الاستشراق .. أو الجغرافيا التخيلية كما يراها ادوارد سعيد

السبت 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

في عام 1978، انتهى عقدان ثوريان، كانا قد استُهَّلا بانطلاق حرب التحرير الجزائرية عام 1954، وبلغا ذروتهما بتحرير سايغون عام 1975. ثم أتت هزيمة الجبهة الشعبية المتحدة في تشيلي عام 1973. هذا إضافة إلى تقدم حركات التحرير في الهند الصينية، وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا. والذروة كانت في ثورتي 1978 - 1979 في كل من إيران وأفغانستان، واللتان كانتا حاسمتين من خلال السيطرة الخمينية في إيران، خاصة، حيث الثورة، والثورة المضادة، في اللحظة ذاتها.

في هذا الإطار، ظهر كتاب (الاستشراق) عام 1978، فكانت تلك الأحداث مؤثرة في كيفية قراءة الكتاب، خاصة لمن راقب إعادة تنظيم الوضع السياسي في الولايات المتحدة، ولمن تابع ضروب الإنتاج الفكري في البلدان الموصوفة بالمتروبولية. ومن هنا دخل الكتاب التاريخ الفكري العالمي. ودخل مؤلفه إدوارد سعيد، الفلسطيني الأميركي، دائرة الضوء.

يعرض هذا الكتاب بين دفتيه مقالتين، أو بحثين، للفيلسوف الهندي إعجاز أحمد، إضافة إلى مقالتين، وتذييل، كتبها سعيد لإحدى طبعات كتاب الاستشراق (1995). فالكتاب بما هو عليه عبارة عن مقالات مجموعة، ترجمت إلى العربية من قبل ثائر ديب تحت عنوان (الاستشراق وما بعده - إدوارد سعيد من منظور النقد الماركسي)، وأصدرته دار ورد الدمشقية - 2004.

والاستشراق ليس كتاباً ينتمي إلى فرع أكاديمي صريح، أو كتاباً في الدراسات الشرق أوسطية، بل هو جهد فكري يقوم فيه كاتبه بفضح زيف تلك الآثار والنصب العظيمة في فروع أكاديمية، أو بتفحص تورط المثقفين في أيديولوجيات سائدة، وفي اختلاقات وتلفيقات تخدم سلطة لا شرعية لها.

ينتقد إعجاز أحمد رأي إدوارد سعيد في مقولات ماركس حول الكولونيالية، وخاصة في الهند تحت الاحتلال الكولونيالي البريطاني، واعتبار سعيد أن ماركس ينتمي إلى حركة المستشرقين، فواحدة من السمات اللافتة في الاستشراق تتمثل في أنه يتفحص تاريخ النصوص الغربية التي تتناول اللاغرب بمعزلٍ عن الكيفية التي استقبلت بها هذه النصوص، أو أعيد إنتاجها من قبل الطبقة المثقفة في البلدان المستعمرة، لا ككتلة غير متمايزة، بل كفاعليات اجتماعية متموقعة، مدفوعة بصراعاتنا، وتناقضاتنا، ومواقعنا الاجتماعية والسياسية المميزة، من حيث الانتماء الطبقي، والجنسي، والمناطقي، والديني. يقول إعجاز أحمد فحين تكون الكولونيالية هي التي كونتنا، يكون الخطاب الوحيد المهم حقاً هو الخطاب الكولونيالي، وهذا هو المثال الذي يضربه سعيد في كتابه.

لكن أحمد يعتبر أن جديد (الاستشراق) هو المنهجية، التي لا تقتصر على استعارته الواسعة من الفروع الأكاديمية القائمة، بل تتعدى ذلك إلى توسله ميشيل فوكو توسلاً صريحاً، وإعلانه أن موضوع هذه الدراسة، أي الاستشراق، هو تأكيد على الخطاب المؤسس للحضارة الغربية، كرونولوجياً (أي أننا نجده أصلاً في أقدم النصوص الأوروبية)، وحضارياً (بتعريفه الشرق على أنه آخر أوروبا الخطر، والمتدني حضارياً).

ويؤكد إعجاز أحمد على رؤية إدوارد سعيد، دون أن يتفق معه بالضرورة كل من يدرس الشرق، أو يكتب عنه، أو يبحثه، سواء في جوانبه المحددة، أم العامة، وسواء كان هذا الشخص أنثروبولوجياً (علم الأجناس البشرية)، أم عالم اجتماع، أم مؤرخاً، أم فيلولوجياً (فقيه لغة)، إنما هو مستشرق، وما يفعله، أو تفعله، هو استشراق.

إذاً، فالغاية من كتاب (الاستشراق) كانت إلقاء الضوء على العقيدة الفاسدة، والاضطهاد الإمبريالي اللذين يسمان المعارف الأوروبية برمتها، خارج الزمن والتاريخ. لكن الصدق المفترض في أدب العالم الثالث، الذي يعتمد العقيدة الصحيحة، والنهج التحريري المضاد لعقيدة المعرفة الأوروبية الفاسدة،.. يأتي من كونه لا حدود له، لا في المكان ولا في الزمان، لا في الثقافة، ولا في الطبقة،.. فرواية من السنغال، وقصة قصيرة من الصين، وأغنية من الهند القروسطية، يمكن أن تقرأ جميعاً ضمن الأرشيف ذاته: فكل ذلك عالم ثالث. لقد كان ماركس مستشرقاً لأنه أوروبي، أما رواية لطاغور، مهما تكن مكرسة، وفارضة للهيمنة ضمن السياق الثقافي الهندي، فيمكن تدريسها في أدب العالم الثالث بوصفها نصاً هامشياً، خارجاً على المكرس إزاء أوروبا.

