العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

سياسة البكاء على المعايير المزدوجة

نصري الصايغ
الجمعة 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 
New Page 1

لا تحتاج سياسة ازدواجية المعايير إلى إدانة. ثمة حاجة إلى الإعتراف بها تقاعدة في السلوك السياسي، طالما أن معايير موازين القوى تتحكم بالمعادلات الإقتصادية والسياسية والعسكرية.. الخ، وطالما أن العالم يلجأ إلى المعايير الأخلاقية، إما لتبريرٍ وإما لتغطيةٍ،.. وغالباً للإدانة.

ثمة حاجة إلى الإعتراف بقاعدة ازدواجية المعايير، وليس باللجوء إليها أحياناً، أو عندما تدعو الحاجة.  ويمكن التجرؤ على الإستنتاج، بأن هنالك قرناً كاملاً من فقدان المعاييرالأخلاقية والحقوقية في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط،و بأن ازدواجية المعايير هي السياسة، وأن ما عدا ذلك طوباوية يتحصن بها الضعفاء والمغلوبون والمضطهدون!!

قرن كامل من الظلم المطلق بحق فلسطين: وعد بلفور غير أخلاقي. تقسيم سايكس-بيكو جريمة. دعم دولي لنشوء إسرائيل،.. مذبحة. طرد الفلسطينيين وتشريدهم، تهجير قسري. احتلال فاقع لأراضٍ عربية.. له ما يبرره!! قرارات دولية تشطبها إسرائيل،.. لها الحق الموضوعي في ذلك. قرارات دولية تلاحق الدول العربية.. ونافذة فوراً وبقوة السلاح والعدوان،.. انتظام في الشرعية الدولية. ُيقتل إسرائيلي، ولو كان جنديا، فتقوم القيامة. تستباح غزة.. يعاد احتلال الضفة، تدمّر بيروت (1982) يدمّر لبنان. حق إسرائيل في رد العدوان!!

والقائمة تطول.. ولا ينفع العرب، أبداً، الإستمرار في البكاء على أطلال القيم والعدالة والحقوق المغتصبة. كما لا تنفع سياسة القبول بهذا المبدأ والتعامل معه وكأنه قدر الضعفاء. ولا ينفع أيضا تبنّي مقولة العجز طالما أن السياسة الدولية توزن بمكاييل المصالح وأحجام القوى المسيطرة.

ذلك، أنّ مثل هذا القبول يؤدي إلى الإقتناع بفلسفة العجز وتبرير الإستسلام، وتطليق محاولات البحث عن توظيف مصادر القوة للتقليل من الخسائر، أو لمنع كارثة، أو لممانعة ضغوط. كما إن الإكتفاء بالصراخ ورفع الإحتجاج لا ينفع أبدًا في تعديل موازين القوى الدولية: دول أوروبية عديدة أدانت ازدواجية المعايير والحرب اللاشرعية على العراق. خرج عشرات الملايين ضد الحرب.. ذهب بوش وبلير ومن معهما من الغرب ومن العرب، وفتكوا بدولة وشعب بذريعة الإطاحة بالنظام العراقي.

كذّبت أمريكا ونافقت انكلترا، وارتكبتا مذبحة بحق شعب. وقد كوفئا من قِبل من كان معارضاً للحرب من دول الغرب. فالمصالح أصدق أنباء من الحق.

يسيء التفسير من يقرأ هذا الكلام، على أنه دعوة لهجر الأخلاق ولرميه كالسلاح. ويسيء أيضا من يرى أن الحروب على العرب تحسمها فقط فضيلة التمسك بالحقوق.

 إن معاركنا هي معارك تستند إلى حصانة أخلاقية في الأسباب والغايات:فهي لرفع الظلم المزمن والإحتلال المتمادي، والإستتباع القهري، والإذلال الوطني، والنهب الاقتصادي والفتن الدموية. ومع ذلك فالأخلاق وحدها ليست كافية،.. واستمرار الإحتجاج على إزدواجية المعايير لا يضّر،.. ولكنه لا ينتج.

فعوضاً عن ممارسة فنون النّق الأخلاقي، ألا يجب الإنصراف إلى تخريب منطق ازدواجية المعايير،.. أو إلى منع تطبيق هذه الإزدواجية،.. أو إلى قلب موازين القوى؟!

ذلك ممكن فقط إذا تأسس المشروع النضالي على قاعدة القوة كوسيلة حاسمة في تحقيق الإنتصار، أو في الحدّ الأدنى لمنع الإنكسار، أو في الحدّ الأوسط تكبيد الأعداء في مصالحهم الحيوية خسائر محسوبة إجتماعياً ودولياً.

يمكن ذلك،.. والدليل أن العالم في معظمه الأقوى، والعرب في قلتهم المعتدلة سمحوا لإسرائيل لتخوض حربا غير مسبوقة ضد المقاومة الإسلامية في لبنان،.. وبذريعة غير أخلاقية، وبهمجية بربرية دموية، وبصلافة تدميرية كاسحة، ومجازر لمدنيين،.. وإبادات لقوى وبلدات، ومع ذلك، فإن قوة الصمود وجبروت المقاومة، وبسالة اللبنانيين وتقنيات القتال، وأساليب المواجهة وإيمان الجهاديين، وتصميم القيادة والإستعداد الدائم،.. كلّه ألغى مفاعيل هذه الحرب سياسياً، وأفشل غاياتها، وإن كان ثمن ذلك الكثير من الآلام والجراح والضحايا، فهذه سنّة الصراع بين قوتين غير متكافئتين.

قيل: لو أنّ العالم يرسي الأخلاق والقيم كقواعد لسلوكه لما كنا بحاجة إلى سياسة. فسبب السياسة أنّ العالم مؤسس على ازدواجية المعايير.

هذه هي القاعدة ولا يمكن تعطيلها بقوة الحق وحده، بل بالحق والقوة معا. وتجاربنا الحديثة تثبت ذلك. فمن له عينان فليتبصر بما يحدث في لبنان وفلسطين، ومن له أذنان سامعتان فليسمع.