العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

الفلسطينيون في لبنان: آراء في العلاقات والحقوق والتوطين

السبت 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

 

الوجود الفلسطيني في لبنان له إشكالياته السياسية والمجتمعية والاقتصادية، الأمر الذي جعله مسألة خلافية بامتياز، وجعل الاصطفافات حوله معبّأة بالتشنج والتوتر، ومسكونة بالقلق والخوف المتبادل، وجعل مقاربته محفوفة بالمخاطر من جهة، وعاكسة لأزماته الحادّة من جهة أخرى.

ضمن هذا الفضاء، كيف يمكن معالجة هذا الوجود ومناقشته؟ ما هي المجالات التي يمكن التطرّق إليها؟ ما هي المخاطر الناجمة عنه؟ ما هي مواقف اللبنانيين تجاه الفلسطينيين في لبنان؟ ماذا يريد الفلسطينيون اليوم من لبنان؟ أين يتوافق اللبنانيون والفلسطينيون؟ وعلى ماذا يختلفون؟ هل هناك قواسم مشتركة؟ ما هي؟ هل يمكن أن نضع إطاراً ناظماً للعلاقة بينهما؟...

هذه المسائل وغيرها من العناوين هي مضمون الكتاب الصادر عن دار أبعاد في لبنان بعنوان الفلسطينيون في لبنان: آراء في العلاقات والحقوق والتوطين إشراف وإعداد شوكت اشتي، وحوارات غازي خلف.

أهمية هذا الكتاب ليست في التجرؤ على فتح هذا الملف، والتطرق إلى قضايا ملتهبة، بل تعود هذه الأهمية إلى أمور أخرى، من أبرزها ما يلي:

1 ـ الكتاب وثيقة بكل معنى الكلمة، بل لعلّها الوثيقة الأولى، مبدئياً، التي تحدّد بوضوح، وتبيّن بدقة، آراء الفصائل الفلسطينية، والأحزاب والقوى اللبنانية، وعدد من الشخصيات السياسية والأكاديمية من الجانبين.

والقول إنه وثيقة يعني أنه مدخل مهم يمكن التأسيس عليه لتبيان الإطار الناظم للعديد من القضايا التي تثير نقاشاً وجدلاً وخلافاً بين اللبنانيين والفلسطينيين.

2 ـ حاور الكتاب مختلف الاتجاهات والمشارب السياسية اللبنانية والفلسطينية، سواء المعروفة بمواقفها السلبية، أو الإيجابية، تجاه الوجود الفلسطيني، فعلى المستوى الفلسطيني حاور حركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح، الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، حركة فتح ـ الانتفاضة، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية السابق في لبنان شفيق الحوت، عضو المجلس الوطني الفلسطيني صلاح صلاح، مسؤولة دائرة اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية سميرة صلاح، وأمين اللجنة التحضيرية للحقوقيين الفلسطينيين سهيل الناطور.

 

 

أما على المستوى اللبناني، فحاور حزب الله، الحزب التقدمي الاشتراكي، التنظيم الشعبي الناصري، الحزب السوري القومي الاجتماعي، الحزب الشيوعي اللبناني، حزب البعث العربي الاشتراكي، حركة أمل، الجماعة الإسلامية، تجمع اللجان والروابط الشعبية، رابطة الشغيلة، التجمع الشيوعي الثوري، حزب الكتائب اللبنانية، حزب الوطنيين الأحرار، حزب الكتلة الوطنية اللبنانية، حزب التضامن، إدمون رزق، سيمون كرم، والدكتور توفيق الهندي.

هذه الخريطة السياسية الواسعة والمتنوعة تعطي فضاءً غنياً من المواقف والأفكار والتصورات الحاسمة حول الموضوع، الأمر الذي يوضّح العديد من المسائل بدقّة لا لُبس فيها.

3 ـ أثار الكتاب، وبشكل مباشر، قضايا حسّاسة جداً، هي موضوع الخلاف عملياً بين اللبنانيين أنفسهم، أو بينهم وبين الفلسطينيين، فيتطرق إلى موضوع العلاقات اللبنانية الفلسطينية، راهناً ومستقبلاً، وكيفية تصوّر الجانبين لهذه العلاقات، وكيفية فهمهم لها. ويناقش مدى التزام السلطات اللبنانية بالأنظمة والقوانين الدولية الناظمة لوضع اللاجئين، ويدخل بقوة إلى موضوع التوطين، وما يثار حوله وعنه ومن خلاله... ويطرق مسألة السلاح عند الفلسطينيين، ومدى ضرورته وحدوده وطبيعته...

4 ـ يتضمن الكتاب مراجعة جدية للتجربة الماضية، فالفصائل الفلسطينية، بالتحديد، قدّمت من خلال ما جاء في الكتاب مراجعة نقدية لتجربتها في لبنان، وبيّنت، بوضوح، الكثير من جوانب القصور في رؤيتها للواقع اللبناني. كما أن العديد من القوى اللبنانية أعادت تصويب النقاش حول قضايا الوجود الفلسطيني.

5 ـ يتضمن الكتاب، أيضاً، تقديماً نظرياً ونتائج ختامية. فعلى الجانب النظري، يتطرّق لمسار الوجود الفلسطيني وخاصية الحقوق الاجتماعية والمدنية في ظل الخصوصية الكيانية اللبنانية. أما على مستوى النتائج، فإنه يحدّد إطاراً لعلاقة مستقبلية معافاة بين الشعبين، من خلال تحديده لدور الأونروا من جهة، وتوضيحه من جهة أخرى للدعاوى والشكاوى الفلسطينية، وتبيانه من جهة ثالثة للدعاوى والشكاوى اللبنانية، وصولاً إلى طرحه صيغة عمل.

واليوم، قد يكون من الضروري إعادة تصويب النقاش للوصول إلى ركائز واضحة تحدّد ماذا يريد اللبنانيون من الفلسطينيين؟ وماذا يريد الفلسطينيون من اللبنانيين؟ بعيداً عن التشنّج والصراع، وقد يساعدنا على ذلك أمران: الأول، التوافق اللبناني ـ اللبناني، من خلال جلسات الحوار على بعض القضايا المتعلقة بالجانب الأمني، وما له علاقة بالسلاح الفلسطيني، الأمر الذي يجعل من المفيد متابعة القضايا الإنسانية والمدنية المتعلقة بأوضاع الفلسطينيين والمخيمات.

الثاني، إعادة إحياء مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وتوافق الفلسطينيين على ضرورة تقديم تصوّر مشترك في ما بينهم، يحدّد رؤيتهم حول مختلف القضايا للسلطات اللبنانية.

وفي الأمرين يأتي الكتاب كمقدمة توافقية تجمع نقاط الخلاف، وتحدّد نقاط التلاقي بين اللبنانيين والفلسطينيين، فيقرّب المسافات في زمن التباعد والجفاء، ويسحب فتائل الانفجار في لحظات التوتر والصراع.

 

  اسم الكتاب: الفلسطينيون في لبنان.

  الكاتب: شوكت اشتي/ غازي خلف.

  دار النشر: أبعاد.

  سنة الإصدار: بيروت 2006.

   مراجعة: سركيس أبو زيد.