيئ السبل لإخفاء الممارسات العنصرية. وليس هناك اليوم من يبرر اضطهاد أغلبية لأقلية ما. فاللجوء إلى مقولات الدونية الوراثية، أو مخاطر الزواج المختلط، إنما يؤكد تطابق هذا المزاعم من النموذج النازي. فقد كانت محاولات نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا تهدف إلى تبرير قوانين الأبارتيد Apartheid بالقول إن نظام الفصل هذا يساهم في تطوير أفضل للسود والبيض على السواء. وتم رفع شعار "إفصل لكن إعدك:. وفي الولايات المتحدة الأميركية تم، ولوقت طويل، تجنب اندماج الطلاب السود والبيض في قاعات الدراسة. وحتى 1970 استبعد اليهود الأثيوبيون من حق الهجرة إلى إسرائيل، بدعوى أن يهوديتهم غير أصلية، كما تم تفعيل قوانين الهجرة البريطانية ضد الآسيويين والعرب. فبعض السياسيين هناك يقولون بعجز "هؤلاء" عن تكيفهم مع الحضارة الجديدة. وبسبب اقتران التمييز العرقي بالإبادة النازية، فإن تهمة التمييز العنصري تم تحريفها بالتظاهر بالدوافع الخيرة للتمييز العنصري.

ويعود اليوم موضوع الإثنية إلى الظهور مجدداً، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية، على أيدي عدد من المفكرين والمشتغلين فكرية ما بعد حداثية، والذين ينتمون إلى جماعات إثنية في جرن الانصهار([3])3 بعد أن تم إدخال واعتماد الإثنية كميدان معرفي جديد في سيرورة السجالات الفكرية التي تسود الولايات المتحدة هذه الأيام.

 

* كاتب سوري


 

[1] انظر المراجع التالية:

F. Boas, changes in bodily Form of Descendants of Immigrants (New York: Colompia University press, 1912) M. Goldstien, Demographic and Bodily changes in Descendants of Mexican Immigrants (Austin: Institute of G. Laske: Migration and physical differentiation," American Journal of Physical (Latn-American Studies, 1943 Anthropology, vol 4 1946 273-300 A. Mourant, Blood Relation: blood groups and Anthropology) New york Oxford Transplant Revew 22, 1975 3-43 A. Slejgaardetal, HLA and Disease Association- a survey" (University press, 1983). 

(2)2- انظر مونتياغو Man ,s Most Dangerous Myth: The Fallacy of race (New York: Colombia University press, 1946

[3] - المقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية.