العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

النظام العالمي الجديد بين نزعة الهيمنة وارادة الممانعة

زهيرفياض
الجمعة 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 
New Page 1

تفقد الألفاظ والتعابير ألقها،.. والكثير من معانيها عندما تكبر الفجوة بين مدلولاتها وواقع استخداماتها التي تجافي الحقيقة في مضمونها .

لقد بات هذا الزمن حافلاً بالكثير من المتناقضات التي تعبر عن حالة الاضطراب، والقلق الذي تعيشه شعوب الأرض نتيجة الحروب والنزاعات والصراعات الممتدة على مدى هذا العالم المترامي الأطراف، وفي ظل ازدواجية معايير من النوع الثقيل، تلقي بظلالها على حياة الأمم المستضعفة، الطرية العود،.. خصوصاً تلك التي تناضل من أجل تحقيق مشروعها النهضوي التعميري البنائي، وتكافح من أجل سيادتها وحريتها وكرامتها وعزتها واستقلالها، وتعمل من أجل تحقيق  التنمية الشاملة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية لرفع مستوى حياة الانسان فيها، وبعث الطمأنينة والسلام الداخلي في نفوس أبنائها ...

اليوم،.. أسئلة كثيرة مقلقة ومحيرة في آن، تسكن العقل الإنساني وتمثل تحدياً حقيقياً للكشف عن السبيل إلى الخلاص من هذا الواقع العالمي المأزوم في العلاقات بين شعوبه وأممه وأوطانه، وفي تحديد المسار الذي يفترض أن تسلكه البشرية  للحد من المخاطر التي تتهدد سكان هذا الكوكب.

ونقطة البدء تكون في صياغة قواعد مشتركة تساهم في تقريب وجهات النظر  والمفاهيم والرؤى حيال التعامل مع قضايا العالم المعاصر، وهذه المهمة ممكنة اذا ما تضافرت جهود الحكماء داخل كل مجتمع بهدف تعميم ثقافة إنسانية حضارية تقوم على الانفتاح، والاعتراف بالآخر، والتعامل مع هذا الآخر، والتفاعل الجاد الايجابي والبناء والخيَر، والتواصل المستمر، وتبادل الأفكار وصولاً إلى خلق بيئة عالمية جديدة يسود فيها روح التعاون والشراكة الحضارية الراقية الواعية والمدركة أن هذا الخيار هو خيار الاستقرار والرخاء والازدهار والنمو والتنمية والتقدم. أما الخيار البديل فهو خيار الاستئثار والجشع والطمع والأنانية الفردية والمطامع الجماعية، التي ستؤدي إلى تنامي الصراعات المدمرة بحيث لن يكون أي طرف بمنأى عن مخاطرها الهائلة.

من الزاوية الفلسفية الصرف، قد تكون القيم مطلقة في رمزيتها، فالحق مطلق في أصحابه، والخير مطلق في جماعته، والجمال مطلق في معنويته، لكنّ قيم الحق والخير والجمال عندما تقارب في المجتمع، وتعمم في حالات الإنسان تصبح نسبية على إطلاقها، فمشكلة الحق هي في الزاوية التي ينظر إليه منها كل طرف، ومشكلة الخير تكمن في تحديد الخيط الفاصل بين ما هو "مطلق" وما هو "نسبي"، وتقرير المسائل "الجمالية" يحكمها تعدد المثل والقيم والمفاهيم والرؤى التي يبلغ تعدادها عدد شعوب الأرض وثقافاته وحضاراته...

ومع ذلك، لا بدّ من العمل الجاد والبنَّاء، والتواصل المستمر الايجابي الفاعل بين الأمم والشعوب والمجتمعات والحضارات والأديان،.. للمساهمة في تخفيف الاحتقانات والتشنجات والعصبيات والعداوات والصراعات والتجاذبات التي يحفل بها عالم اليوم، فنحن جميعاً ركاب سفينة واحدة، وقد بلغ الانسان من قوة التأثير والسيطرة والتحكم بواسطة العلم والمعرفة وتقنيات العصر مستوى بات فيه أي خطأ أو أي استعمال غير حكيم لتلك المعارف يشكل مأزقاً حقيقياً، أو خطراً شاملاً على العالم بأسره.

نقطة الانطلاق التي لا بد منها، تتجسد في رؤية موضوعية للمشكلات والتحديات التي تواجه البشرية، ووضع مسار معرفي أخلاقي واحد في مقاربة مشكلات الواقع الاجتماعي الانساني. 

ذلك أن جزءاً أساسياً من المشكلات يتجسد في غياب الرؤية المشتركة، والنظرة المشتركة، والمفهوم المشترك، والتعريف المشترك للمبدئيات، والفهم المتقارب للظاهرات ولحركات، أو والوقوع في أسر أحادية الفهم، وأحادية الرؤية، وأحادية السلوك، وأحادية الفعل،.. ما يؤثر تأثيراً ظالماً في حياة أفراد أوجماعات أو في مصير أمم وشعوب بكاملها تقع  ضحية كل هذا الخلل في تحديد الأقانيم والمبادئ العامة التي يجب أن تحكم سلوكيات الأفراد داخل المجتمعات، وسلوكيات الدول والأمم على مدى العالم.

لقد بات  العالم اليوم، نتيجة غياب تلك المبادئ، يخضع لهيمنة أحادية من جانب الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول التي تدور في فلك رؤيتها،.. أوتلك التي تتشارك وإياها المصالح حول العالم على حساب الغالبية العظمى من ناس وشعوب وأمم وأوطان مقهورة، ولكنها تلهث لحماية مصالحها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وتملك رؤيتها الخاصة لدورها ووظيفتها، ولها ثقافتها ولها تراثها ولها تقاليدها، وهي تملك الحق في تقرير مصيرها وبناء مستقبلها كما ترنو إليه شعوبها هي، دونما تأثيرات أو ضغوط أو عمليات ابتزاز من أي جهة أتت...

العالم اليوم يعيش صراعاً مريراً وحاسماً بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الجمال والقبح، بين العدل والظلم، بين المساواة والاستئثار، بين الحرية والعبودية، بين الاعتراف بالآخر والاتجاه لإلغاء هذا الآخر،.. بين روحية المشاركة وروحية الإخضاع، بين نزعة الهيمنة وارادة الممانعة.

ثمة أسئلة كبيرة تنتظر أجوبة، وثمة مسائل خطيرة تضغط باتجاه اتخاذ قرارات حاسمة، والقيام بخطوات شجاعة، وتنفيذ اجراءات ضرورية لتفادي الانفجار الكبير.

فالقاعدة المعروفة تقول أن الضغط يولّد الانفجار، والظلم يولد الثورة، والحرمان يولّد النقمة، فهل ننتفض لإنقاذ شعوبنا ومجتمعاتنا وأممنا وحضاراتنا من موت محتم؟

نحن أمام خيارين: إما تنامي الصراعات والمناحرات  ووصولها الى نقطة اللاعودة، أو تنامي روح  الوفاق و الالتقاء، والبحث عن حلول يفيد منها كل الأطراف.

إذا ما ألقينا نظرة سريعة على التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية المتسارعة منذ سنوات من كوريا الشمالية إلى الصين، إلى أميركا اللاتينية، إلى بلاد القوقاز، إلى آسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان والهند، إلى إيران والعراق وفلسطين ولبنان ندرك أن القوة تستولد القوة، والعنف يولّد العنف، والاحتلال يؤدي إلى المقاومة، والغطرسة تنمي الأحقاد، والنزعة إلى الهيمنة الإمبراطورية لدى بعض الدول الكبرى تقوّي إرادة الممانعة لدى الشعوب المستضعفة.

ما يهمنا، وما نحن بحاجة إليه، هو توحيد المعايير كي نتمكن من  قياس السلوكيات والممارسات للأفراد والجماعات والدول، وكي نستطيع أن نحدد موقفاً من أي أزمة أو مشكلة، أو حدث يستوجب وضع الحلول ورسم المخارج له.

عندما يقوم "العالم الحر" بتوحيد المعايير السياسية الحقوقية يصبح من السهل حل مشكلة الملف النووي الإيراني إذ، عندها يتساوى الملف النووي الايراني - على الأقل - مع الملف النووي "الإسرائيلي"، وتتساوى مسألة امتلاك كوريا الشمالية السلاح النووي مع مسألة امتلاك الولايات المتحدة الأميركية السلاح النووي، أو مع امتلاك روسيا أو الصين أو فرنسا أو باكستان أو الهند أو بريطانيا السلاح ذاته، عندها تتوفر إمكانية إيجاد حلول واقعية عادلة، فالمساواة في الشروط الخاصة والعامة حول أي قضية هو الشرط الوحيد الممكن، والمدخل المنطقي لحل سلمي حضاري يقوم على قناعة مشتركة بأن السلاح النووي مصدر تهديد للبشرية جمعاء. وعندما يتخذ العالم "الديمقراطي" موقفاً موحداً في تعريف ما هو "الاحتلال" وتوصيف ما هي "المقاومة" في القانون الدولي،.. عندها يمكن أن  نتلمّس حلاً ما عادلاً وشاملاً للقضية الفلسطينية، أو للقضية العراقية، أو للقضية الايرلندية، أو لمشكلة الشيشان مع روسيا، أو لمشكلة باكستان مع الهند في منطقة كشمير، ونكون قد ولجنا طريق حلّ الكثير من النزاعات الحدودية وغير الحدودية،  وربما تنتهي عندها صراعات استمرت لعقود وسنين طويلة.

لحظة تتوحد المعايير العالمية في مقاربة الصراعات والنزاعات والحروب على مستوى العالم نكون قد خطونا خطوات جدية نحو تفعيل دور إيجابي عملي لمنظمة الأمم المتحدة، التي تعاني أزمة ثقة عالمية بها، وبقراراتها، وبمؤسساتها، وبآليات اتخاذ القرارات في محافلها، وهي أزمة تنعكس سلباً على صدقيتها وسمعتها التي تلقت ضربات قاسية جراء قرارتها حيال العراق وفلسطين ولبنان وإيران، وفي أنحاء مختلفة من العالم،.. هي قرارات تغلب عليها ازدواجية المعايير السياسية الحقوقية في مقاربة المشكلات العالمية.

خلاصة القول، إن النظام العالمي الجديد يترنح اليوم بين نزعة الهيمنة وإرادة الممانعة، ونتيجة هذا الصراع ستترك بصماتها على المستقبل الإنساني بأسره.