العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

قوى 14 شباط ومفهوم الهدية

حسن خريباني
الجمعة 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

وفي عز المعمعة كان سؤالهم لمن ستهدون الانتصار، بربكم هل سمعتم عن أمة تحررت ودحرت المغتصبين المحتلين وأهدت نصرها لآخر، تلك الجزائر، وفيتنام وغيرهما العديد من الأمم التي نالت من مغتصبيها ودحرتهم، هل نال أي فرد منكم أو سمعتم عن أمم أخرى نالت وحازت على انتصارات غيرها وحرية غيرها.

لا الجزائر أهدته لعبد الناصر، ولا فيتنام لموسكو.

لا وألف لا منذ التاريخ القديم والى يومنا هذا لم يقدم أحد حريته وعزّته التي نالها بالتضحيات والشهداء، وما إلى غير ذلك مما يسفك في سبيل الحرية، إلى الآخرين إلا إذا كان خائنا.

إذا كان مفهوم الهدية " الشباطي " هو كمفهوم هدايا عيد فالانتين عاشقين وعشيقات، وخوالي وغلمان، وجواري وخصيان.

فمن حقهم أن يطلبوا وأن يتلقوا أو يهدوا هداياهم لمن شاؤوا، نحنا ما عنا من هالبضاعة.

وإذا كان مفهوم الهدية، كهدايا الإمبراطور بوكاسا إلى جيسكارديستان الرئيس الأسبق لجمهورية فرنسا الشفافة والديمقراطية،

أو كهدايا السيدة نازك إلى السيدة الفرنسية الأولى برناديت زوجة فريري جاك أكثر عهود الجمهورية صفقات وفضائح، فهذا النوع غير متوفر لدينا.

الحاكم بشفافية الملوك والرؤساء العرب، جمهوريته الهرمة، التي تفوح منها رائحة النفوذ الصهيوني بقوة.

أما أن يطلبوا أن نهديهم هذا النصر الذي لم يصنعوا منه شيئا، نصر على يهود الداخل والخارج بالتكافل والتضامن بينهما.

الحرية لا تهدى والبطولات لا تهدى، لأن الحرية صراع، والحرية حق.

يستطيع السيّد حسن نصر الله أن يهدي عباءته لمن يشاء.

ولا يستطيع أن يهدي قميص شهيد أو جريح أو مقاوم ممزق، ولا جزمته الشامخة فوق رؤوس الأذلاء المستسلمين، ولا بندقيته، لأن هذه البندقية ملك الأمة وانتقلت إلى الفوج الثاني والثالث والرابع...

الاستقلال يؤخذ ولا يعطى، وهذا الكلام موجود في الكتاب المدرسي الغير موحد لهذا الوطن الغير متحد.

إن شهداءنا هم أولى انتصاراتنا، كما يقول سعادة، بربكم أسمعتم أن أحداً يهدي شهداءه.

فانتصاراتنا لا تهدى، لأنها بالدم الزاكي تحققت ويا لعجزنا أمام بطولات شهداء تموز الماضي منه والحاضر كم من أم مجاهدة قد قدمت أكثر من واحد من فلذات أكبادها مجاهدين استشهدوا في سبيل الانتصار على الذين يقاتلوننا في ديننا وحقنا ووطننا.

أن ننتصر على اليهود أو أي غاصب لا ننتصر من أجل أي آخر، صديقا كان أم عدوا أم جارا، أن ننتصر لا لنهدي نصرنا إلى عدونا ولا إلى الذين يبشروننا في السلم ويهيؤون للحرب مع عدونا، سواء بإرسال أساطيلهم لحمايته أو للتخفي تحت قرارات المنظمة العديمة الإنسانية " مجلس الأمن " الشريك الكامل لإسرائيل،.

لا لن نهدي انتصاراتنا إلى اليونيفل، ولا لأي صديق في الخارج، أو الداخل لا يرى في الهدية الا مقياس كالمقاييس التي ذكرنا، أو أسهما في الشركات التي تمتص دم المواطن كل يوم، متعددة الجنسيات، أو محلية الصنع، يتخفى في ظلها المستعمر ومصالحه...

ألم يكن الأفضل والأجمل والأرقى أن تكونوا شركاء في هذا النصر.

لكنكم لا تجيدون السباحة إلا في الوحول، كما يقول سعيد تقي الدين.

والى القارىء العزيز ما يقوله أنطون سعادة في غايتنا من الاستقلال والتحرر:

...ليست الغاية الاستقلال مثلاً. الاستقلال لمجرد الاستقلال ليس غاية لنا. ولا يمكن أن يكون غاية أخيرة في مفهومنا ومدلول هذه الصفة عندنا.

الاستقلال عندنا واسطة لا غاية. الاستقلال واسطة لتحسين حياتنا وترقيتها وجعل إرادتنا في الحياة نافذة.

نحن لا نريد الاستقلال لمجرد الاستقلال. نريد الاستقلال لأن لنا مقاصد في الحياة مقاصد نريد أن نحققها ولا يمكن أن نحققها إلا بواسطة الاستقلال.
نحن مثلاً في كل قضية تلازمنا هذه القضية. لا نريد مثلاً حرية لفلسطين من اليهود لمجرد تحريرها من اليهود مثلاً. فقد تتحرر من اليهود مثلاً ! وتبقى للانكليز أو تبقى لجماعة أخرى.

نحن نريد تحرير فلسطين لأنها جزء منا ولأن حياتنا تنقص كثيراً إذا فقدنا فلسطين. وعندما نهتم بمصير فلسطين مثلاً لا نهتم بنقطة واحدة وهي مجرد اليهود و "يأخذوها القرود بعد اليهود".

ليس بهذه الطريقة نحن نقول. نحن نقول إنه يجب أن يخرج المعتدون من أرضنا لتبقى أرضنا لنا. ونقدر على تتميم أهدافنا ومقاصدنا فيها، فلنا في هذه الأمور دائماً قصد واضح، غاية أخيرة واضحة في جميع المسائل. (انتهى كلام سعادة).

المصدر(الأعمال الكاملة ج 8 - مؤسسة سعادة للثقافة - ص 132 - أو راجع المحاضرة العاشرة من المحاضرات العشر).

نعم لم ننتصر على اليهود وندحرهم من أجل القوى الأطلسية مجتمعة أو متفرقة.

لم ندحر اليهود لنستبدلهم بقوى أجنبية تقف وراءها أطماع استعمارية قديمة ومتجددة.

عندما يندحر محتل، يندحر معه عملاؤه وزبانيته،

ويبقى الشعب شهداء وصامدين، جيشا ومقاومة، لا يعرفون إلا الشرف والكرامة والتضحية.

الانتصار هو انتصار الأمة على أعدائها والطامعين بحقها.

لتحيا فينا دائما وقفات العز، من تموز رمل بيروت، إلى تموز الضاحية والجنوب، معا نردد مع سعادة:

حتى الدماء التي تجري في عروقنا ليست ملكا لنا، إنها وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها.