العدد الخامس عشر - تشرين الأول 2006

الأزنيف

ناجح فليّح الهيتي-العراق
السبت 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2006.
 

قصّة قصيرة

ما كان سامر يتوقع أن يتأخر كل هذا الوقت عن الذهاب إلى المقهى، كما اعتاد أن يذهب إليه يوميّاً، بعد تناول العشاء، للعب الأزنيف، واللهو والسمر مع أصدقائه حتى انتصاف الليل. نظر في ساعته بعد رجوعه مع أمه من بيت جدّة إلى بيتهم، فوجد أنه تأخر ما زاد على الساعة والنصف عن موعده اليومي المعتاد. كان المقهى لا يبعد عن بيته أكثر من مئة وخمسين خطوة،

مشى إلى المقهى بخطوات ثقيلة، مفكّراً بما سيقوله لأصدقائه عن سبب تأخره، مهيّئاً نسفه لتقبل ما يبدون من تعليقات ساخرة، لأن ما حدث له في هذه الأمسية الخريفية الجميلة كان حلماً ما زالت أحداثه تنساب أمامه، وما زال يحلم به الآن، لكنه تأكد أنه ما كان يحلم حين وجد نفسه واقفاً أمام الطاولة التي كان أصدقاءه يلعبون عليها الأزنيف، بعد أن طرح أحدهم (الشيش بيش) مسجّلاً به أعلى ما كان يمكن تسجيله من نقاط في اللعبة، محققّاً الفوز على أصدقائه.

بادر سامر أصدقاءه بالتحية، ردّواً عليه، أفسحوا له مكاناً للجلوس، سألوه عن سبب تأخّره، طلب منهم أن يمهلوه قليلاً من الوقت كي يرتاح، نادى على نادل المقهى، طالباً زجاجة بارد، شربها بسرعة، ألقى بالزجاجة الفارغة فوق أرض المقهى الطينية، أخرج من جيبه علبة سجائره، أشعل له سيجارة أخذ منها نفساً طويلاً، نفث الدخان بقوة ثم بدأ الحديث، فقال:

تناولت عشائي بعد الغروب بقليل، تهيأت للخروج من البيت إلى المقهى. سمعت طرقاً على الباب. ذهبت إليه ففتحته، فوجدت صبيّاً يطلب من أمّي الحضور إلى بيت جدّي بسرعة. حاولت أن أفهم منه السبب، لم يجب ورجع راكضاً. لبست أمي عباءتها، وطلبت مني مرافقتها. أيقنت أن شيئاً غريباً قد حدث. سرنا صامتين طوال الطريق. وصلنا بيت جدّي، وكان سكان الزقاق متجمّعين في داخل البيت وخارجه. دخلت مع أمي إلى البيت، سألت أمي جدّتي عن سبب تجمع الناس، وطلب حضورها؟ أجابت جدّتي: لقد عاد أبوك الحاج... تساءلت أمّي: ألم يمت أبي منذ ستة أشهر، هل عاد إلى الحياة من جديد؟

قالت جدّتي: نعم رأيته بعيني مرتدياً ملابسه متّجهاً إلى البيت، إلا أنه اختفى قبل أن يدخل البيت.

أدركت أمي أن جدّتي في حالة غير طبيعية. قالت لي: اطلب من جميع الحضور الانصراف، ، فعلت ما طلبته أمي ورجعت. جلست بجانبها أستمع إلى جدّتي،وهي تتحدث عن رجوع جدّي إلى الحياة!! قالت:

جلست على عتبة الدار، أروّح عن نفسي وحشة الغروب، أراقب مغيب الشمس، متسلية بالنظر إلى المارّة في الطريق المؤدي إلى بساتين المدينة، وإلى المقبرة المقابلة لبيتنا، التي بدت قبورها المحدودبة المبنية بالجص، كأنها خرفان ترعى على التل بين الأشواك النابتة بينها،.. فجأة رفعت عيني، رأيت أباك سائراً في الطريق المحاذي للمقبرة، كعادته عند عودته من البستان قبل الغروب، نظرت إليه مرات عديدة، كان هو، ينقل خطواته كما كان يفعل دائماً في حياته. دقّقت في ملابسه، وجدت أنّها الملابس التي كان يرتديها في هذا الفصل من السنة، حتى العقال والكوفيّة المخططة هي نفسها، إنّني أعرفها قطعة قطعة، قرّرت أن أنزل لاستقباله، إلا أنني تريّثت لموقع بيتنا في أعلى القلعة ووجود الخندق، ولأني أردت أن أتأكد منه هل سيتّجه إلى البيت؟ كنت أراقبه خطوة خطوة، وفعلاً سلك الطريق وصعد إلى البيت، انتظرت ثانية حتى بدا في بداية الزقاق، فرفعت يديّ إلى فمي وزغردت، وأرسلت في طلبك للحضور، إلا أن أباك اختفى (كأنّه فص ملح وذاب).

 

أكدت جدتي لأمي أن ما شاهدته حقيقة وليس خيالاً، وأنّها لم تنم ولم تحلم، وأضافت إنّ الله على كلّ شيءٍ قدير). قالت أمي: نعم، ولكن: هل سبق أن أحداً من الأموات قد عاد إلى الحياة؟!!