كما أن كتابي (قضية فلسطين) و (تغطية الإسلام) اللذين تم تصورهما كجزءين تاليين للاستشراق، يمكن إضافتهما إلى كتابي (بعد السماء الأخيرة) و (لوم الضحايا) كقسمين من الأعمال المتكاملة لسعيد، ناهيك عن مقالات، دراسات، ومراجعات تناولت موضوعات قريبة، ونشرت في عدد كبير جداً من الدوريات، والمجلات السياسية، والصحف، عداك عن التدخلات غير المنشورة في المؤتمرات العلمية والمنتديات العامة من كل صنف ولون، بما في ذلك مقابلات تلفزيونية بالغة الأثر، ومتعددة، بحيث يمكن بسهولة أن تشكل كتابين أو ثلاثة.

ولسعيد في ميادين الدراسات الأدبية والثقافية (العالم، النص، الناقد) عام 1983 الذي جمع فيه مقالات منشورة. عدا عن مقالات منشورة في كتب حررها آخرون.

ويبقى أن (الاستشراق) كتاب طليعي أحدث صدمة هائلة في أوساط المثقفين والأكاديميين في كل أنحاء العالم. وحتى بعد ربع قرن على صدوره لأول مرة مازال يثير ردود فعل وقراءات نقدية من باب الإعجاب، أو الذم. والاستشراق، كفرع نقدي، لا يزال يفعل فعله عبر وسائل الإعلام الغربية، وأقمار التجسس الصناعية، والاستخبارات، وغيرها. فالدعاية ومراكز الأبحاث الغربية هي الشكل المعاصر من الاستشراق، والبديل التكنولوجي للرحالة أو المغامرين الغربيين.

اشتمل (الاستشراق) على وجوه متداخلة، من العلاقة التاريخية الثقافية بين أوروبا وآسيا، والتي ترجع إلى 4000 عام،.. إلى ولادة ذلك الفرع العلمي الذي بدأ في الغرب منذ أوائل القرن التاسع عشر، وراح يتخصص المرء على أساسه في دراسة الثقافات والتراثات الشرقية المختلفة،.. إلى تلك الافتراضات الأيديولوجية، والصور، والاستيهامات المتعلقة بمنطقة من العالم تدعى الشرق. ويقول سعيد القاسم المشترك بين أوجه الاستشراق، والذي لا يمثل، كما سبق أن رأيت، واقعة من وقائع الطبيعة بقدر ما يمثل واقعة من نتاج البشر، كنت قد أسميتها بالجغرافيا التخيلية.

وهذه الجغرافيا التخيلية، والديموغرافيا التخيلية، وضعت الشرق، أو الآخر كعدو للغرب، في قصدية واضحة، استعمارية كولونيالية، تركت جروحاً نرجسية في الشرق والعالم العربي،.. ما يدل على تفكير بعيد المدى مازال ينتج آثاره حتى في المستقبل المنظور من الآن.

لكن، من الجهل القول إن الاستشراق هو عبارة عن مؤامرات، أو الإيحاء بأن الغرب شرير أو شيطاني. ومثل هذا القول هو من الحماقات التي نسبها كل من برنارد لويس، وصنيعته العراقي كنعان مكية إلى إدوارد سعيد، كما يؤكد سعيد.

ويضيف لقد انحسرت حقيقة الشرق، بوصفه حالة بدائية، والنمط النقيض لأوروبا منذ أبد الآبدين، والليل الخصيب الذي ولدت منه العقلانية الأوروبية،.. انحسرت بلا هوادة، متحولة إلى نوع من المستحاثات النموذجية.

لعل الاستشراق كان رداً مبكراً على هنتنجتون، وفوكوياما، وبول جونسون. والأخير كان مثقفاً يسارياً في ما مضى، وقد نشر مقالة عنوانها (عودة الكولونيالية: للتو واللحظة) كانت فكرتها الأساسية أن على الأمم المتحضرة أن تأخذ على عاتقها إعادة استعمار بلدان العالم الثالث حيث تعطلت الشروط الأساسية للحياة المتحضرة!.

نذكر أن إعجاز أحمد مفكر وفيلسوف ماركسي، وانتقاده لرأي ماركس في تأييده الاستعمار لرفع مستوى الشعوب المستعمرة يختلف عن رؤية إدوارد سعيد الذي ضم أسخيلوس، ودانتي، وماركس، إلى حركة المستشرقين. غير أن في هذا الكتاب فائدة كبيرة، وإن رأى الناشر أنه يشكل بجزءيه وحدة واحدة، على عكس ما هو عليه، فإعجاز أحمد ينتقد الاستشراق، ماركسياً، على حين يعلق سعيد على عمله، ويرد على بعص منتقديه سريعاً.