قالت جدّتي (إنّ الله يحيي العظام وهي رميم)

قالت والدتي: إن ما تقولينه صحيح وموجود في القرآن الكريم، لكنّ الله سبحانه وتعالى (يحيي العظام وهي رميم) (ويبعث من في القبور) وقت البعث والنّشور، يوم تقوم الساعة.

قالت جدّتي: إنّك كعادتك لا تصدقيني أبداً،.. كنت معارضة لي منذ أن كنت طفلة.

قبّلت أمي رأس جدّتي، وطلبت منها أن تتوضّأ وتصلّي ركعتين. أوصت خالتي أن تكون ملازمة لها، لا تتركها وحده. رجعت وأمّي إلى بيتا. لم نجد تفسيراً لما حدث. دخلت أمي إلى البيت، وجئت أنا إلى المقهى... ضحك أصدقاء سامر لما سمعوه، وابتدأت تعليقاتهم الساخرة ضاحكين.

قال الأول: إن أمك تختلف عن والدتها، أخبرني أبي أنه درس مع والدتك عند الملاّ، وحفظاً القرآن الكريم تلفّظاً وتلاوة، وختماه سويّةً في طفولتهما، لكن جدّتك تشبه المرحوم خالك، الذي قبّل شرطي المرور واحتضنه، معتقداً أنّه الملك في لباس العرش.

قال الثاني: نعم، إنّها لا تختلف عن ابنها الذي صاح بالسائق (هوب، هوب) إرجع، إرجع، يوم وصل إلى بغداد لأوّل مرة، معتقداً أن بغداد (شايلة) راحلة لكثرة الزحام والحركة.

قال الثالث: لا بد أن جدّتك مثل ولدها الذي سأل إحدى النساء الجالسات أمام باب بيتها في بغداد أن تدلّه على بيت أخيه، لإيصال الفواكه والحاجيات المرسلة معه لهم، ولما أغوته، تمنّع واستغفر ربّه، فأمسكت به، إلا أنّه تخلّص منها، وهرب تاركاً لها ما كان معه.

قال الرابع: أليست جدّتك والدة خالك الذي نقل ما قاله أبوه إلى القاضي يوم دعاه للغداء، إن أبي يدعوك لتناول الزقنبوت، فأحدث قطيعة بين أبيه وصديق طفولته استمرّت حتى فرّق الموت بينهما.

قال الخامس: هل دفن جدّك بملابسه؟ ألم تفكّر جدّتك من أين جاء بالملابس والكوفية والعقال، فضحك الجميع. إلا أن الصديق صمت قليلاً، وسأل سامر مستدركاً: هل تدري من هو الذي رأته جدّتك واعتقدت أنه جدّك قد عاد إلى الحياة؟

قال سامر: لا.

قال الصديق: أتذكر لمن أعطيت ملابس جدّك بعد الوفاة؟

قال سامر: لا أذكر.

قال الصديق: لقد أعطيت ملابس جدّك إلى جارهم منصور، وتساءل ألم يشبه منصور جدّك في بنيته وطول قامته، وفي مشيته وحركته؟. وأضاف: إنّي رأيته عصر اليوم مرتدياً ملابس جدّك، جالساً في المقهى، قام وذهب إلى بيته قبل الغروب بقليل، سالكاً الطريق المحاذي للمقبرة، صاعداً إلى بيته في بداية الزقاق الذي فيه بيت جدّك، وقد اعتقدت جدّتك حين رأته أن جدّك قد عاد إلى الحياة، واختفى، قال ذلك في الوقت الّذي كان فيه المطرب ناظم الغزالي يؤدّي مقاماً عراقيّاً من إذاعة بغداد يقرأ فيه أبيات من شعر امرؤ القيس، عجز أحد الأبيات (وإنّي مقيم ما أقام عسيبُ)، فعلّق أحد الأصدقاء، إن جدّك مقيم في قبره ما أقام عسيبُ، ولن يخرج منه وإن زغردت جدّتك وألحّت في طلبه، فضحك الجميع.

أيقن سامر بعد ما قاله صديقه، أن ما رأته جدّته كان جارهم منصور مرتدياً ملابس جدّه، فشعر أن همّاً أزيح عن صدره وعادت إليه الطمأنينة بعد إحساسه بالقلق، وأحس بالفرح والارتياح، طلب من أصدقائه أن يلعبوا الأزنيف، ويكون هو أحد المشاركين في اللعب، استجابوا له، وأخذوا يعلبون، ينكّتون ويضحكون حتى منتصف الليل، إلا أن الحظ لم يحالفه فخسر.

رجع سامر بعد تفرّق الجميع إلى البيت، وجد أمّه نائمة، أراد أن يوقضها ويخبرها من هو الذي رأته جدّته معتقدة أنّه زوجها قد عاد إلى الحياة، لكنّه آثر أن يتركها نائمة ويحدّثها في الصباح، وذهب إلى النوم معتبراً أن ما حدث له في المساء لعبة أزنيف كان هو الخاسر فيها بين أصدقائه.